صفر – أمل العمر
لم يعد تدهور حرية الصحافة في مناطق النزاعات المسلحة، يُقاس فقط باتساع القيود على العمل الإعلامي، بل بكون الصحفيين أنفسهم باتوا، على نحو متزايد، ضمن دائرة الاستهداف المباشر، رغم أن القانون الدولي الإنساني يعدّهم مدنيين ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وهو ما أكدته أيضاً قرارات أممية ذات صلة بحماية الإعلاميين أثناء النزاعات.
ولا تقف خطورة هذا المسار عند حدود المساس بحق الصحفيين في الحياة والسلامة الجسدية، بل تمتد إلى المساس بالحق المجتمعي الأوسع في المعرفة، لأن استهداف من ينقلون الوقائع يفضي عملياً إلى إضعاف الوصول إلى المعلومات الموثوقة، وتوسيع مساحات التضليل، وتقويض فرص المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة أثناء الحرب.
ويشدد خبراء الأمم المتحدة على أن قتل الصحفيين الذين يؤدون عملهم المهني في النزاع المسلح يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب.
وبلغ التدهور مستوى غير مسبوق في عام 2025، إذ وثّقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 129 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي حول العالم، في أعلى حصيلة تسجلها منذ بدأت توثيق هذه البيانات قبل أكثر من ثلاثة عقود، وكان أكثر من ثلاثة أرباع حالات القتل في سياقات نزاع، في حين ارتبط 104 منها مباشرة بالنزاعات المسلحة.
وتكشف هذه الأرقام تحولاً خطيراً في طبيعة المخاطر التي تواجه الصحفيين؛ فالمسألة لم تعد مقتصرة على المخاطر الملازمة للتغطية الميدانية، بل باتت تشمل أنماطاً أكثر مباشرة وفتكاً من الاستهداف.
الاحتجاز والقمع الأمني
ورصدت لجنة حماية الصحفيين ارتفاعاً حاداً في حالات قتل الإعلاميين بواسطة الطائرات المسيّرة، من حالتي قتل فقط في 2023 إلى 39 حالة في 2025، ما يعكس أثر التقنيات العسكرية الحديثة في مضاعفة هشاشة العمل الصحفي في ساحات الحرب.
ولا يقتصر الاعتداء على الصحافة على القتل، إذ تُظهر بيانات “مراسلون بلا حدود” أن 503 صحفيين كانوا رهن الاحتجاز في 47 دولة حتى 1 ديسمبر 2025، وهو رقم يعكس اتساع استخدام الاحتجاز والقمع القانوني والأمني أداتين لإسكات التغطية المستقلة، خصوصاً في البيئات التي تتقاطع فيها النزاعات المسلحة مع السلطوية السياسية وانعدام المساءلة.
وبحسب منظمة اليونيسكو، فإن حماية الصحفيين في النزاعات لا ينبغي النظر إليها بوصفها مسألة مهنية تخص العاملين في الإعلام وحدهم، بل باعتبارها التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق الدول وأطراف النزاع والمجتمع الدولي.
فحين يُستهدف الصحفي، لا يُعتدى على فرد فقط، بل يُعتدى أيضاً على حق الجمهور في الشهادة على الحقيقة، وعلى أحد الشروط الأساسية لأي عدالة ممكنة في زمن الحرب وما بعدها.
السيطرة على الرواية
تتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية في التعامل مع الإعلام، حيث تسعى أطراف النزاع إلى التحكم في تدفق المعلومات، سواء من خلال استهداف الصحفيين أو فرض قيود على التغطية.
ويشمل ذلك تقييد الوصول إلى مناطق النزاع، وفرض رقابة على المحتوى الإعلامي، إضافة إلى حجب الإنترنت أو التضييق على نشر المعلومات، ما يؤدي إلى خلق فراغ معلوماتي يُملأ في كثير من الأحيان بروايات غير دقيقة.
ولا ينعكس هذا الواقع على الصحفيين وحدهم، بل يمتد إلى المواطنين، إذ يؤدي غياب التغطية المستقلة إلى تقليص القدرة على فهم مجريات الأحداث، وإضعاف الشفافية، وتقليل فرص توثيق الانتهاكات.
كما تدفع البيئة الخطرة العديد من الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، خوفاً على حياتهم أو حريتهم، ما يحدّ من تنوع المعلومات المتاحة ويؤثر في النقاش العام، ويصبح الحق في الوصول إلى المعلومات -وهو من الحقوق الأساسية- أكثر هشاشة، خاصة في البيئات التي تتسم بتداخل الأزمات الأمنية والسياسية.
وتنص المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حماية حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات.
كما يعد القانون الدولي الإنساني الصحفيين مدنيين ويجب حمايتهم في النزاعات، غير أن المعطيات تشير إلى فجوة بين هذه النصوص والتطبيق، في ظل ضعف آليات المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب في عدد من السياقات.
قراءة تحليلية
يرى الخبير الإعلامي، الدكتور كامل خورشيد مراد، أن الضغوط الأمنية والسياسية تمثل أحد أبرز التحديات أمام حرية الصحافة في مناطق النزاع، حيث تسعى أطراف الصراع إلى التحكم في تدفق المعلومات، ليس فقط عبر تقييدها، بل من خلال إعادة صياغتها بما يخدم مصالحها.
وفي حديثه لـ”صفر” أشار د. مراد إلى أن هذه البيئة تؤدي إلى تراجع الوصول إلى المعلومات الدقيقة، وفتح المجال أمام انتشار المعلومات المضللة، خاصة في ظل الفضاء الرقمي، حيث يصبح التمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة أكثر تعقيداً.
وشدد على أن حرية الصحافة في هذه السياقات لا تمثل ترفاً، بل ضرورة مرتبطة بالأمن المجتمعي والحقوق الأساسية، مشدداً على أن حماية الصحافيين تتطلب مزيجاً من الإجراءات المؤسسية والتقنية لضمان استمرار تدفق المعلومات.

