في تقييم الاحتياجات الإنسانية، تُحصى الخيام والأغطية والمياه والمرافق الصحية، لكن هناك احتياجاً يومياً يصعب إدخاله في قوائم المساعدات: أن يجد الإنسان مكاناً يستطيع أن ينام فيه من دون خوف.
وفي غزة، حيث يعيش نازحون في خيام ومواقع مكتظة ومبانٍ متضررة، لم تعد ساعات الليل تعني بالضرورة الراحة، إذ تتداخل ظروف الإيواء مع الخوف وعدم الاستقرار والضوضاء والافتقار إلى الخصوصية لتجعل النوم نفسه مرآة لمدى تدهور شروط الحياة المدنية تحت الحرب.
ووثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال مارس 2026 نحو 1600 موقع نزوح نشط تؤوي قرابة 1.7 مليون شخص في قطاع غزة، وسط ظروف وصفها بأنها بالغة الصعوبة بسبب الاكتظاظ وتجمع المياه والصرف الصحي ونقص الاحتياجات الأساسية.
الإقامة في خيام مكتظة
في مايو الماضي، أكد المكتب أن كثيرا من الأسر النازحة لا تزال مضطرة إلى الإقامة في خيام مكتظة أو مبان شديدة الضرر لعدم وجود بدائل أكثر أمنا، مع محدودية الوصول إلى المياه النظيفة وضعف إدارة النفايات واستمرار المخاطر المحيطة بمناطق السكن.
وتؤثر هذه البيئة في تفاصيل الحياة اليومية للنازحين، بما فيها القدرة على الحصول على الراحة والنوم في ظروف توفر الحد الأدنى من الأمان والخصوصية.
ولا يرتبط النوم بمكان للاستلقاء وحده، فالجسد يحتاج إلى قدر من الأمان يسمح له بالخروج من حالة التأهب، وهو ما يصبح أكثر صعوبة في بيئة يظل فيها الخوف من القصف أو النزوح أو الخطر المحيط قائما.
وتضيف ظروف مراكز النزوح والخيام عوامل أخرى، مثل الاكتظاظ والحرارة أو البرد والضوضاء ونقص الفراش والخصوصية والقلق على أفراد الأسرة.
ولهذا لا يمكن فصل اضطرابات النوم في بيئة الحرب عن الظروف التي يعيش فيها السكان أو التعامل معها باعتبارها مشكلة فردية تعالج بالأدوية وحدها، لأن جزءا أساسيا من أسبابها يقع خارج جسد الإنسان نفسه.
النوم ليس حقا مستقلا
لا تنص المواثيق الدولية على «الحق في النوم» باعتباره حقا مستقلا، لكن القدرة على الحصول على نوم آمن وكافٍ ترتبط بحقوق معترف بها، في مقدمتها الصحة والسكن الملائم والراحة والخصوصية والعيش بكرامة.
فالحق في السكن الملائم يتجاوز وجود سقف إلى شروط تشمل الأمان والخصوصية والخدمات الأساسية، فيما يرتبط الحق في الصحة بالصحة الجسدية والنفسية معا.
ومن هنا، لا يصبح فقدان النوم تحت الحرب انتهاكا مستقلا يحمل هذا الاسم، وإنما مؤشر على ظروف قد تمس مجموعة من الحقوق في الوقت نفسه.
النوم في غزة
يقول الإعلامي الفلسطيني نبيه كحيل إن النوم في غزة أصبح مرتبطا بالخوف، إذ يضطر كثير من السكان إلى النوم في أماكن مكتظة وغير آمنة، وسط القلق المستمر على أفراد الأسرة.
ويشير كحيل في حديثه لـ«صفر»، إلى أن آثار الحرمان من النوم لا تتوقف عند التعب، بل تنعكس على الأطفال والآباء وعلى قدرتهم على التعلم والعمل والعناية بأسرهم.
ويرى أن توفير أماكن إيواء أكثر أمنا وتقليل الاكتظاظ وتأمين الفراش والأغطية والدعم النفسي ينبغي أن يكون جزءا من الاستجابة الإنسانية، لأن استعادة القدرة على النوم تعني استعادة جانب من الحياة الطبيعية.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة الحاجة المستمرة إلى هذه المستلزمات، ففي يونيو 2026، أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار النقص الحاد في مواد الإيواء والاحتياجات الأساسية، مع تراجع كبير في قدرة الشركاء على الوصول إلى الأسر خلال الشهر بسبب نقص المخزون والقيود على إدخال المواد وصعوبات الوصول.
أسباب اضطراب النوم
إذا كانت أسباب اضطراب النوم مرتبطة بالخوف والنزوح والاكتظاظ وظروف الإيواء، فإن الاستجابة لا يمكن أن تبدأ وتنتهي عند العلاج النفسي أو الدوائي، فتحسين المأوى وتوفير مستلزمات النوم وتقليل الاكتظاظ والوصول إلى المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والدعم النفسي كلها عناصر تؤثر في البيئة التي يحاول الإنسان أن يستريح داخلها.
وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية إضافية لدى الأطفال وكبار السن والمرضى وغيرهم من الفئات التي يمكن أن تتحمل آثار الحرمان المستمر من الراحة بصورة أكبر.
وقد تبدو القدرة على النوم تفصيلا صغيرا أمام الخسائر البشرية والدمار والنزوح، لكنها تكشف مدى وصول الحرب إلى الحياة الخاصة للإنسان، فهناك فارق بين من يذهب إلى فراشه لينهي يومه، ومن يغمض عينيه وهو غير واثق من المكان أو الصوت أو اللحظة التي ستوقظه.
ولهذا لا تحتاج ليالي غزة إلى تعريف «حق جديد» اسمه النوم حتى تصبح قضية حقوقية، يكفي النظر إلى الشروط التي يحتاج إليها الإنسان كي ينام: الأمان والمأوى والصحة والخصوصية والطمأنينة، وعندما تجتمع هذه الشروط في قائمة الأشياء المفقودة، يصبح الأرق واحدا من أكثر المؤشرات هدوءا على حياة لم تعد الحرب تترك فيها للمدنيين حتى ساعات الليل.

