منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الجدري المائي يكشف هشاشة الحق في الصحة بين أطفال غزة 

20 يوليو 2026
مخاوف من انتشار الجدري في غزة
مخاوف من انتشار الجدري في غزة

لا يقاس أثر الحروب بعدد الضحايا وحده، بل أيضا بالأمراض التي تجد طريقها إلى المجتمعات عندما تنهار مقومات الحياة الأساسية.

وفي قطاع غزة، لم يعد انتشار الجدري المائي بين آلاف الأطفال مجرد تطور صحي عابر، بل بات مؤشرا على اتساع الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان، بعدما أدت أشهر من النزوح وتراجع الخدمات إلى خلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض المعدية.

وفي هذا السياق، يغدو الحق في الصحة أحد أكثر الحقوق تعرضا للاختبار، خاصة بالنسبة للأطفال الذين يدفعون الكلفة الأكبر لانهيار منظومة الرعاية الصحية.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، سُجل نحو 9300 إصابة بالجدري المائي خلال أسبوعين فقط، في ظل استمرار النزوح والاكتظاظ ونقص المياه الصالحة للشرب وتراجع خدمات الصرف الصحي، وهي عوامل تزيد من صعوبة احتواء العدوى.

النزوح يسرع انتشار الجدري

لا يرتبط اتساع الإصابات بطبيعة الجدري المائي وحدها، بل بالظروف التي يعيش فيها مئات آلاف النازحين. فالخيام المكتظة، وصعوبة عزل المصابين، ونقص المياه ومستلزمات النظافة، تجعل انتقال العدوى أكثر سهولة، خصوصا بين الأطفال.

وتشير منظمات الأمم المتحدة إلى أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر هشاشة في الأزمات الإنسانية، إذ يؤدي انهيار الخدمات الصحية وتعطل برامج الوقاية إلى زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض المعدية ومضاعفاتها، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي ضغوطا غير مسبوقة.

ويرى أستاذ القانون العام الدستوري والمتخصص في حقوق الإنسان الدكتور معاذ أبو دلو أن الحق في الصحة يظل التزاما قانونيا قائما حتى في أوقات النزاعات، موضحا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يلزمان الدول بضمان الوقاية من الأمراض، وتوفير العلاج والرعاية الصحية، وإتاحة المياه النظيفة والخدمات الأساسية دون تمييز.

ويؤكد أبو دلو، في حديثه لـ”صفر”، أن حماية هذا الحق لا تقتصر على علاج المصابين، بل تشمل اتخاذ التدابير الوقائية التي تمنع تفشي الأوبئة، بما في ذلك توفير بيئة صحية تقلل من مخاطر انتقال العدوى.

الخيمة لا توفر عزلا ولا حماية

من داخل غزة، يصف الإعلامي الفلسطيني نبيه كحيل واقع الأسر التي تضم أطفالا مصابين بالجدري المائي، مؤكدا أن كثيرا من العائلات تعيش داخل خيام أو مراكز إيواء لا تسمح بعزل المرضى عن بقية أفراد الأسرة.

ويقول كحيل، في حديثه لـ”صفر”، إن محدودية المياه النظيفة، وغياب مستلزمات النظافة، وارتفاع درجات الحرارة، تجعل السيطرة على العدوى أكثر صعوبة، بينما تضطر الأسر إلى رعاية الأطفال المرضى في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الوقاية والرعاية الصحية.

ولا يمثل انتشار الجدري المائي أزمة صحية منفصلة عن الواقع الإنساني في غزة، بل يعكس تدهورا في منظومة الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حماية صحتهم.

وتؤكد الوقائع أن السيطرة على الأمراض المعدية لا تتحقق بالعلاج وحده، وإنما بتوفير المياه الآمنة، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وتأمين أماكن إيواء تقلل من الاكتظاظ، وضمان استمرار الرعاية الصحية، وهي عناصر تشكل في مجموعها جزءا من الحق في الصحة الذي تكفله المواثيق الدولية.

الوقاية حق مهدد

تكشف أزمة الجدري المائي في غزة أن أخطر ما تخلّفه النزاعات لا يقتصر على الإصابات المباشرة، بل يمتد إلى تقويض الشروط التي تضمن بقاء الإنسان بصحة وأمان.

وعندما يعجز الأطفال عن الحصول على مياه نظيفة، أو رعاية صحية، أو مكان يحد من انتقال العدوى، فإن الخطر لا يعود مرتبطا بمرض بعينه، بل بمنظومة حماية فقدت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

وفي هذا السياق، يصبح ضمان الحق في الصحة جزءا لا ينفصل عن حماية المدنيين وكرامتهم أثناء النزاعات المسلحة.