منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

حين تُحاصر المدن.. المدنيون والمساعدات الإنسانية تحت النار

07 يوليو 2026
المساعدات الإنسانية في نقاش داخل مجلس حقوق الإنسان
المساعدات الإنسانية في نقاش داخل مجلس حقوق الإنسان

في زمن الحرب، لا تموت المدن بالقصف وحده، قد تموت ببطء عندما تُغلق الطرق، وتنقطع المياه، ويتعطل التيار الكهربائي، وتفرغ الصيدليات، ويتوقف المستشفى عن العمل، ويصبح الخروج من المدينة مخاطرة والبقاء فيها خوفاً يومياً، الحصار ليس مجرد وضع عسكري؛ إنه تجربة إنسانية قاسية تمس الحق في الحياة والصحة والغذاء والمياه والكرامة.

هذا المعنى كان حاضراً في أكثر من نقاش داخل مجلس حقوق الإنسان، حيث ناقش المجلس مشروع قرار حول الآثار الحقوقية لعرقلة ومنع وصول المساعدات الإنسانية وحماية العاملين في المجال الإنساني، وهنا تتشكل صورة واحدة: عندما تتقدم الحرب، تصبح المساعدات والمدنيون في قلب الخطر.

المقاربة الحقوقية لأي مدينة مهددة بالنزاع يجب أن تبدأ من المدنيين لا من أطراف القتال، فالمدنيون لا يملكون قرار الحرب، لكنهم غالباً يدفعون كلفتها الكبرى، هم من يفقدون الأمن، والدواء، والعمل، والمدرسة، والقدرة على الحركة، ولهذا يجب أن يكون السؤال الأول في أي نقاش حول المدن المحاصرة: كيف نحمي السكان؟ كيف نضمن ممرات آمنة؟ كيف تصل المساعدات دون تعطيل؟ وكيف يُمنع استخدام الخدمات الأساسية بوصفها ورقة ضغط؟

هذا المبدأ لا يحتاج إلى توافق سياسي كي يكون صحيحاً، فالحماية ليست منحة من أطراف النزاع، بل التزام، والمساعدات ليست أداة تفاوض، بل ضرورة لإنقاذ الحياة، وعندما يُمنع الدواء عن المرضى أو الغذاء عن الأطفال أو الوقود عن المستشفيات، فإن الضرر لا يبقى عسكرياً أو سياسياً، بل يتحول إلى انتهاك مباشر لحقوق الإنسان.

حماية العاملين الإنسانيين

مشروع القرار المتعلق بحماية العاملين الإنسانيين وعرقلة المساعدات الإنسانية أظهر أن هذه القضية لم تعد استثناءً في نزاع واحد، بل نمط عالمي متصاعد، فدول عدة شددت على أن استهداف العاملين الإنسانيين أو تعطيل عملهم يهدد ملايين المدنيين، فالعامل الإنساني ليس طرفاً في النزاع، بل صلة حياة بين المناطق المتضررة والعالم الخارجي، وإذا انقطعت هذه الصلة، يصبح المدنيون أكثر عزلة وضعفاً.

النقاش تضمن أيضاً أبعاداً قانونية، خصوصاً حول العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحول موافقة الدولة المعنية وسيادتها، هذه قضايا مهمة، لكنها يجب ألا تحجب الحقيقة البسيطة: لا يجوز أن يموت الناس بسبب خلاف على الإجراءات، ولا يجوز أن تُستخدم السيادة لتبرير حرمان المدنيين من الغذاء والدواء، كما لا يجوز أن تستخدم المساعدات الإنسانية لتجاوز القواعد القانونية أو تسييس الاستجابة.

المدن المحاصرة تكشف هشاشة الفئات الضعيفة بشكل خاص، فالأشخاص ذوو الإعاقة قد لا يستطيعون النزوح أو الوصول إلى المساعدات، وكبار السن والمرضى يحتاجون إلى أدوية مستمرة، والأطفال يفقدون التعليم والأمان، والنساء يتحملن أعباءً إضافية في تأمين الأسرة والرعاية وسط الخوف والنقص، لذلك فإن أي استجابة إنسانية يجب أن تكون مصممة وفق احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، لا وفق تصور عام للمدنيين بوصفهم كتلة واحدة.

إيصال المساعدات الإنسانية

هناك أيضاً معاناة لا تظهر فوراً في نشرات الأخبار.. الصدمة النفسية، تفكك العائلات، انهيار الثقة، انقطاع التعليم، ارتفاع الأسعار، فقدان الوثائق، وغياب الحماية من الاستغلال، فالحصار لا يوقف الحياة فقط، بل يشوهها لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الخطر المباشر.

حين تُحاصر المدن، يصبح القانون امتحاناً حقيقياً، هل يبقى مجرد نص؟ أم يتحول إلى ممر آمن، وشاحنة مساعدات، ومستشفى يعمل، ومدرسة لا تُقصف، وطفل يستطيع النوم بلا خوف؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقاس بها جدية المجتمع الدولي.

المدن الواقعة تحت ضغط النزاعات، ليست مجرد مواقع في خرائط الحرب، إنها مجتمعات، عائلات، وأحلام معلقة، وحماية المدنيين فيها ليست موقفاً سياسياً، بل الحد الأدنى من الإنسانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print