لا تنتهي رحلة المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا عند عبور البحر أو الوصول إلى الجزر اليونانية، ففي اليونان، التي تمثل إحدى البوابات الرئيسة للاتحاد الأوروبي، تبدأ مرحلة أخرى من الهشاشة، تتداخل فيها إجراءات اللجوء الطويلة، وظروف الاستقبال الصعبة، والخوف من الاحتجاز أو الترحيل، مع سياسات أوروبية متزايدة التشدد في ضبط الحدود.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت اليونان إلى نقطة اختبار مركزية للتوازن بين حماية الحدود الأوروبية واحترام الحق في اللجوء. فموقعها الجغرافي القريب من السواحل التركية جعل جزر ليسفوس وساموس وخيوس وغيرها واجهة أولى لعشرات الآلاف من الفارين من الحروب والفقر والانهيار الاقتصادي في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
لكن هذا الموقع نفسه جعل البلاد في قلب الجدل الحقوقي حول سياسات الردع، والصدّ عند الحدود، وفعالية الضمانات القانونية المتاحة لطالبي الحماية.
ويكشف النموذج اليوناني كيف يمكن للسياسات الحدودية المشددة أن تؤثر مباشرة في حياة المهاجرين واللاجئين، ليس فقط عبر منع الوصول، بل أيضاً من خلال إطالة الانتظار، وتعقيد الإجراءات، وتقليص القدرة الفعلية على استخدام الحق في اللجوء.
أعداد متصاعدة وضغوط متزايدة
أظهر تقرير قاعدة بيانات اللجوء الأوروبية AIDA، الصادر عن المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، أن دائرة اللجوء اليونانية وخدمة الاستقبال والتحديد سجلتا 73,714 طلب لجوء خلال عام 2024، بزيادة قدرها 15% مقارنة بعام 2023.
وسجلت اليونان 62,119 وافداً غير نظامي في 2024، بينهم 54,417 وصلوا بحراً، بزيادة 30.9% عن العام السابق.
وتضع وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء اليونان ضمن الدول الأكثر تعرضا لضغط طلبات اللجوء قياسا بعدد السكان، إذ تجاوزت الطلبات فيها 7 آلاف طلب لكل مليون نسمة عام 2024.
وأوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن عدد طلبات اللجوء الأولى في اليونان ارتفع بنسبة 19% خلال عام 2024 ليصل إلى نحو 69 ألف طلب، وأن أغلب المتقدمين جاؤوا من سوريا وأفغانستان ومصر.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أيضاً إلى أن عدد السكان المولودين خارج اليونان بلغ نحو 1.1 مليون شخص عام 2024، أي ما يعادل 11.3% من إجمالي السكان، في حين حصل 88 ألف مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي على تصاريح إقامة تتجاوز مدتها 12 شهراً خلال العام نفسه.
ورغم هذه الأرقام، لا تبدأ الأزمة عند الوصول فقط، بل تمتد إلى ظروف الاستقبال، وصعوبة الوصول إلى الإجراءات، ونقص الدعم القانوني واللغوي، ومخاطر الاحتجاز أو الإعادة.
إجراءات أكثر تعقيداً
تؤكد تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوقية أوروبية أن ظروف الاستقبال في اليونان ما تزال تثير قلقاً مستمراً، خاصة في الجزر الشرقية القريبة من تركيا، حيث تواجه الأسر المهاجرة صعوبات مرتبطة بالسكن والرعاية الصحية والتعليم والوصول إلى المعلومات القانونية.
ويذكر تقرير AIDA عن اليونان لعام 2024 أن الوصول إلى إجراءات اللجوء في البر الرئيس ظل إشكالياً بسبب مشكلات في المنصة الإلكترونية لحجز مواعيد تسجيل طلبات اللجوء، وتأخر مواعيد التسجيل، وتوقف خدمات الترجمة في منتصف العام، وغياب المساعدة القانونية والترجمة في مراكز الاحتجاز قبل الترحيل.
وفي الوقت نفسه، شددت السلطات اليونانية سياساتها تجاه الهجرة غير النظامية. ففي عام 2025، أعلنت الحكومة نيتها تقديم مشروع قانون لتشديد العقوبات على الدخول والإقامة غير النظاميين وتسريع عودة من لا يملكون حق البقاء.
كما أبدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قلقها من مقترحات توسع أسباب الاحتجاز، وتزيد الحد الأقصى للاحتجاز من 18 إلى 24 شهراً، وتشدّد العقوبات على الدخول والخروج غير النظاميين.
الردع وحدود الحماية
تواجه اليونان ضغوطا أوروبية متزايدة لضبط الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي. وقد أعلنت وكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتكس” أن محاولات العبور غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي انخفضت بنسبة 31% في الربع الأول من عام 2025، لتصل إلى نحو 33,600 عملية رصد.
ورغم هذا الانخفاض، تؤكد منظمات حقوقية أن تراجع الأرقام لا يعني بالضرورة تراجع أسباب الهجرة، بل قد يعكس تشديد إجراءات الردع والرقابة.
أما على المستوى الإنساني، فما تزال الرحلات البحرية عبر المتوسط تشكل خطراً يومياً على حياة المهاجرين.
وذكرت المنظمة الدولية للهجرة أن 606 مهاجرين -على الأقل- سُجلوا موتى أو مفقودين على طريق المتوسط خلال أول شهرين فقط من عام 2026، كما حذرت في أبريل من أن حصيلة وفيات ومفقودي المتوسط اقتربت من ألف شخص منذ بداية العام.
وتبقى هذه الأرقام مؤشرا على أن إغلاق المسارات أو تضييقها لا يلغي الحاجة إلى الحماية، بل قد يدفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة، وشبكات تهريب أكثر استغلالا.
فجوة بين القانون والتطبيق
يرى الباحث القانوني أحمد أبوهزيم أن منظومة اللجوء في اليونان ما تزال تواجه انتقادات حقوقية متزايدة، رغم التزام البلاد رسمياً باتفاقية جنيف لعام 1951 والتشريعات الأوروبية الخاصة بحق اللجوء.
ويقول أبوهزيم في حديثه لـ“صفر”، إن هناك فجوة واضحة بين الضمانات القانونية المنصوص عليها وبين التطبيق العملي داخل مراكز الاستقبال وإجراءات اللجوء، مشيرا إلى أن عددا من التحديات الإجرائية واللغوية يضعف قدرة المهاجرين على الوصول إلى حقوقهم القانونية، خاصة مع نقص المترجمين وضعف خدمات المساعدة القانونية المجانية.
ويشير إلى أن تقارير حقوقية أوروبية ودولية رصدت ممارسات مرتبطة بسياسات الردع والصد على الحدود، حيث يُمنع بعض المهاجرين من تسجيل طلبات اللجوء قبل إعادتهم أو إبعادهم، موضحاً أن بطء الإجراءات وتعقيدها يدفع بعض طالبي اللجوء إلى البقاء لفترات طويلة داخل أوضاع قانونية ونفسية هشة.
ويؤكد أبوهزيم أن احتجاز المهاجرين داخل مراكز مغلقة أو جزر معزولة يحد من قدرتهم على التواصل مع العالم الخارجي والمنظمات الحقوقية، ما ينعكس مباشرة على فرص حصولهم على الدعم القانوني وتقديم طعون فعالة ضد القرارات السلبية.
ويرى أن غياب المساعدة القانونية الكافية يحوّل الاحتجاز من إجراء استثنائي إلى أداة تقيّد حرية المهاجرين وتضعف قدرتهم على الوصول إلى العدالة.
الحدود كاختبار حقوقي
تُظهر أزمة المهاجرين في اليونان أن الحدود الأوروبية لم تعد مجرد خطوط جغرافية، بل فضاء تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع التزامات حقوق الإنسان، فبين تشديد الرقابة، وتعقيد إجراءات اللجوء، وتوسيع الاحتجاز، وتزايد المخاطر في البحر، يجد آلاف المهاجرين واللاجئين أنفسهم عالقين في دائرة من الانتظار والخوف وعدم اليقين.
ولا تكمن خطورة الأزمة في عدد الوافدين فقط، بل في قدرة النظام القانوني والإنساني على التمييز بين من يحتاجون إلى الحماية ومن لا تنطبق عليهم شروطها، دون إهدار الضمانات الأساسية أو تحويل طلب اللجوء إلى مسار مرهق ومعقد يصعب الوصول إليه.
وبينما تؤكد اليونان حقها في حماية حدودها وإدارة الهجرة، تبقى مسؤوليتها الحقوقية قائمة في ضمان الوصول الفعلي إلى إجراءات اللجوء، ومنع الإعادة القسرية، وتوفير ظروف استقبال كريمة، وضمان أن يبقى الأمن متوافقاً مع القانون لا بديلاً عنه.

