قد تمتلك الحكومات صلاحية إدارة ملفات الهجرة واللجوء، لكنها لا تمتلك حق اختزال آلاف البشر في قرار واحد.. هذه هي الرسالة التي حملها الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية الألمانية، بعدما أعاد التأكيد على أن حماية الحقوق تبدأ من الاعتراف بخصوصية كل حالة، وأن العدالة لا تتحقق بقرارات جماعية، مهما كانت دوافعها السياسية أو الإدارية.
وجاء الحكم بعدما ألغت الحكومة الألمانية نحو 640 تعهدا سابقا باستقبال مواطنين أفغان ضمن برنامج إنساني، من دون تقييم الظروف الخاصة بكل شخص.
ورأت المحكمة أن هذا الإجراء يتعارض مع مبدأ حظر التعسف الذي يكفله الدستور الألماني، ويخل بالضمانات الإجرائية الواجبة في قضايا الحماية الدولية، مؤكدة أن سلطة الدولة في إدارة الهجرة تظل مقيدة بسيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية.
ولا يقتصر أثر الحكم على إعادة النظر في عشرات الملفات، بل يفتح نقاشا أوسع حول حدود السلطة التنفيذية في قضايا اللجوء، والدور الذي يؤديه القضاء عندما تتعارض القرارات السياسية مع الحقوق التي تكفلها الدساتير والاتفاقيات الدولية.
أفغانستان.. الخطر لم ينتهِ
يأتي القرار في وقت لا تزال فيه أفغانستان تشهد تدهورا مستمرا في أوضاع حقوق الإنسان، خصوصا بحق النساء والفتيات، والصحافيين، والقضاة السابقين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والعاملين مع المؤسسات الدولية.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن هذه الفئات لا تزال تواجه مخاطر جدية، تشمل الاعتقال التعسفي، وأعمال الانتقام، والقيود الواسعة على الحقوق والحريات، وهو ما يجعل تقييم الخطر على أساس كل حالة على حدة التزاما قانونيا وإنسانيا، لا مجرد إجراء إداري.
ويحظر مبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، إعادة أي شخص إلى دولة قد يواجه فيها خطر الاضطهاد أو الانتهاكات الجسيمة.
الحاجة إلى الحماية
تعكس البيانات الدولية أن الحاجة إلى برامج الحماية الخاصة بالأفغان لم تتراجع، ووفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استقبلت ألمانيا خلال عام 2025 أكثر من 168 ألف طلب لجوء، فيما بلغ عدد اللاجئين المقيمين فيها نحو 2.7 مليون لاجئ، إضافة إلى أكثر من 320 ألف طالب لجوء.
وشكّلت طلبات النساء الأفغانيات جزءا مهما من الطلبات المتكررة خلال عام 2025، بعد التطورات القضائية الأوروبية المتعلقة بوضع المرأة في أفغانستان.
وفي المقابل، تؤكد السلطات الألمانية أنها استقبلت منذ عام 2021 نحو 36.5 ألف أفغاني عبر مسارات إنسانية مختلفة، بينما لا يزال آلاف آخرون ينتظرون استكمال إجراءات انتقالهم.
انتظار تتحول كلفته إلى انتهاك
لا تتوقف تداعيات القرار عند الحدود الألمانية، إذ يعيش آلاف الأفغان في باكستان مرحلة انتظار طويلة ريثما تستكمل ملفات إعادة توطينهم.
وتشير تقارير إلى أن نحو 2400 أفغاني حصلوا على موافقات مبدئية للانتقال إلى ألمانيا، لكنهم بقوا عالقين بعد تعليق البرنامج، فيما تتحدث منظمات مجتمع مدني عن وجود قرابة 17 ألف شخص في مراحل مختلفة من إجراءات القبول.
ويجعل استمرار تعليق هذه الملفات آلاف الأشخاص عرضة لفقدان الإقامة القانونية أو الترحيل، في ظل تشديد السلطات الباكستانية إجراءات إبعاد المواطنين الأفغان خلال العامين الماضيين.
أين تنتهي سلطة الدولة؟
يعيد الحكم الألماني طرح سؤال يتجاوز هذه القضية: هل تستطيع الحكومات إعادة رسم سياسات اللجوء متى شاءت، أم أن هناك حدودا تفرضها حقوق الإنسان؟
القانون الدولي يمنح الدول حق تنظيم دخول الأجانب وإدارة برامج الحماية، لكنه يشترط في المقابل أن تمارس هذه الصلاحيات بصورة غير تمييزية، وأن تحترم سيادة القانون، والحق في الانتصاف الفعال، ومبدأ عدم التعسف الإداري.
وانطلاقا من ذلك، اعتبرت المحكمة أن سحب تعهدات الحماية بصورة جماعية، من دون فحص مستقل لكل حالة، لا ينسجم مع الضمانات الدستورية، حتى وإن احتفظت الحكومة بسلطة تقديرية في إدارة ملف الهجرة.
عندما تصبح الحقوق محل نزاع
يرى القانوني حسن الزعتري أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية الألمانية يجسد الدور المحوري للقضاء في صون حقوق طالبي اللجوء عندما تتقاطع الاعتبارات السياسية مع الالتزامات القانونية.
ويقول الزعتري، لـ”صفر”، إن حق الدول في تنظيم سياسات الهجرة ليس مطلقا، بل يظل مقيدا بمبادئ سيادة القانون والضمانات الدستورية والالتزامات الدولية، موضحاً أن الرقابة القضائية تمثل إحدى أهم الآليات التي تحول دون التعسف في القرارات الإدارية التي تمس الحقوق الأساسية.
ويضيف أن مبدأ التقييم الفردي يمثل ركنا أساسيا في منظومة الحماية الدولية، لأنه يضمن دراسة الظروف الخاصة بكل طالب لجوء بصورة مستقلة، بعيدا عن القرارات الجماعية التي قد تغفل المخاطر الفردية.
ويلفت إلى أن أي قرار يصدر من دون فحص مستقل لكل حالة قد يثير إشكاليات قانونية تتعلق بضمانات العدالة الإجرائية، والحق في الانتصاف الفعال، ومبدأ عدم الإعادة القسرية إذا ترتب عليه تعريض الشخص لخطر الاضطهاد أو الانتهاكات الجسيمة.
إعادة رسم سياسات اللجوء
لا تنحصر أهمية الحكم في القضية المنظورة، بل تمتد إلى مستقبل سياسات اللجوء في أوروبا، في وقت تتجه فيه حكومات عدة إلى تشديد برامج الحماية الإنسانية، كما أن وجود نحو 30 قضية مشابهة لا تزال منظورة أمام المحكمة الدستورية الألمانية قد يجعل من هذا الحكم مرجعا قانونيا للقضايا المقبلة.
وفي النهاية، لا تبدو الرسالة التي وجهها القضاء الألماني مقتصرة على الحكومة أو على طالبي اللجوء الأفغان، بل تمتد إلى كل دولة تواجه الموازنة بين إدارة الحدود واحترام الحقوق.
ولا تقاس سيادة القانون بقدرة الحكومات على اتخاذ القرارات، وإنما بقدرتها على إخضاع تلك القرارات لرقابة العدالة، وضمان أن يبقى كل إنسان صاحب حق ينظر إلى قضيته بصورة فردية، لا رقماً في سياسة عامة ولا استثناء تمليه الظروف السياسية.

