سيجري الدبلوماسيون في الأمم المتحدة قريباً جلسات استماع رسمية مع المرشحين لمنصب الأمين العام المقبل للمنظمة. ستتوسع النقاشات لتشمل قضايا متعددة مثل تغيّر المناخ وحقوق الإنسان، لكن ما سيحظى بأكبر قدر من الانتباه هو ما سيقوله المرشحون حول المهمة الجوهرية للأمم المتحدة: حفظ السلام والأمن الدوليين.
خلال السنوات الأخيرة، جرى تهميش هذا الدور الأساسي لمصلحة أجندات أخرى مثل: المناخ، الذكاء الاصطناعي، ومواجهة الأوبئة، سواء من قبل الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش أو الدول الأعضاء. وقد اعتُقد أن الأمم المتحدة ستكون أكثر فاعلية في قضايا “عالمية” أقل ارتباطاً بالنزاعات المباشرة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
لكن هذا الرهان لم ينجح. فالضغوط ذاتها التي تعرقل جهود تسوية النزاعات ما زالت تعوق التعاون في الملفات الأخرى أيضاً. لذلك، لم يعد هناك خيار واقعي سوى العودة إلى الأساس: إعادة تركيز المنظمة على مهمتها الأصلية في حل النزاعات، خاصة في عالم يشهد حروباً ممتدة من إيران إلى السودان.
حتى الآن، أعلن أربعة مرشحين نيتهم التنافس على المنصب: ريبيكا غرينسبان، ورافائيل جروسي، وميشيل باشيليت، و ماكي سال. ومن المرجح أن ينضم آخرون لاحقاً، جميعهم سيحتاجون إلى تقديم رؤية واضحة حول كيفية التعامل مع قضايا السلام والأمن، في وقت تتعرض فيه المنظمة لضغوط مالية وسياسية تهدد مكانتها.
المهمة لن تكون سهلة، فمصداقية الأمم المتحدة تآكلت بسبب الانقسامات داخل مجلس الأمن، خصوصاً بين أعضائه الدائمين، كما أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا تجاوزت أحياناً إطار ميثاق الأمم المتحدة، سواء في حرب أوكرانيا أو في عمليات عسكرية مثيرة للجدل في مناطق أخرى. ومع هذا الانقسام، بات من الصعب على الدبلوماسية الأممية تحقيق اختراقات حقيقية لوقف الحروب أو حتى الحد من آثارها.
نتيجة لذلك، وجدت الأمم المتحدة نفسها على الهامش في العديد من جهود السلام، في حين تواجه بعثات حفظ السلام التابعة لها صعوبات متزايدة في تنفيذ مهماتها. ومع ذلك، فإن الحل ليس في التخلي عن الدور الأساسي، بل في تعزيزه.
هناك ثلاث خطوات أساسية يمكن أن تساعد في ذلك..
أولاً، يجب على المرشحين استعادة المصداقية الجيوسياسية للأمم المتحدة وتعزيز دور الأمين العام بوصفه “دبلوماسي العالم الأول”. وهذا يتطلب القدرة على التعامل مع القوى الكبرى، خصوصاً في ظل الفتور الحالي بين المنظمة وكل من واشنطن وموسكو.
لا تكفي فقط الدعوة لوقف الحروب، بل يجب الحفاظ على مجلس الأمن بوصفه منصة دبلوماسية فعّالة، حتى في الحالات التي تتقاطع فيها مصالح بعض القوى الكبرى مع خفض التصعيد. وهذا يتطلب مزيجاً من الدفاع العلني عن ميثاق الأمم المتحدة، وممارسة دبلوماسية خلف الكواليس للحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة حتى مع الأطراف المخالفة.
كما يجب إدراك أن خريطة القوة العالمية تغيّرت. فالدول المتوسطة باتت تلعب دوراً أكبر في إشعال النزاعات أو تهدئتها، ما يفرض على الأمين العام المقبل العمل مع تحالفات متعددة خارج إطار مجلس الأمن عند الحاجة.
ثانياً، يحتاج المرشحون إلى رؤية جديدة لدور الأمم المتحدة بوصفها فاعلاً في إدارة النزاعات. فقد أظهرت مبادرات مثل مبادرة حبوب البحر الأسود التي أُطلقت خلال الحرب في أوكرانيا، قدرة المنظمة على استخدام شرعيتها وخبرتها التقنية لمعالجة أزمات معقدة حتى أثناء الحرب. كما طُرحت مؤخراً أفكار لآليات مماثلة لإدارة أزمات مثل مضيق هرمز.
لكن مثل هذه المبادرات أصبحت استثناءً لا قاعدة. ولذلك، يحتاج الأمين العام الجديد إلى إعادة إحياء ثقافة المبادرة داخل المنظمة، عبر إطلاق تحركات دبلوماسية حتى دون تفويض صريح من مجلس الأمن، كما فعل أسلافه في فترات سابقة.
ففي الستينيات نجح يو ثانت في لعب دور وساطة خلال أزمة الصواريخ الكوبية. وفي الثمانينيات، قاد خافيير بيريز دي كوييار جهوداً دبلوماسية هادئة في أفغانستان وكمبوديا والخليج العربي.
صحيح أن هذا النهج يحمل مخاطر سياسية، وقد يؤدي أحياناً إلى ردود فعل سلبية، كما حدث في محاولات سابقة للأمين العام الحالي في قبرص وليبيا. لكن رغم ذلك، فإن تجنب المخاطرة قد يكون أخطر؛ لأن مصداقية الأمم المتحدة تعتمد على قدرتها على التحرك عندما يعجز الآخرون.
ثالثاً، يجب دعم هذا التوجه بفريق إداري قوي داخل المنظمة، قادر على تقديم المشورة المستقلة وتنسيق العمل عبر مختلف أجهزة الأمم المتحدة.
وأخيراً، لا بد من إقناع الدول الأعضاء بأهمية الحفاظ على بعثات حفظ السلام. فقد تقلص حجم هذه البعثات بنحو 56% خلال العقد الماضي، وسط خلافات سياسية وتمويلية، رغم أنها تظل في كثير من الحالات خط الدفاع الأخير لحماية المدنيين.
صحيح أن هذه البعثات تحتاج إلى إعادة تقييم وتركيز أكبر، لكن غيابها الكامل سيعني انهيار شبكة الأمان الدولية في أكثر المناطق هشاشة في العالم، وهو ما سيقوّض بدوره مصداقية الأمم المتحدة نفسها.
ومع دخول سباق اختيار الأمين العام مراحله الحاسمة، ستحدد الدول الأعضاء والمرشحون معاً شكل المنظمة في المستقبل: هل هي منظمة تتشتت في ملفات واسعة، أم تعود إلى جوهرها الأول.. صناعة السلام؟
في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، سيكون معيار القيادة الحقيقي هو القدرة على إدارة النزاعات، لا فقط الحديث عن قضايا عالمية أخرى. ومع قيادة تضع السلام في قلب أولوياتها، قد تستعيد الأمم المتحدة دورها ومكانتها، وربما تقدم للعالم فرصة أمل وسط واقع متشظٍ بشكل متزايد.
نقلاً عن فورين بوليسي
