طالبت منظمة العفو الدولية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الغارة الجوية التي نفذها الجيش الباكستاني على مركز أمل للعلاج وإعادة التأهيل في العاصمة الأفغانية كابول يوم 17 مارس 2026، معتبرة أن الهجوم قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأكدت المنظمة أن الغارة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 269 مدنيا، بينهم مرضى وعاملون داخل المركز، في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي شهدتها أفغانستان خلال العام الجاري.
وذكرت منظمة العفو الدولية، في تقرير أنها لم تجد أي دليل يدعم تأكيدات الجيش الباكستاني بأن مركز أمل استخدم لتخزين أسلحة أو ذخائر أو لأي أغراض عسكرية، وأوضحت أن نتائج تحقيقها استندت إلى تحليل أكثر من 60 صورة ومقطع فيديو، وأكثر من 30 صورة التقطتها الأقمار الصناعية، إضافة إلى مقابلات مع موظفي المركز وعاملين في مستشفى ابن سينا وناجين من القصف، الأمر الذي دفعها إلى المطالبة بمساءلة المسؤولين عن الهجوم ونشر نتائج أي تحقيق للرأي العام.
اتهامات بانتهاك القانون الدولي
أكدت المنظمة أن الهجوم انتهك الحماية الخاصة التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للمرافق الطبية، كما خالف مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط التي تحكم العمليات العسكرية، ورأت أن القوات المنفذة للهجوم لم تتخذ التدابير اللازمة للتحقق من طبيعة الهدف قبل تنفيذ القصف، رغم أن المركز ظل معروفا منذ سنوات طويلة بوصفه منشأة طبية تقدم خدمات علاجية وإعادة تأهيل للمدمنين.
وقالت إيزابيل لاسيه، المسؤولة في منظمة العفو الدولية، إن الهجوم يمثل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي الإنساني وقد يرقى إلى جريمة حرب، مؤكدة أن الموقع ظل معروفا لأكثر من عقد كمرفق طبي، وهو ما يكشف، بحسب المنظمة، عن إخفاق كبير في التخطيط العسكري أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
الرواية الباكستانية تحت التدقيق
أعلن وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار، في اليوم التالي للهجوم، أن الجيش استهدف بنية تحتية عسكرية ومستودعا للذخيرة في كابل، مضيفا أن الانفجارات الثانوية التي أعقبت القصف أثبتت وجود ذخائر داخل الموقع.
لكن منظمة العفو الدولية رفضت هذه الرواية، مؤكدة أن تحليلها للصور ومقاطع الفيديو، بما في ذلك المواد التي نشرها الجيش الباكستاني، لم يظهر أي انفجارات ثانوية يمكن أن تشير إلى وجود مخازن ذخيرة. وأضافت أن الأدلة البصرية التي جمعتها تتعارض مع الرواية الرسمية بشأن طبيعة الموقع المستهدف.
شهادات تكشف حجم الدمار
أظهرت صور الأقمار الصناعية وشهادات الشهود أن القصف ألحق دمارا واسعا بثلاثة مواقع داخل مجمع مركز أمل. وضم المبنى الأول أماكن إقامة المرضى الجدد والمطبخ وقاعة الطعام، وانتشلت فرق الإنقاذ معظم الضحايا من هذا الموقع، واستخدم المبنى الثاني مقرا لعناصر أمن طالبان ومستودعا للمواد الغذائية، بينما خصص المبنى الثالث لتخزين الفحم والحطب والملابس واحتوى على ورشة للخياطة.
وأكد أحد الشهود لمنظمة العفو الدولية أنه شاهد بعد انتهاء القصف بقايا أخشاب وفحم وملابس وأحذية متناثرة بين الأنقاض، ولم ير أي معدات أو تجهيزات عسكرية داخل المباني التي تعرضت للقصف.
حصيلة ثقيلة للضحايا
أعلنت سلطات طالبان عقب الهجوم مقتل أكثر من 400 مدني وإصابة أكثر من 250 آخرين، بينما أجرت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان يوناما تحقيقا مستقلا خلص إلى مقتل ما لا يقل عن 269 شخصا وإصابة 122 آخرين.
ورأت منظمة العفو الدولية أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أكبر من الحصيلة المعلنة، لأن شدة الانفجارات أعاقت التعرف على رفات عدد من القتلى.
وقال أحد أقارب الضحايا إن أفراد عائلته بحثوا عن جثمان قريبهم في المستشفيات والمراكز الصحية دون جدوى، فيما وصف أحد العاملين الصحيين الذين شاركوا في نقل المصابين المشهد بقوله إنه شاهد جثثا متناثرة في كل مكان داخل الموقع.
مركز طبي معروف منذ سنوات
أوضح التقرير أن مركز أمل افتتح عام 2016 داخل موقع كان قاعدة سابقة لحلف شمال الأطلسي، ثم تحول بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021 إلى أكبر مركز لعلاج وإعادة تأهيل المدمنين في أفغانستان، ووصلت طاقته الاستيعابية إلى نحو ألفي سرير.
وأشار التقرير إلى أن لافتات كبيرة باللغات المحلية كانت تعرف بوضوح هوية المركز، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطت قبل ثلاثة أيام من الهجوم وجود أعداد كبيرة من الأشخاص داخله، وأضاف أن الغارة وقعت من دون أي إنذار مسبق، وتزامنت مع صلاة التراويح خلال شهر رمضان، عندما كان أكثر من ألف مريض يقيمون داخل المنشأة.
دعوات للمساءلة
أكدت منظمة العفو الدولية أنها وجّهت في التاسع من يوليو 2026 خطابا إلى وزارة الخارجية الباكستانية للاستفسار عن الإجراءات التي اتخذتها السلطات بشأن التحقيق والمساءلة، لكنها لم تتلق أي رد حتى موعد نشر التقرير.
وقالت إيزابيل لاسيه إن غياب التحقيق في الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك الهجوم على مركز أمل، يعكس استخفافا مقلقا بالقانون الدولي، ويحمل مخاطر ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهو ما قد يؤدي إلى تكرار عمليات غير قانونية وسقوط مزيد من الضحايا المدنيين.
ومن جانبه، قال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، إن التحقيق الذي أجرته منظمة العفو الدولية بشأن الغارة الجوية الباكستانية على مركز الأمل لعلاج وتأهيل المدمنين في كابل، يمثل وثيقة مهمة، ويجب التعامل مع نتائجه بجدية.
وكتب بينيت، في منشور مقتضب على منصة “إكس” الأربعاء، تعليقاً على التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية، أنه ينبغي اتخاذ الإجراءات اللازمة استناداً إلى النتائج التي توصل إليها التحقيق.
تأتي هذه الغارة في سياق تصاعد التوترات الأمنية بين باكستان وسلطات طالبان منذ أواخر عام 2025، إذ كثفت إسلام آباد عملياتها العسكرية عبر الحدود بدعوى استهداف جماعات مسلحة تنشط داخل الأراضي الأفغانية، وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن الضربة على مركز أمل تمثل واحدة من أخطر تلك العمليات بسبب ارتفاع عدد الضحايا المدنيين وطبيعة الموقع المستهدف.
كما أظهرت بيانات بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان يوناما أن أكثر من 750 مدنيا قتلوا أو أصيبوا في أفغانستان خلال الفترة الممتدة من يناير إلى مارس 2026 نتيجة أعمال العنف، الأمر الذي يعكس استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد، ويجدد المطالب الدولية بضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وضمان حماية المدنيين والمنشآت الطبية أثناء النزاعات المسلحة.
