أعاد دخول تعديلات قانون الأحوال الشخصية العراقي حيّز التنفيذ الجدل حول مستقبل القضايا الأسرية في البلاد، بعدما سمح القانون رقم (1) لسنة 2025 للعراقيين المسلمين باختيار تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري في مسائل الأحوال الشخصية، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول تأثير هذه الأحكام في حقوق النساء والأطفال، خصوصاً في ملفات الزواج والحضانة.
وبينما يرى مؤيدو التعديل أنه ينسجم مع حرية المعتقد وحق المواطنين في الاحتكام إلى أحكام مذهبهم الديني، تخشى ناشطات ومنظمات نسوية من أن يؤدي تطبيق بعض أحكام المدونة إلى تقليص الضمانات القانونية التي كانت توفرها مدونة الأحوال الشخصية رقم (188) لعام 1959، ولا سيما ما يتعلق بسن الزواج، وآليات الحضانة، واستقرار الأوضاع الأسرية القائمة.
وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة مطالب أمهات عراقيات طالبن بمراجعة آليات تطبيق أحكام المدونة الجعفرية، حيث نظمت مجموعة من النساء وقفة احتجاجية أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد للمطالبة بمراجعة القرار القضائي رقم (93)، وضمان عدم المساس بحقوق الأمهات والأطفال.
أحكام المدونة الجعفرية
ركزت مطالب المحتجات على رفض تغيير أو تحويل عقود زواج قائمة إلى أحكام المدونة الجعفرية من دون علم الطرف الآخر أو موافقته، مؤكدات أن بعض النساء تلقين تبليغات بشأن انتقال عقود زواجهن إلى أحكام جديدة رغم مرور سنوات طويلة على الزواج ووجود أطفال.
ويمثل ملف حضانة الأطفال أحد أبرز جوانب الجدل حول المدونة الجعفرية، إذ ترى الأمهات المحتجات أن أي تغيير في قواعد الحضانة يجب أن يضع مصلحة الطفل في المقام الأول، بعيداً عن الخلافات بين الوالدين.
وتؤكد ناشطات أن الطفل لا ينبغي أن يكون طرفاً في النزاعات القانونية أو الأسرية، وأن أي قرار يتعلق بمستقبله يجب أن يراعي ظروفه النفسية والاجتماعية والتعليمية، خاصة عندما يكون مستقراً في بيئة أسرية معينة لسنوات.
وترى أمهات مشاركات في الاحتجاجات أن القلق لا يرتبط فقط بحق الأم في الحضانة، وإنما بضرورة وجود إجراءات عادلة وشفافة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحمي الأطفال من آثار النزاعات الأسرية.
بين حرية التشريع وحماية الحقوق
يستند مؤيدو التعديل إلى مبدأ حرية المواطنين في اختيار الأحكام الدينية التي تنظم شؤونهم الشخصية، باعتباره جزءاً من التنوع المذهبي في المجتمع العراقي.
وفي المقابل، تطرح المنظمات النسوية والحقوقية تساؤلات حول مدى توافق بعض الأحكام مع الالتزامات الحقوقية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين وحماية الطفل، خصوصاً في ما يتعلق بالزواج المبكر وحقوق المرأة داخل الأسرة.
وتؤكد المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة أن قوانين الأحوال الشخصية لا ترتبط فقط بتنظيم العلاقة بين الزوجين، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في حياة النساء والأطفال، وفي قدرتهم على الوصول إلى الحماية القانونية عند وقوع النزاعات.
سن الزواج.. أبرز نقاط الخلاف
يعد موضوع سن الزواج من أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المدونة الجعفرية، إذ تخشى ناشطات من أن يؤدي اختلاف المرجعيات الفقهية إلى إضعاف الضمانات القانونية المتعلقة بحماية القاصرات من الزواج المبكر.
وتعتبر الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، أن زواج الأطفال قبل سن الثامنة عشرة من القضايا المرتبطة بحماية الطفل، لما قد يترتب عليه من آثار على التعليم والصحة والاستقلال الاقتصادي والنفسي.
وتدعو المنظمات الحقوقية إلى أن تكون أي إصلاحات في قوانين الأسرة منسجمة مع مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”، وضمان عدم تعرض القاصرين لأي شكل من أشكال الاستغلال أو الإكراه.
موقف الدولة والقضاء
دخل القانون رقم (1) لسنة 2025 حيز التنفيذ بعد تعديله لقانون الأحوال الشخصية رقم (188) لعام 1959، حيث أتاح للمسلم العراقي والمسلمة العراقية اختيار تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري في مسائل الأحوال الشخصية، كما سمح في حالات محددة بتقديم طلب تطبيق هذه الأحكام على عقود زواج سابقة.
وتؤكد الجهات المؤيدة للتعديل أن القانون لا يفرض مذهباً معيناً على المواطنين، وإنما يمنحهم خياراً قانونياً لتنظيم شؤونهم الأسرية وفق معتقداتهم.
وفي المقابل، تطالب الجهات المعارضة بضمانات أوضح تمنع الإضرار بحقوق النساء والأطفال، وتؤكد ضرورة أن تراعي الإجراءات القضائية خصوصية كل حالة وعدم المساس بحقوق مكتسبة أو أوضاع أسرية مستقرة دون موافقة الأطراف المعنية.
جدل يتجاوز النص القانوني
لا يقتصر النقاش حول المدونة الجعفرية على خلاف فقهي أو تشريعي، بل يرتبط بسؤال أوسع حول العلاقة بين القانون وحقوق الإنسان داخل الأسرة.
وتحدد القوانين المنظمة للأحوال الشخصية في العراق مسائل جوهرية مثل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والإرث، وهي قضايا تؤثر بشكل مباشر في حياة ملايين النساء والأطفال.
وبينما يرى مؤيدو التعديل أنه يعزز حرية الاختيار الديني، تخشى أصوات حقوقية من أن يؤدي اختلاف القواعد القانونية داخل المجتمع الواحد إلى تفاوت في مستوى الحماية التي تحصل عليها النساء والأطفال.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المؤسسات العراقية هو ضمان أن يكون تطبيق أي نظام قانوني للأسرة متوافقاً مع حماية الكرامة الإنسانية، وعدم جعل النساء أو الأطفال يتحملون نتائج الخلافات التشريعية أو الأسرية، مع ضمان إجراءات عادلة تحفظ حقوق جميع الأطراف.
