منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العراق.. الفقر يدفع الأطفال إلى العمل ويحرمهم من حقهم في التعليم

02 نوفمبر 2026
العراق.. الفقر يدفع الأطفال إلى العمل ويحرمهم من حقهم في التعليم
العراق.. الفقر يدفع الأطفال إلى العمل ويحرمهم من حقهم في التعليم

عند أحد تقاطعات بغداد، تبيع رُبى -ذات الأعوام التسعة- قناني المياه بدلاً من الجلوس على مقعدها المدرسي؛ بعد أن فقدت والدها ولم يعد ما تجنيه والدتها من بيع الخبز يكفي احتياجات الأسرة، فتركت الدراسة لتساعدها بدخل يومي يتراوح بين 10 و15 ألف دينار عراقي، وفق شهادتها التي نشرتها «العربي الجديد» في سبتمبر/أيلول 2026.

وفي شوارع العاصمة نفسها يبيع محمود -البالغ تسعة أعوام- المياه لإعالة والدته وشقيقته بعد وفاة والده. ويقول في شهادة نشرتها «شفق نيوز» في يونيو/حزيران إنه يحاول التوفيق بين العمل والمدرسة، لكنه يتعرض للتنمر بسبب عمله.

بين رُبى التي فقدت مقعدها الدراسي ومحمود الذي يحاول الاحتفاظ به، تتكشف إحدى صور عمالة الأطفال في العراق، حيث يدفع الفقر صغارا إلى الشوارع والورش والمزارع، على حساب حقوقهم في التعليم و الحماية والراحة.

أرقام قديمة وفجوات واسعة

أظهر المسح العنقودي متعدد المؤشرات، الذي نفذته الجهات الإحصائية العراقية بدعم من يونيسف عام 2018، انخراط 7.3% من الأطفال بين الخامسة والسابعة عشرة في عمالة الأطفال.

وتكشف بيانات منتدى رأس المال البشري التابع لوزارة التخطيط تفاوتاً واضحاً؛ إذ تبلغ النسبة 10.2% بين الذكور مقابل 4.3% بين الإناث، وترتفع إلى 13.9% في الريف مقابل 4.1% في المدن.

وتورد بيانات منشورة نسباً تبلغ 13.2% في بابل و13.1% في أربيل، مقابل 4.8% في بغداد، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نحو 5% بين الأطفال الأصغر سناً.

وتختلف بعض المؤشرات المنشورة، ومنها بيانات منظمة العمل الدولية ووزارة العمل الأمريكية، باختلاف سنوات المسح والفئات العمرية وتعريفات العمل والنشاط الاقتصادي.

وقدّر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق عدد الأطفال العاملين بما يتراوح بين 900 ألف ومليون طفل، وهو تقدير حقوقي لا يمثل حصيلة مسح وطني حديث.

وفي المقابل، أعلنت وزارة العمل تسجيل 600 حالة في بغداد خلال 2024 وتشكيل عشر لجان للمتابعة. ولا تجوز مقارنة الحالات المسجلة في العاصمة بالتقدير الوطني باعتبارهما قياسا واحدا.

وتشير يونيسف ومنظمة إنقاذ الطفل إلى وجود نحو 3.2 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدارس، بما يزيد مخاطر تعرضهم للاستغلال.

العمل المبكر يهدد الصحة والتعليم

يحذر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، برئاسة فاضل الغراوي، من استغلال الأطفال في التسول والعمل القسري والأنشطة الاقتصادية المنظمة.

وتشير تقارير وزارة العمل إلى انتشار عمل الأطفال في البيع المتجول والورش والمطاعم والبناء وجمع النفايات والخردة.

ويربط الباحث الاجتماعي قاسم العزاوي الظاهرة بارتفاع تكاليف المعيشة وضعف فرص العمل المستقرة للبالغين، فيما ترى المختصة التربوية أمل الساعدي أن التسرب المدرسي يفتح الطريق أمام العمل المبكر ويصعّب العودة إلى التعليم.

وتحذّر دراسات أكاديمية عراقية، بينها دراسات منشورة في مجلة القانون والعلوم البينية وجامعة الكتاب، من ضعف الرقابة على العمل غير المنظم. كما يواجه الأطفال العاملون مخاطر الإصابات والإجهاد والحوادث والضغوط النفسية.

قانون يحظر الاستغلال وتنفيذ يواجه العوائق

يحدد قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 الحد الأدنى العام لسن العمل بخمسة عشر عاماً، ويحظر تشغيل الأحداث في الأعمال الخطرة والضارة بصحتهم وسلامتهم، مع فرض عقوبات على المخالفين.

وصادق العراق على اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام و182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.

ويؤكد أستاذ القانون بجامعة الأنبار خالد العلواني، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن الالتزامات الدولية تتطلب رقابة فعلية ومحاسبة المخالفين وتوسيع الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة، لا الاكتفاء بالنصوص التشريعية.

وتشير وزارة العمل الأمريكية في تقييمها لجهود مكافحة أسوأ أشكال عمالة الأطفال إلى محدودية التقدم وثغرات التنسيق والسياسات، فيما تحدثت النائبة نيسان زاير عن تعثر مشروع قانون حماية الطفل وإعادته إلى الحكومة.

الحكومة تراهن على الرصد والحماية الاجتماعية

يقول مدير دائرة العمل والتدريب المهني أسامة مجيد الخفاجي إن الوزارة تعمل على نظام إلكتروني لرصد الحالات، وتكثيف التفتيش، وربط الأسر الأكثر فقرا بالإعانات النقدية، والتنسيق لإعادة المتسربين إلى المدارس وملاحقة شبكات التسول.

ويؤكد رئيس هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية ضياء عواد كاظم، في تصريح خاص لـ«صفر»، التحضير لمسح جديد بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. ويرى أن النسبة المتاحة حاليا ليست مرتفعة، لكن تحديث البيانات ضروري لتحديد حجم الظاهرة وطبيعة العمل وأثره على التعليم.

ويضيف أن المنصة الوطنية لبيانات الطفل ستساعد على بناء مؤشرات أكثر دقة لتوجيه السياسات وتقييمها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عقدت منظمة العمل الدولية بالتعاون مع وزارة العمل مؤتمراً وطنياً لإعداد خريطة طريق لمكافحة عمالة الأطفال.

ودعا وزير العمل أحمد الأسدي إلى تعزيز التعليم لكسر دائرة الفقر، فيما أشارت مسؤولة العمل في إقليم كردستان زكية صالح عبد الخالق إلى أثر النزوح والضغوط الاقتصادية، وأكد ممثل منظمة العمل الدولية إيغور بوسك دعم تنفيذ خريطة الطريق.

وتعمل منظمة العمل الدولية ويونيسف مع الحكومة على نظام لرصد الأطفال العاملين وإحالتهم إلى خدمات الحماية، بعد تجارب في نينوى ودهوك، إلى جانب برامج تعليمية في الموصل ودهوك.

وتشارك المنظمتان مع برنامج الأغذية العالمي والاتحاد الأوروبي في جهود إصلاح الحماية الاجتماعية، ودراسة مخاطر العمل في البناء وصناعة الطابوق، كما وتنفذ منظمة إنقاذ الطفل برامج تعليم وحماية، وتقول إنها وصلت خلال 2025 إلى أكثر من 65 ألف شخص، معظمهم أطفال.

التزامات دولية تنتظر نتائج ملموسة

تقدر منظمة العمل الدولية ويونيسف وجود 138 مليون طفل عامل عالميا، بينهم نحو 54 مليونا في أعمال خطرة، وتستحوذ الزراعة على النسبة الأكبر.

وبعد المؤتمر العالمي السادس للقضاء على عمل الأطفال في مراكش، رفعت حملة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال لعام 2026 شعار «البطاقة الحمراء لعمل الأطفال»، ودعا المدير العام لمنظمة العمل الدولية جيلبير هونغبو إلى ضمان حق الأطفال في التعلم واللعب والنمو بأمان، وتوفير العمل اللائق للبالغين.

لكن التحدي العراقي لا يقتصر على معرفة عدد الأطفال العاملين، فالمسح المرتقب لن يحقق غايته ما لم ترتبط نتائجه ببيانات التسرب المدرسي، والتفتيش على أماكن العمل، وبرامج دعم الأسر التي تعتمد على دخل أطفالها.

بالنسبة إلى رُبى، يعني ذلك أن العودة إلى المدرسة تتطلب أكثر من قرار بوقف عملها؛ فهي تحتاج إلى حماية اجتماعية تعوض أسرتها عن الدخل الذي تضطر إلى توفيره، فيما تبقى المساءلة الأهم مرتبطة بما ستفعله المؤسسات بعد صدور الأرقام الجديدة، وكم طفلاً سيعود إلى التعليم، وكم أسرة ستجد بديلا عن دخل أطفالها، وكم جهة تستغل الصغار ستخضع للمحاسبة؟ فهذه النتائج لا عدد اللجان والخطط وحده هي ما سيحدد مدى وفاء العراق بالتزاماته تجاه أطفاله.