لم تعد تغطية جرائم قتل النساء في عدد من وسائل الإعلام العربية مجرد نقل للوقائع، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ماكينة لإعادة إنتاج العنف نفسه، عبر خطاب يخلط بين الإثارة والتبرير والتشكيك في الضحية.
فبدل أن تُقدَّم الجريمة باعتبارها انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة، تُروى أحيانًا بوصفها “دراما أسرية”، أو “جريمة شرف”، أو “خلافًا عاطفيًا انتهى بمأساة”، وهي مصطلحات تبدو للوهلة الأولى لغوية محايدة، لكنها في الحقيقة تُعيد تدوير منطق الجاني وتمنحه مساحة دفاع رمزية داخل الوعي العام.
في عامي 2025 و2026 تصاعدت حدة هذا النمط بصورة لافتة، خصوصًا مع الانتشار الكثيف لمنصات التواصل الاجتماعي واعتماد وسائل إعلام عربية على المحتوى الرائج بوصفه وقودًا للمشاهدة والتفاعل وهنا، لم تعد الجريمة تُغطى باعتبارها قضية حقوقية أو قانونية، بل باعتبارها مادة استهلاكية تُصنع منها “الترندات”، حيث تُعاد مشاركة مقاطع الضحايا وصورهن وتفاصيل حياتهن الشخصية.
هذا التحول جعل الضحية تُقتل مرتين، مرة بالرصاص أو السكين، ومرة بالتشهير والتحريض والتأويل الإعلامي.
بحسب تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في نوفمبر 2025، قُتلت نحو 50 ألف امرأة وفتاة على يد شركاء حاليين أو أفراد من العائلة خلال عام 2024، أي بمعدل امرأة كل عشر دقائق.
وأكد التقرير أن جرائم قتل النساء لا تحدث بمعزل عن السياق الاجتماعي والإعلامي، بل تأتي غالبًا بعد سلسلة من التهديدات والسيطرة والتشهير والتطبيع مع العنف، كما أشار إلى أن العنف الرقمي وخطابات الكراهية والتحريض عبر الإعلام ومنصات التواصل باتت من العوامل التي تسبق أحيانًا جرائم القتل نفسها.
الأخطر أن بعض المنصات العربية لا تزال تستخدم مفردات مثل “غسل العار” و”الدفاع عن الشرف”، وهي تعبيرات تمنح القاتل غطاءً أخلاقيًا ضمنيًا، حتى عندما تثبت التحقيقات لاحقًا زيف ادعاءاته.
فالإعلام هنا لا يكتفي بوصف الجريمة، بل يتحول إلى شريك في صناعة السردية التي يريدها الجاني، وفي كثير من الحالات، يجري التعامل مع المرأة القتيلة بوصفها متهمة تحتاج إلى “تقييم أخلاقي”، بينما يُمنح القاتل مساحة للشرح والتبرير واستعراض دوافعه النفسية والاجتماعية.
وفي مصر، كشفت الورقة التحليلية الصادرة عن مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون عام 2026 عن “نمط متكرر” في التغطية الإعلامية لقضايا العنف ضد النساء، يتمثل في تغليب الإثارة على التحليل القانوني، ولوم الضحية، وتخفيف مسؤولية الجناة، مع تغييب الإطار الحقوقي للقضية. وأكدت الورقة أن الخطاب الإعلامي ليس محايدًا، بل يؤدي دورًا حاسمًا في تعزيز العدالة أو إعادة إنتاج العنف رمزيًا داخل المجتمع.
هذا النمط لا يقتصر على مصر وحدها، بل يمتد إلى عدد من الدول العربية التي لا تزال بعض وسائل إعلامها تتعامل مع النساء باعتبارهن مسؤولات ضمنيًا عما يتعرضن له.
ففي العراق، على سبيل المثال، أعادت نقاشات مجتمعية واسعة خلال 2025 و2026 فتح ملف “جرائم الشرف” والقوانين المخففة للعقوبات، وسط انتقادات لوسائل إعلام تبرر القتل تحت عناوين عشائرية وأخلاقية. وفي سوريا والسودان واليمن، ساهمت خطابات الكراهية والتحريض الرقمي خلال النزاعات المسلحة في تحويل النساء إلى أهداف مباشرة للعنف الجنسي والجسدي.
قتل دفاعًا عن الشرف
مثّلت قضية القاضي المصري السابق المتهم بقتل طليقته في مدينة 6 أكتوبر نموذجًا صارخًا لكيفية توظيف خطاب “الشرف” داخل الإعلام العربي لتبرير قتل النساء، قبل أن تتكشف لاحقًا تناقضات الرواية وسقوطها أمام التحقيقات والشهادات.
فمنذ الساعات الأولى للجريمة، تصدرت تصريحات المتهم المشهد الإعلامي، بعدما ادعى أنه قتل طليقته “حفاظًا على شرف الأسرة” وخوفًا على أطفاله، مدعيًا أنها تزوجت عرفيًا أثناء استمرار العلاقة الزوجية بينهما.
عدد من المنصات الإعلامية ومواقع التواصل تعاملت مع أقوال المتهم باعتبارها رواية متكاملة، بل إن بعض العناوين ذهبت إلى تبني منطقه بالكامل، مستخدمة تعبيرات من قبيل “القاضي الذي قتل دفاعًا عن الشرف”، دون انتظار نتائج التحقيقات.
هنا، لم يعد الإعلام ناقلًا للمعلومة، بل صار جزءًا من ماكينة إعادة تشكيل الرأي العام وفق رواية الجاني، فالجريمة لا تبدأ بالرصاصة الأخيرة، بل تبدأ من النكتة التي تهين النساء، ومن البرنامج الذي يسخر من الضحية، ومن العنوان الصحفي الذي يلمح إلى أن القتيلة “تجاوزت الحدود”، ومع الوقت، يتحول العنف إلى جزء مألوف من المشهد اليومي، ويصبح قتل النساء خبرًا اعتياديًا يمر سريعًا وسط زحام “الترندات”.
الأخطر أن بعض المؤسسات الإعلامية تدرك تمامًا أن العناوين المثيرة التي تتضمن كلمات مثل “الخيانة” و”العار” و”الانتقام” تحقق نسب مشاهدة أعلى، فتستثمر في الألم الإنساني بوصفه سلعة، وهكذا يتحول الدم إلى اقتصاد رقمي، تُقاس قيمته بعدد المشاهدات والتفاعلات لا بعدد الأرواح المهدورة.
هل يستطيع الإعلام العربي التغيير؟
رغم الصورة القاتمة، فإن السنوات الأخيرة شهدت أيضًا تصاعدًا في الأصوات الحقوقية المطالبة بإعادة تعريف دور الإعلام في تغطية قضايا العنف ضد النساء.. لم يعد السؤال فقط: “كيف نغطي الجريمة؟”، بل أصبح: “هل تساهم تغطيتنا في منع العنف أم في تكراره؟”، وهذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الصحافة ليست مجرد مرآة للمجتمع، بل أداة قادرة على تشكيله وتغيير اتجاهاته.
في مصر، دعت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون عام 2026 إلى اعتماد نهج إعلامي متعدد الأبعاد في تناول جرائم العنف ضد النساء، يقوم على الدمج بين الزوايا القانونية والنفسية والاجتماعية والحقوقية، بدلًا من الاقتصار على الإثارة اليومية كما طالبت بوضع مدونات سلوك واضحة تمنع التشهير بالضحايا أو إعادة نشر مواد مصورة قد تسبب لهن أو لأسرهن أذى إضافيًا.
هذه الدعوات تزامنت مع تحركات رسمية أيضًا، إذ أعاد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر خلال 2025 التذكير بضرورة الالتزام بأكواد نشر الجرائم والتحقيقات، محذرًا من التغطيات التي تنتهك الخصوصية أو تتجاوز المعايير الأخلاقية. غير أن الفجوة لا تزال واسعة بين النصوص التنظيمية والممارسة الفعلية، خصوصًا في ظل سباق المشاهدات والسبق الرقمي.
التغيير المطلوب يبدأ من اللغة.. فالمفردات ليست محايدة؛ حين يقول الإعلام “قتل زوجته بسبب الشك في سلوكها”، فإنه يمنح القتل تفسيرًا ضمنيًا، أما حين يقول “قتل زوجته في جريمة عنف ضد المرأة”، فهو يعيد الجريمة إلى إطارها القانوني والحقوقي الفرق هنا ليس لغويًا فقط، بل أخلاقي ومعرفي أيضًا.
كذلك تحتاج المؤسسات الإعلامية العربية إلى تدريب حقيقي للصحفيين على التغطية الحساسة لقضايا العنف، لأن كثيرًا من الانتهاكات لا تأتي من سوء نية، بل من غياب الوعي الحقوقي، فبعض الصحفيين لا يدركون أن سؤال الضحية عن ملابسها أو سلوكها هو شكل من أشكال إعادة إنتاج العنف، وأن منح القاتل منصة لتبرير جريمته قد يخلق متعاطفين جددًا معه.
إعادة إنتاج العنف المجتمعي
أكد الدكتور جمال فرويز، أستاذ علم النفس والاجتماع، أن الطريقة التي تُتناول بها قضايا العنف ضد المرأة في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تسهم بشكل مباشر في تكريس الوصمة المجتمعية ضد الضحايا، محذرًا من أن التناول غير المهني لهذه الجرائم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بصورة متكررة داخل المجتمع.
وأوضح فرويز، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن كثيراً من التغطيات الإعلامية لا تتوقف عند حدود الواقعة نفسها، بل تمتد إلى تكوين صورة نمطية سلبية عن الضحية، وهو ما ينعكس على فئات نسائية أخرى تشترك معها في بعض الصفات الاجتماعية، مثل المطلقات أو الأرامل أو الفتيات غير المتزوجات أو حتى المتزوجات.
وأشار إلى أن أخطر ما في الأمر هو أن بعض قطاعات المجتمع تتعامل مع جرائم العنف ضد النساء بنوع من التهوين أو التقليل من خطورتها، بل أحيانًا يتم توجيه الاهتمام نحو تفاصيل جانبية أو تبريرات مرتبطة بالجاني، بدلًا من التركيز على الجريمة ذاتها وآثارها الإنسانية والاجتماعية.
وأضاف فرويز أن هناك فئات داخل المجتمع تتفاعل مع جرائم قتل النساء بصورة صادمة، إذ قد يظهر البعض حالة من الشماتة أو التبرير أو حتى الاحتفاء غير المباشر بالجريمة، وهو ما يرجعه إلى تراكمات نفسية واجتماعية ومشاعر سلبية دفينة، مثل الغيرة أو الكراهية أو الخبرات الشخصية المؤلمة التي مر بها بعض الأفراد في علاقاتهم السابقة.
وأوضح أستاذ علم النفس والاجتماع أن بعض الرجال الذين يمرون بتجارب أسرية أو عاطفية صعبة قد يجدون في هذه الجرائم نوعًا من “التنفيس النفسي”، بينما تتعامل بعض السيدات مع الضحية بمنطق المقارنة أو الأحكام المسبقة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التعاطف المحدود أو غياب التعاطف تمامًا مع الضحية.
وحذّر فرويز من أن الإفراط في التغطية الإعلامية لجرائم العنف، خاصة عندما يتم تناول تفاصيلها بشكل متكرر ومثير، قد يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، موضحًا أن بعض الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو ميولًا عدوانية قد يخزنون هذه الصور والمشاهد في العقل الباطن، لتتحول لاحقًا إلى أنماط سلوكية قابلة للتكرار عند المرور بظروف مشابهة.
وأضاف أن المشكلة لا تتوقف فقط عند حدود نقل الخبر، بل تمتد أحيانًا إلى طبيعة الصياغة الإعلامية نفسها، حيث تحمل بعض المعالجات الإعلامية نزعة تبريرية أو خطابًا ذكوريًا يمنح الجاني مبررات ضمنية للعنف، من خلال التركيز على روايته الشخصية أو إفساح المجال لتقديم مبررات تتعلق بسلوك الضحية أو حياتها الخاصة.
وأكد فرويز أن هذا النوع من الخطاب الإعلامي يترك أثرًا خطيرًا في اللاوعي الجمعي، خاصة لدى المتابعين الذين قد يبدون غير متفاعلين ظاهريًا مع القضية، إلا أن هذه الرسائل تُختزن في العقل الباطن، وتظهر لاحقًا عند التعرض لمواقف مشابهة، ما يدفع البعض إلى استدعاء نفس المبررات وتكرار الجريمة بالأسلوب ذاته.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة الالتزام بمدونات السلوك المهني والأخلاقي في تغطية جرائم العنف ضد المرأة، داعيًا وسائل الإعلام إلى تبني خطاب توعوي يركز على حماية الضحايا، وتعزيز ثقافة احترام المرأة، وإبراز العقوبات القانونية الرادعة بدلًا من إعادة إنتاج المبررات التي قد تسهم في تطبيع العنف داخل المجتمع.
حماية العدالة وحقوق الضحايا
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى سعداوي، أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنيا، أن المسؤولية الجنائية تقع بشكل مباشر على أصحاب المنصات الرقمية ومديري المواقع الإلكترونية حال قيامهم بنشر وقائع المحاكمات الجنائية أو تداول تفاصيل التحقيقات التي تباشرها النيابة العامة، مشددًا على أن القانون المصري يتعامل بحزم مع أي انتهاك لسرية إجراءات العدالة، خصوصًا في القضايا المرتبطة بجرائم العنف الجسيمة الواقعة على المرأة.
وأوضح سعداوي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن التشريع المصري وضع إطارًا قانونيًا صارمًا يهدف إلى مواجهة مختلف صور العنف ضد المرأة، على غرار العديد من التشريعات المقارنة، وذلك من خلال ضمان حسن سير العدالة وحماية حقوق جميع أطراف الدعوى الجنائية خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة.
وأضاف أن من أبرز هذه الضمانات حظر نشر وقائع المحاكمات الجنائية أو تداول تفاصيلها إلا بتصريح رسمي من المحكمة وبموافقة النيابة العامة، سواء وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية الحالي أو القانون الجديد الذي يبدأ العمل به بدءا من نوفمبر المقبل.
وأشار إلى أن مرحلة التحقيق الابتدائي التي تشرف عليها النيابة العامة تخضع لقاعدة السرية، وهي قاعدة جوهرية تهدف إلى حماية الأدلة وضمان نزاهة التحقيقات وعدم التأثير على مسار العدالة أو على الرأي العام، لافتا إلى أن الكشف عن تفاصيل التحقيقات أو نشر ما تسفر عنه من أدلة أو أقوال يُعد مخالفة قانونية صريحة، وقد يرتب مسؤولية جنائية على من يقوم بذلك أو يسهم في تداوله عبر الوسائط الرقمية المختلفة.
وأضاف سعداوي أن نشر وقائع المحاكمات دون إذن رسمي يُعد جريمة يعاقب عليها القانون المصري، نظرًا لما قد يترتب على ذلك من توجيه للرأي العام أو التأثير على القضاة والشهود وسير المحاكمة بشكل عام، مؤكدًا أن العدالة تقتضي أن تُناقش أوجه الدفاع والاتهام داخل قاعات المحاكم فقط، وفي الإطار الذي يحدده القانون.
وشدد أستاذ القانون الجنائي على أن هناك سندًا قانونيًا واضحًا يحظر نشر وقائع المحاكمات أو التحقيقات، حيث نص قانون الإجراءات الجنائية على تجريم هذه الأفعال وفرض عقوبات مشددة على مرتكبيها، خاصة إذا ترتب على النشر الإضرار بحسن سير العدالة أو التأثير على الرأي العام أو المساس بسمعة الضحايا وأسرهم.
واختتم سعداوي تصريحاته بالتأكيد على أن تداول الفيديوهات والمحتويات المرتبطة بالقضايا الجنائية الحساسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى التأثير السلبي على إدارة العدالة، داعيًا مستخدمي المنصات الرقمية ووسائل الإعلام إلى الالتزام بالضوابط القانونية والمهنية عند تناول القضايا المنظورة أمام القضاء، احترامًا لسيادة القانون وحفاظًا على حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.

