حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية قد يكون أوسع بكثير مما تعكسه البيانات الرسمية، في ظل استمرار انتقال العدوى داخل المجتمعات المحلية وصعوبة تتبع سلاسل الإصابة، وأكدت المنظمة أن فرق الاستجابة الصحية تواجه تحديات متزايدة في رصد جميع الحالات واحتواء انتشار الفيروس، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة وصعوبات أمنية ولوجستية.
ونقلت وكالة رويترز عن تشيكوي إيكويزو، مدير شؤون الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، أن المنظمة رصدت مؤشرات تدل على وجود عدد كبير من الإصابات التي لم تدخل بعد ضمن منظومة الترصد الوبائي.
وأوضح أن أربعة من كل خمس إصابات جديدة مؤكدة لا ترتبط بحالات معروفة أو بقوائم المخالطين، وهو ما يعكس وجود انتقال مجتمعي واسع يصعب تتبعه بالوسائل التقليدية، ويزيد المخاوف من اتساع رقعة التفشي.
مؤشرات على انتشار أوسع
أكدت منظمة الصحة العالمية أن البيانات الوبائية الحالية تشير إلى أن حجم تفشي فيروس إيبولا قد يتجاوز الأرقام الرسمية بما يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف، استنادا إلى نماذج رياضية وتحليلات لمعدلات إيجابية الفحوص المخبرية وأنماط انتقال العدوى.
وأوضح إيكويزو أن فرق الترصد الصحي تعتمد على قوائم المخالطين لقطع سلاسل انتقال المرض، إلا أن اكتشاف معظم الإصابات الجديدة خارج هذه القوائم يعني أن الفيروس ينتشر بين أشخاص لم تخضع تحركاتهم للمراقبة، وهو ما يزيد من صعوبة السيطرة على الوباء خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن هذه المؤشرات تستدعي تكثيف عمليات الفحص الميداني، وتعزيز أنشطة التقصي الوبائي، وتوسيع نطاق حملات التوعية المجتمعية، بما يسمح بالكشف المبكر عن الإصابات والحد من انتقال العدوى.
حصيلة رسمية وتحديات ميدانية
أظهرت أحدث البيانات الحكومية في جمهورية الكونغو الديمقراطية تسجيل 1792 إصابة مؤكدة ومحتملة بفيروس إيبولا منذ إعلان التفشي في منتصف مايو، بينما بلغ عدد الوفيات 625 حالة حتى الآن.
وترى منظمة الصحة العالمية أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحصيلة الفعلية، لأن عددا من الإصابات لا يصل إلى المراكز الصحية، كما تواجه فرق الاستجابة صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق، خاصة تلك التي تعاني اضطرابات أمنية أو ضعف البنية التحتية الصحية.
وأشارت المنظمة إلى أن استمرار انتقال العدوى داخل المجتمعات المحلية يفرض تحديات إضافية على برامج تتبع المخالطين، التي تمثل أحد أهم أدوات مكافحة إيبولا ومنع تحوله إلى موجة وبائية أوسع.
بؤرة التفشي في إيتوري
تتركز غالبية الإصابات المسجلة في إقليم إيتوري شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث سجل الإقليم نحو 90 بالمئة من إجمالي الحالات المبلغ عنها.
وأوضح مدير شؤون الطوارئ في منظمة الصحة العالمية أن مدينة بونيا، عاصمة الإقليم، تمثل مركزا رئيسيا لانتشار الفيروس، مشيرا إلى أن نحو نصف الأشخاص الذين خضعوا لفحوص الكشف عن إيبولا في المدينة جاءت نتائجهم إيجابية، وهو مؤشر يعكس انتشارا مجتمعيا واسعا للعدوى بين السكان.
وتضم مدينة بونيا نحو مليون نسمة، الأمر الذي يزيد من أهمية تسريع إجراءات الاستجابة الصحية، وتعزيز قدرات المستشفيات ومراكز العزل، وتوسيع حملات التطعيم الموجهة للمخالطين والعاملين في القطاع الصحي.
انتقال العدوى إلى أقاليم جديدة
أكدت منظمة الصحة العالمية أن الفيروس لم يعد محصورا في إقليم إيتوري، بل امتد إلى أقاليم نورث كيفو وساوث كيفو، ووصل أخيرا إلى إقليم تشوبو، وهو ما يثير مخاوف من اتساع النطاق الجغرافي للتفشي إذا لم تنجح جهود الاحتواء في قطع سلاسل انتقال العدوى.
وأشار إيكويزو إلى أن الوضع في نورث كيفو يبدو أكثر استقرارا نسبيا، لأن معظم الإصابات الجديدة هناك ترتبط بقوائم المخالطين المعروفة، وهو ما يعكس تقدما في إجراءات الترصد الوبائي مقارنة ببؤرة التفشي الرئيسية في إيتوري.
وأكد أن اختلاف طبيعة الإصابات بين الأقاليم يساعد السلطات الصحية على توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر عرضة لخطر الانتشار المجتمعي، مع التركيز على تكثيف الفحوص وتدعيم فرق الاستجابة السريعة.
دعوات لتعزيز الاستجابة
شددت منظمة الصحة العالمية على ضرورة زيادة الدعم الدولي لجهود مكافحة إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال توفير التمويل والمعدات الطبية والكوادر المتخصصة، إضافة إلى دعم حملات التوعية المجتمعية التي تشجع السكان على الإبلاغ المبكر عن الأعراض والتعاون مع فرق الاستجابة.
وأكدت المنظمة أن نجاح عمليات الاحتواء يعتمد على سرعة اكتشاف الإصابات، وتتبع المخالطين، وتوفير العلاج والرعاية الطبية، مع استمرار برامج التطعيم الوقائي للفئات الأكثر عرضة للإصابة، خاصة العاملين في القطاع الصحي والمخالطين المباشرين للحالات المؤكدة.
يمثل فيروس إيبولا أحد أخطر الأمراض الفيروسية المعروفة، إذ يسبب حمى نزفية شديدة ويصل معدل الوفيات في بعض موجاته إلى مستويات مرتفعة إذا لم يتلق المرضى الرعاية الطبية المناسبة، واكتشف الفيروس لأول مرة عام 1976 بالقرب من نهر إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وشهدت البلاد منذ ذلك الوقت عدة موجات تفش بسبب الاحتكاك بالحياة البرية وضعف الأنظمة الصحية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة من النزاعات.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التشخيص المبكر، والعزل السريع للحالات، وتتبع المخالطين، وبرامج التطعيم، تمثل الركائز الأساسية للسيطرة على الفيروس ومنع تحوله إلى أوبئة واسعة النطاق.
