كانت كاني في السادسة عشرة عندما اختطفها أحد أقاربها وأجبرها على الزواج، وخلال شهر ونصف تعرضت، وفق ما وثقته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف“، للاعتداء الجنسي والجسدي والنفسي، وأجبرت على الأعمال المنزلية ورعاية أفراد أسرة زوجها.
لم تكن تملك هاتفا تطلب به النجدة أو شبكة دعم تعرف من خلالها إلى أين تتجه، وبعد تدهور حالتها قدم والدها شكوى لدى الشرطة، قبل أن تصل إلى مركز يوفر خدمات نفسية واجتماعية وقانونية.
صحيح أن إكراه كاني احتاج إلى اختطاف حتى يصبح ظاهرا، لكن الإكراه لا يأتي دائما بهذه الصورة، فقد تقول امرأة “نعم” بعدما أصبح قول “لا” داخل أسرتها أكثر كلفة مما تستطيع تحمله، وهنا تقع المنطقة الأصعب: القانون العراقي يجرم الإكراه على الزواج، لكن إثباته يصبح أكثر تعقيدا عندما يمارس الضغط داخل الأسرة وبين الأقارب.
الأرقام تقيس العمر لا الإرادة
الزواج المبكر والزواج القسري ليسا ظاهرة واحدة، فليس كل زواج مبكر قسريا، كما يمكن لامرأة بالغة أن تتعرض للإكراه، وتدرج الأمم المتحدة الزواج القسري ضمن الممارسات الضارة، فيما أوصت لجنة “سيداو” العراق باتخاذ إجراءات لمواجهته إلى جانب زواج الأطفال.
وتشير أحدث البيانات الوطنية الشاملة المتاحة، وهي مسح العراق العنقودي متعدد المؤشرات لعام 2018، إلى أن نحو 28% من العراقيات بين 20 و24 عاما تزوجن قبل بلوغ 18 عاما، و7.2% قبل الخامسة عشرة. وترتفع النسبة إلى نحو 36% بين الفئات الأفقر مقابل 14% بين الأغنى.

لكن هذه الأرقام تقيس العمر لا الإرادة، ولذلك لا يمكن اعتبار جميع المشمولات بها ضحايا للإكراه، وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسلطة الأسرية والعادات القبلية في استمرار زواج الفتيات، خصوصا بين الأقل تعليما والأشد فقرا.
القانون يجرم.. والإثبات هو العقدة
يقول قاضي محكمة الأحوال الشخصية أحمد جاسب الساعدي لـ”صفر” إن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل يجرم الإكراه على الزواج، وإن الإكراه واقعة مادية يمكن إثباتها بمختلف وسائل الإثبات، وعند ثبوتها تحال القضية إلى محكمة التحقيق لاتخاذ الإجراءات بحق من أجبر شخصا، ذكرا كان أم أنثى، على الزواج دون رضاه.
ويحدد الساعدي صعوبة الإثبات بوصفها أبرز التحديات، خصوصا أن الوقائع تحدث غالبا داخل الأسرة وبين الأقارب، وفي المقابل يقدّر أن دعاوى الإكراه تراجعت من واقع القضايا المسجلة أمام المحاكم، إلى مستويات شبه معدومة في مراكز المدن.
وفي غياب أرقام رسمية منشورة من مجلس القضاء الأعلى عن هذه الدعاوى، يبقى ذلك تقديرا قضائيا لا إحصاء وطنيا، ولا يسمح انخفاض عدد القضايا وحده بحسم ما إذا كان يعكس تراجعا مماثلا للظاهرة أو أن بعض الوقائع لا تصل إلى القضاء.
الإكراه داخل الأسرة والعشيرة
ويتخذ الإكراه صورا مرتبطة بأعراف عشائرية، بينها “الفصلية” أو “زواج الدية”، التي تقوم على تزويج امرأة لتسوية نزاع بين عشيرتين، وتصنف قانونيا زواجا بالإكراه وفق المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية. أما “النهوة” فهي عرف يمنح ابن العم سلطة اجتماعية على زواج ابنة عمه من رجل من خارج العشيرة.
وتقدم حالة وردة التي وثقتها “اليونيسف” صورة مختلفة للضغط على قرار الزواج، كانت في الثالثة عشرة عندما ضغط والدها عليها للزواج، بعدما تزوجت شقيقتها في الخامسة عشرة، قبل أن يتدخل عاملون في مساحة آمنة للنساء والفتيات للتوعية بمخاطر الزواج المبكر.
ففي حالة كاني ظهر الإكراه بالاختطاف والعنف، بينما جاء الضغط على وردة من داخل الأسرة قبل إتمام الزواج، وبين الحالتين أشكال من الضغط قد تجعل كلفة الرفض الاجتماعية أو الاقتصادية مرتفعة.

من البلاغ إلى القضاء
أنشأت وزارة الداخلية العراقية “مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري” بموجب الأمر الديواني رقم 80 لسنة 2009، ولها أقسام في بغداد والمحافظات وخطوط لتلقي البلاغات، وفي إقليم كردستان يصنف قانون مناهضة العنف الأسري رقم 8 لسنة 2011 الإكراه على الزواج والزواج المبكر ضمن جرائم العنف الأسري، بينما لا يزال مشروع قانون اتحادي مماثل عالقا في مجلس النواب.
ويقول الفريق الدكتور سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني في مكتب القائد العام للقوات المسلحة، والذي سبق أن شغل منصب مدير دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، لـ”صفر” إن الإكراه على الزواج تراجع بشكل كبير بفعل ارتفاع الوعي والانفتاح والتثقيف وحرية الرأي والتعبير، مشيرا إلى دور الإعلام الرقابي في دفع الأسر إلى التردد قبل إجبار الفتيات أو غيرهن على الزواج.
ويوضح معن أن الشرطة، ولا سيما شرطة حماية الأسرة، تتعامل مباشرة مع البلاغات المتعلقة بالإكراه، وتجري التحقيق وترفع الأوراق إلى القاضي المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية.
وتقدم هذه الرواية الرسمية تفسيرا لتراجع الحالات، لكن الوصول إلى الحماية قد يصطدم بعوائق أخرى، إذ تمثل الوصمة والخوف من المضايقة والعنف المرتبط بمفهوم “الشرف” عوائق أمام بعض النساء والفتيات في طلب الحماية والعدالة.
وفي يناير 2025 أقر البرلمان تعديلا على قانون الأحوال الشخصية أتاح الاختيار بين تطبيق القانون النافذ والاحتكام إلى مدونة أحكام شرعية، وأثار التعديل انتقادات بينها تحذيرات “هيومن رايتس ووتش” بشأن انعكاساته المحتملة على ضمانات النساء والفتيات.

الرضا في القانون والقراءة الشرعية
ترى الأكاديمية المتخصصة في القضاء الشرعي والتحكيم الدولي الدكتورة سحر الشوابكة أن الزواج في المنظور الشرعي لا يقتصر على إبرام العقد، بل يرتبط بالسكن والمودة والرحمة وتحقيق المصلحة ومنع الضرر.
وتقول لـ”صفر” إن حماية النساء والفتيات لا ينبغي تحويلها إلى مواجهة بين الشريعة وحقوق المرأة أو الطفل، مستندة إلى قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” ومقاصد حفظ النفس والعقل والنسل. وترى أن منع الإكراه والاستغلال والتأكد من الأهلية والمصلحة ومنح القضاء دورا في حماية الطرف الأضعف ينسجم مع هذه المقاصد.
ما لا تقوله أرقام المحاكم
تلتقي الروايتان القضائية والأمنية على أن حالات الإكراه ودعاواها شهدت تراجعا، لكن غياب إحصاء وطني منشور لهذه القضايا لا يسمح بقياس حجم هذا التراجع، أو معرفة عدد الوقائع التي قد لا تتحول إلى بلاغ أو دعوى.
بين كاني التي احتاجت إلى تدخل والدها والشرطة، ووردة التي تدخل آخرون قبل أن تصبح زوجة، تبقى مساحة لا تظهر بسهولة في سجلات المحاكم، ويمكن أن تكون فيها الموافقة الظاهرة آخر حلقة في سلسلة من الضغط والخوف والتبعية؛ لهذا لا يبدأ الرضا الحقيقي عند توقيع عقد الزواج، بل قبل ذلك بكثير، يبدأ عندما تكون “لا” خيارا آمنا بقدر “نعم”.
