يتصاعد النقاش الدولي حول المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في العلوم الكيميائية، لكن تشديد الضوابط بصورة غير متوازنة يمكن أن يخلق مشكلة حقوقية من نوع آخر، تتمثل في تقييد وصول الدول والمجتمعات إلى الاستخدامات السلمية للتقدم العلمي.
وتقوم اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ الأصل على معادلة مزدوجة: منع الاستخدامات المحظورة بصورة مطلقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحق في تطوير الكيمياء واستخدامها في الأغراض السلمية.
وهذا التوازن يظهر بوضوح في المادة الحادية عشرة من الاتفاقية، المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والتكنولوجية والتعاون العلمي بين الدول الأطراف.
الأمن والذكاء الاصطناعي
مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات الكيمياء والصناعة والبحث، يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة، فالقيود التي توضع لحماية الأمن قد تكون مشروعة عندما تستهدف خطراً حقيقياً ومحدداً، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول إلى معوقات واسعة أمام الوصول إلى المعرفة والتدريب والبنية الرقمية.
وهذا البعد يجد أساساً واضحاً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، فقد أكدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحق في التمتع بفوائد التقدم العلمي يتطلب من الدول الاهتمام ليس فقط بتطوير العلوم، بل بإتاحتها بصورة تسهم في إعمال الحقوق، مع التعامل في الوقت ذاته مع المخاطر التي قد تنشأ عنها.
وتكشف هذه القاعدة أن النقاش يجب ألا يوضع في صورة «الأمن مقابل العلم»؛ لأن كلا الهدفين قابلان للتحقيق عندما تقوم الضوابط على الضرورة والتناسب.
الذكاء الاصطناعي وحظر الأسلحة
وتدعم أنشطة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذا الاتجاه، ففي مؤتمر الرباط العالمي حول الذكاء الاصطناعي وتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2024، اجتمع ممثلون وخبراء وصناع سياسات من 46 دولة طرفاً لمناقشة فوائد التكنولوجيا ومخاطرها وكيف ينبغي للمنظمة التعامل معها، في إطار جمع بين الأمن والابتكار والاستخدام المسؤول.
وينبغي ألا يؤدي الخوف من الاستخدامات الضارة إلى بناء حواجز تمنع الدول النامية من المشاركة في الثورة العلمية الجديدة.
والبديل الحقوقي يتمثل في الاستثمار في التعليم، وبناء القدرات، ومدونات الاستخدام المسؤول، والرقابة المؤسسية، وتطوير مهارات السلطات الوطنية والجامعات والمختبرات.
ويجب أن تقوم برامج التعاون الدولي على تمكين الدول من فهم التكنولوجيا، لا إبقائها معتمدة على أدوات توفرها جهات خارجية دون قدرة على تقييمها.
والحق في العلم لا يعني الوصول غير المقيد إلى كل تقنية، لكنه يعني ألا تصبح اعتبارات الأمن مبرراً لإنشاء احتكار دائم للمعرفة والتكنولوجيا.
وفي النهاية، فإن نظام حظر الأسلحة الكيميائية سيكون أكثر قوة عندما تستطيع جميع الدول الاستفادة من العلم بصورة سلمية ومسؤولة، لا عندما تتركز المعرفة لدى عدد محدود منها.
