منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحقوق الثقافية وإعادة كتابة التاريخ.. ترامب يأمر بتحذير زوار “سميثسونيان” من معلومات غير دقيقة

26 يوليو 2026
متحف سميثسونيان للتاريخ الأمريكي في ناشونال مول بواشنطن
متحف سميثسونيان للتاريخ الأمريكي في ناشونال مول بواشنطن

فتح قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضع لافتات تحذيرية خارج المتحف الوطني للتاريخ الأمريكي التابع لمؤسسة سميثسونيان نقاشاً جديداً حول الحقوق الثقافية واستقلال المؤسسات المعرفية، بعدما وجّه الإدارة الفيدرالية إلى تحذير الزوار من أن المتحف يتضمن ما وصفه بـ”معلومات غير دقيقة”، مع إرشادهم إلى مصادر أخرى للحصول على ما تعده الإدارة معلومات دقيقة عن تاريخ الولايات المتحدة.

وبينما برر البيت الأبيض الخطوة بأنها تهدف إلى “استعادة الثقة” في المؤسسة، رأى مؤرخون وأكاديميون أنها تمثل تصعيداً غير مسبوق في تدخل السلطة التنفيذية في سرد التاريخ.

وجّه ترامب، بموجب أمر تنفيذي وقّعه في 24 يوليو، وزير الداخلية دوغ بورغوم إلى تركيب لافتات مؤقتة على الأرصفة والممرات التي تشرف عليها إدارة المتنزهات الوطنية والمؤدية إلى المتحف، لإبلاغ الزوار بنتائج تقرير أعده مجلس السياسة الداخلية في البيت الأبيض، والإشارة إلى أن معروضات المتحف تحتاج إلى تجديد، مع توجيههم إلى مواقع ومصادر أخرى للحصول على معلومات دقيقة حول التاريخ الأمريكي.

استند القرار إلى تقرير مجلس السياسة الداخلية الصادر في 4 يوليو بعنوان “إنقاذ قصة أمريكا” الذي خلص إلى أن قيادة مؤسسة سميثسونيان لم تعد تقدم التاريخ الأمريكي بوصفه إرثاً وطنياً مشتركاً، بل تستخدمه لتعزيز أفكار العدالة الاجتماعية والتحول الجذري للمجتمع، وهو ما اعتبرته الإدارة سبباً لفقدان الثقة في قدرة المؤسسة على سرد التاريخ الأمريكي “بأمانة وامتنان”.

أكد الأمر التنفيذي أن الإدارة ستستخدم جميع الصلاحيات المتاحة لمعالجة ما ورد في التقرير، ومنها تشجيع المؤسسة على تصحيح ما تعده الإدارة معروضات غير دقيقة، مع تكليف وزير الداخلية ومدير مكتب الإدارة والميزانية ومدير الخدمات العامة ومساعد الرئيس للسياسة الداخلية بتنفيذ هذه السياسة.

أشار القرار أيضاً إلى أن المتحف لم يمنح الموقعين الستة والخمسين على إعلان الاستقلال ما وصفه بـ”التكريم اللائق” خلال الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، موجّهاً بإقامة معارض أو لوحات إرشادية مؤقتة لتصحيح ما اعتبره معلومات غير دقيقة.

تصعيد مستمر

مثّل القرار، بحسب “واشنطن بوست”، مرحلة جديدة في حملة ضغط استمرت 16 شهراً ضد مؤسسة سميثسونيان، شملت مراجعات لمحتوى المتاحف، وتهديدات بوقف التمويل، وضغوطاً انتهت باستقالة أحد مديري المؤسسة، قبل أن تنتقل المواجهة إلى وضع رواية حكومية موازية أمام أحد أكثر المتاحف زيارة في الولايات المتحدة.

اعتبرت “رويترز” أن الخطوة امتداد لحملة يقودها الرئيس دونالد ترامب لإزالة ما يسميه “الأيديولوجية المعادية لأمريكا” من المؤسسات الثقافية، في حين يرى منتقدوه أنها محاولة لإعادة تقديم التاريخ الأمريكي من منظور محافظ.

اتهم البيت الأبيض مؤسسة سميثسونيان بالانحراف نحو “نشاط سياسي متطرف” متجذر في الماركسية، وبالسعي إلى تقسيم الأمريكيين وتشويه صورة الشخصيات التاريخية والإنجازات الوطنية، معتبراً أن البلاد تعرضت خلال العقد الأخير لمحاولات متواصلة لإعادة كتابة التاريخ وفرض رؤية أيديولوجية.

ومن جانبها، أوضحت “الغارديان” أن القرار يُصعّد هجوم ترامب على المؤسسة، ويُلزم وزارة الداخلية بوضع لافتات تبلغ الزوار بضرورة تجديد معروضات المتحف وفق نتائج تقرير البيت الأبيض، مع توجيههم إلى مصادر أخرى للحصول على معلومات فضلى عن التاريخ الأمريكي.

امتنعت مؤسسة سميثسونيان عن التعليق على الأمر التنفيذي، لكنها أكدت، وفق واشنطن بوست ورويترز، أن تقرير البيت الأبيض لا يعكس طبيعة عمل المتحف، وأن المؤسسة ملتزمة بالدقة والبحث العلمي غير المتحيز.

اعتراضات أكاديمية وسياسية

دافعت مديرة المتحف الوطني للتاريخ الأمريكي، أنثيا هارتيغ، خلال جلسات استماع في الكونغرس، عن منهج المؤسسة، مؤكدة أن المتحف يكرم إعلان الاستقلال والثورة والدستور والرموز الوطنية، وفي الوقت نفسه يعرض الفترات التي لم ترتقِ فيها الولايات المتحدة إلى مبادئها التأسيسية، معتبرة أن رواية القصة كاملة تمثل احتراماً للشعب الأمريكي، وفق “الغارديان”.

ووصفت العضو الديمقراطي الأبرز في اللجنة الفرعية للرقابة على كفاءة الحكومة بمجلس النواب، ميلاني ستانسبري، الأمر التنفيذي بأنه تدخل سياسي واضح لإعادة تشكيل التاريخ الأمريكي، مؤكدة أن مؤسسة سميثسونيان ليست ملكاً للرئيس بل للشعب الأمريكي.

حذرت المديرة التنفيذية للجمعية التاريخية الأمريكية، سارة ويكسل، من أن وضع مواد حكومية خارج المتحف يمثل إهانة للعاملين فيه، مؤكدة عدم وجود سابقة لتقديم السلطة التنفيذية رواية بديلة خارج متحف وطني، وأن التدخل السياسي في العمل المتحفي يهدد دقة التفسير التاريخي ويقوض ثقة الجمهور في واحدة من أهم المؤسسات الثقافية الأمريكية.

أشادت الجمعية التاريخية الأمريكية، بحسب “الغارديان”، بالتزام سميثسونيان بالبحث العلمي والدقة، مؤكدة أن المؤرخين يعملون وفق معايير الأدلة والبحث الأكاديمي، وأن التدخل السياسي يهدد نزاهة التفسير التاريخي، في حين رفضت منظمة المؤرخين الأمريكيين، وفق رويترز، الاتهامات الواردة في تقرير البيت الأبيض.

بين الاستقلال والتدخل

رحب الباحث البارز في مؤسسة التراث، مايك غونزاليس، بالأمر التنفيذي، معتبراً أن استخدام جميع الصلاحيات المتاحة لتنفيذ ما ورد فيه يمثل خطوة إيجابية، ووصف فكرة وضع اللافتات بأنها “خطوة ذكية”، معرباً عن أمله في أن تقود إلى تغييرات داخل المؤسسة.

أبرزت المصادر أن مؤسسة سميثسونيان التي يبلغ عمرها نحو 180 عاماً، تتمتع بوضع قانوني مستقل رغم تمويلها من اعتمادات يقرها الكونغرس، في حين يتولى مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض صرف الأموال الفيدرالية، وهو ما منح الإدارة أدوات إضافية للضغط عليها.

اختتم البيت الأبيض أمره التنفيذي بتأكيد أن الهدف هو استعادة الثقة في مؤسسة سميثسونيان ومعالجة ما وصفه بالانحرافات الأيديولوجية في عرض التاريخ الأمريكي، في حين ترى المواقف الواردة في واشنطن بوست ورويترز والغارديان أن الجدل تجاوز مضمون المعروضات ليصبح نقاشاً أوسع حول الحقوق الثقافية، واستقلال المؤسسات العلمية، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في صياغة الرواية التاريخية داخل واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في الولايات المتحدة.