منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الحياة يبدأ قبل لحظة الخطر.. اليابان وفنلندا نموذجان في الوقاية من الانتحار

05 أغسطس 2026
اليابان وفنلندا نموذجان في الوقاية من الانتحار
اليابان وفنلندا نموذجان في الوقاية من الانتحار

لا تبدأ حماية الحق في الحياة عند إنقاذ شخص من محاولة انتحار، بل قبل ذلك بوقت طويل، عندما يجد من يصغي إليه، أو يحصل على علاج في الوقت المناسب، أو يعيش في مجتمع لا يخجل فيه من طلب المساعدة.

ومن هنا، لم تعد الدول التي نجحت في خفض معدلات الانتحار تنظر إلى الصحة النفسية باعتبارها خدمة طبية فحسب، بل بوصفها جزءاً من منظومة أوسع لحماية الإنسان وصون كرامته.

وبينما تواصل اليابان وفنلندا تطوير سياسات الوقاية، يبرز سؤال أعمق من الأرقام.. كيف تتحول حماية الأمل نفسه إلى سياسة عامة؟

أرقام تعكس حجم التحدي

تقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 720 ألف شخص يفقدون حياتهم بسبب الانتحار كل عام، ليظل أحد الأسباب الرئيسة للوفاة بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.

وفي اليابان، سجلت وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية أكثر من 20 ألف حالة انتحار خلال عام 2024، مع استمرار ارتفاع الحالات بين الشباب والنساء مقارنة بسنوات سابقة، رغم انخفاض المعدلات مقارنة ببداية الألفية.

أما في فنلندا، فتشير بيانات هيئة الإحصاء الوطنية إلى استمرار انخفاض معدلات الانتحار على المدى الطويل بفضل برامج الوقاية التي بدأ تطبيقها منذ تسعينيات القرن الماضي، مع تأكيد السلطات الصحية أن الظاهرة لا تزال تتطلب تطوير خدمات الصحة النفسية والتعامل مع العوامل الاجتماعية المؤثرة فيها.

الوقاية سياسة لا استجابة

تكشف التجربتان اليابانية والفنلندية أن الوقاية من الانتحار لا تقوم على العلاج بعد وقوع الأزمة، وإنما على تقليل احتمالات الوصول إليها.

في اليابان توسعت برامج الدعم المجتمعي، وخطوط المساندة النفسية، وخدمات الصحة النفسية في المدارس وأماكن العمل، إلى جانب تطوير آليات للتدخل المبكر مع الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

أما في فنلندا، فقد ارتبط انخفاض معدلات الانتحار بالاستثمار المستمر في الرعاية الصحية الأولية، ودمج خدمات الصحة النفسية في النظام الصحي، وتطوير برامج تستهدف العزلة الاجتماعية، والإدمان، والضغوط الاقتصادية، باعتبارها عوامل تؤثر مباشرة في الصحة النفسية.

الانتحار هرباً من المعاناة

توضح مستشارة الصحة النفسية لارا معايطة أن الانتحار لا يحدث عادة بسبب مشكلة واحدة أو حدث عابر، وإنما يمثل نتيجة لتفاعل معقد بين الضغوط النفسية والظروف الحياتية وضعف الدعم الاجتماعي والشعور المتراكم باليأس.

وتقول معايطة، في حديثها لـ”صفر”، إن الألم النفسي قد يصبح لدى بعض الأشخاص أكبر من قدرتهم على احتماله، فيتحول التفكير بالانتحار إلى محاولة للهروب من المعاناة أكثر من كونه رغبة في إنهاء الحياة، خاصة عندما يفقد الإنسان ثقته بإمكانية تغير واقعه، مضيفة أن العزلة الاجتماعية تمثل أحد أبرز عوامل الخطورة.

وتفسر المعايطة حديثها بالتالي: لأن الإنسان يحتاج بطبيعته إلى الشعور بأنه مفهوم، وأن له مكانة وقيمة داخل محيطه. كما أن الاكتئاب، والقلق، والصدمات النفسية، والإدمان، واضطرابات الشخصية، قد تزيد احتمالية ظهور الأفكار الانتحارية إذا لم تُشخص وتُعالج مبكراً، مع تأكيد أن الإصابة باضطراب نفسي لا تعني حتمية الانتحار.

وترى المعايطة أن الوقاية تبدأ ببناء علاقات إنسانية آمنة، وتسهيل الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، وتشجيع طلب المساعدة بعيداً عن الوصمة الاجتماعية؛ لأن التدخل المبكر والدعم الحقيقي والعلاج المناسب قد ينقذ حياة كثيرين.

حماية الحياة مسؤولية

من منظور حقوق الإنسان، لا تقتصر الوقاية من الانتحار على توفير العلاج، بل ترتبط بالتزام الدول بحماية الحق في الحياة، وضمان الوصول إلى خدمات الصحة النفسية دون تمييز، وتوفير شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية، كما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يفرض على الدول تطوير خدمات الصحة النفسية، وتعزيز التدخل المبكر، وإزالة الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتوسيع شبكات الدعم المجتمعي.

وترى منظمة الصحة العالمية أن الحد من الانتحار مسؤولية تتشارك فيها السياسات الصحية والاجتماعية والتعليمية، ما يعالج العوامل التي تدفع الإنسان إلى فقدان الأمل قبل أن تتحول إلى مأساة يمكن الوقاية منها.

من يحمي الأمل يحمي الحياة

تكشف تجربتا اليابان وفنلندا أن أكثر السياسات نجاحاً ليست تلك التي تتدخل بعد وقوع الأزمة، بل التي تمنع الوصول إليها من الأساس، فحين يصبح طلب المساعدة أمراً طبيعياً، وتكون خدمات الصحة النفسية متاحة، وتحظى الفئات الأكثر هشاشة بالدعم الذي تحتاجه، تتراجع مساحة اليأس وتتسع فرص النجاة. وعندها، لا يعود الاستثمار في الصحة النفسية مجرد بند في موازنة الدولة، بل يصبح استثماراً مباشراً في حماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية.