تحوّلت لهجة شاب من صعيد مصر إلى مادة للسخرية بعدما انتشر تسجيل لمكالمته مع موظفة خدمة عملاء في شركة اتصالات، وتداول مستخدمون مقتطفات من حديثه مصحوبة بتعليقات تتهكم على نطقه ومفرداته، حتى غاب صاحب الصوت خلف موجة من الضحك على الطريقة التي يتحدث بها.
تختزل الواقعة -التي تحتاج إلى استكمال توثيق مصدر التسجيل وتاريخ انتشاره- وجهاً من التمييز اللغوي في مجتمعات عربية تتعدد فيها اللهجات واللغات، فالسخرية قد تتجاوز الإهانة الفردية إلى أحكام مسبقة بشأن الكفاءة والمكانة الاجتماعية، بينما تتحول الحواجز اللغوية في بعض الظروف إلى عائق أمام الحق في التعليم والعمل والحصول على الخدمات.

مصر.. لهجة تتحول إلى وصمة
تحمل اللهجات المصرية دلالات ثقافية واجتماعية مرتبطة بالمناطق والانتماء، لكن اللهجة الصعيدية، كغيرها من اللهجات المحلية، تظهر أحيانا في الأعمال الكوميدية مادة للتندر، بما قد يعزز صورا نمطية عن المتحدثين بها.
ويرى الباحث الاجتماعي طارق أبو زينب، في حديث لـ«صِفر»، أن التمييز يبدأ عندما تصبح طريقة النطق معيارا للحكم على ذكاء الإنسان وكفاءته ومكانته، محذراً من أن تكرار السخرية قد يدفع الأفراد إلى الصمت أو إخفاء هويتهم اللغوية تجنبا للإهانة، وهو ما قد يؤثر في شعورهم بالمواطنة المتساوية.
ويؤكد أبو زينب أن مواجهة الظاهرة تبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات العمل، باعتماد الكفاءة معيارا للتقييم، لا اللهجة أو الخلفية الجغرافية.
ويحظر الدستور المصري، في مادته الثالثة والخمسين، التمييز بين المواطنين لأسباب تشمل اللغة، غير أن وجود الحماية الدستورية لا يغني عن آليات فعالة للتعامل مع التنمر أو الاستبعاد حين يقعان.

المغرب والجزائر.. الاعتراف باللغة واختبار التطبيق
في المغرب والجزائر، ترتبط الحقوق اللغوية بمكانة الأمازيغية في التعليم والإدارة والحياة العامة.. فقد أصبحت لغة رسمية في المغرب بموجب دستور 2011، وفي الجزائر عام 2016، بعد الاعتراف بها لغة وطنية عام 2002.
وأصدر المغرب عام 2019 قانوناً تنظيمياً لتفعيل رسمية الأمازيغية، يتضمن إدماجها في التعليم والخدمات والإدارة والقضاء.
وتقر الحكومة المغربية بوجود صعوبات في وصول الناطقين بالأمازيغية إلى بعض الخدمات والمعلومات العامة. وتوضح بوابة الحكومة المنفتحة أن هذه الصعوبات تشمل ضعف استخدام الأمازيغية في الإدارات والوثائق ومراكز الاتصال والمواقع الإلكترونية.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة إجراءات لتعزيز الاستقبال بالأمازيغية وإدماجها في الخدمات العامة. كما أعلنت في يناير/كانون الثاني 2026 توقيع اتفاقيات جديدة لتوسيع استخدامها داخل مؤسسات عمومية.
ويمثل ذلك موقفاً حكومياً منشوراً بشأن معالجة الحواجز اللغوية، وليس رداً مباشراً على حالات التمييز التي يتناولها التقرير.
ويبقى التحدي في قياس أثر هذه الإجراءات على قدرة المواطنين على استخدام لغتهم والحصول على الخدمات دون عوائق.

تونس ولبنان.. اللغة الأجنبية وتفاوت الفرص
في تونس ولبنان، تلعب الفرنسية والإنجليزية أدواراً مهمة في التعليم والعمل، وإتقان اللغات الأجنبية يمنح أصحابها فرصاً إضافية، لكنه قد يتحول إلى عامل يعمق التفاوت الاجتماعي عندما تختلف فرص تعلمها بحسب دخل الأسرة ونوعية المدرسة والمنطقة.
ولا يشكل اشتراط لغة أجنبية تمييزاً في ذاته إذا اقتضته طبيعة العمل. لكن المشكلة تظهر عندما تُفرض متطلبات لغوية غير ضرورية للوظيفة، أو تُستخدم طريقة النطق للحكم على كفاءة شخص مؤهل.
ويقول الخبير الحقوقي وفيق الهواري لـ«صِفر» إن اللغة وسيلة للتواصل ونقل المعرفة وتقريب وجهات النظر، وإن تحويلها إلى أداة للاحتقار والإقصاء يقوض مبادئ المساواة والاحترام المتبادل.
ويضيف أن الكلمات قد تتحول، بحسب النبرة والسياق، إلى وسيلة للانتقاص من الآخرين، داعيا إلى مواجهة التنمر اللغوي وتعزيز ثقافة تحترم الاختلاف.
السودان.. اللغة والحق في الوصول إلى المساعدة
في السودان، تتعايش العربية مع لغات محلية متعددة، بينما تضاعف الحرب والنزوح أهمية التواصل المفهوم بين المؤسسات الإنسانية والمتضررين.
فالنازح الذي لا يفهم إرشادات الرعاية الصحية أو إجراءات التسجيل وتوزيع المساعدات قد يواجه صعوبة في الوصول إلى حقوقه الأساسية، وهنا تصبح الترجمة وإتاحة المعلومات بلغات يفهمها السكان جزءا من عدالة الاستجابة الإنسانية.
ولا يقدم التقرير حالة سودانية موثقة تعرضت للحرمان بسبب اللغة تحديدا، لكنه يبرز خطرا يستوجب الانتباه في بيئات النزوح، حيث يمكن لحاجز التواصل أن يزيد هشاشة الفئات المتضررة.
الحماية القانونية.. المساواة لا تعني توحيد الألسنة
تحظر المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التمييز بسبب اللغة. ويكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادتين الثانية والسادسة والعشرين، المساواة وعدم التمييز، بينما تحمي المادة السابعة والعشرون حق المنتمين إلى الأقليات اللغوية في استخدام لغاتهم. ويؤكد الميثاق العربي لحقوق الإنسان مبدأ عدم التمييز بسبب اللغة.
ويقول الحقوقي الدولي عبد المجيد مراري لـ«صِفر» إن السخرية من اللهجات واللغات قد تشكل صورا من التنمر والتمييز، وإن القانون الدولي يوفر حماية عامة للأقليات اللغوية والإثنية، حتى عندما لا يعالج كل صورة من صور الإساءة اللغوية بنص مستقل.
ويشير إلى ممارسات تطول مكونات لغوية، بينها الأمازيغ والأكراد، داعياً الدول العربية إلى مراجعة تشريعاتها وتعزيز حماية التنوع الثقافي واللغوي.
ولا تعني هذه الضمانات أن كل مزحة بشأن لهجة تشكل مخالفة قانونية، أو أن المؤسسات ملزمة باستخدام جميع اللغات في كل الظروف. لكن المسؤولية الحقوقية تبدأ عندما يؤدي الاختلاف اللغوي إلى حرمان غير مبرر من فرصة أو خدمة أو حق.
ويشدد أبو زينب على أن الاندماج لا يقتضي تخلي الإنسان عن لهجته، معتبراً أن كرامة المواطن لا تقاس بطريقة نطقه، وأن حقه في المشاركة يجب ألّا يتوقف على صوته أو مفرداته.
وتكشف هذه القضية حاجة المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل والجهات المقدمة للخدمات إلى مراجعة متطلباتها اللغوية، وتوفير آليات للتظلم من الاستبعاد، وقياس مدى قدرة الفئات المختلفة على الوصول إلى المعلومات.
فالمساءلة الحقوقية لا تقف عند إدانة السخرية من اللهجات، بل تبدأ بالسؤال عمن يحرم من فرصة أو خدمة لأنه لا يتحدث بالطريقة السائدة، وما إذا كانت المؤسسات تملك وسائل فعلية لإنصافه، وحين يصبح تغيير اللهجة شرطاً غير معلن للقبول، تتحول المساواة من حق يكفله القانون إلى امتياز تمنحه طريقة النطق.
