منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التراث العالمي بين الحماية والحقوق.. الشعوب الأصلية تطالب بدور حقيقي في إدارة أراضيها ومواقعها المقدسة

23 سبتمبر 2026
ممثلة اليونسكو خلال جلسة حقوق الشعوب الأصلية والتراث العالمي بجنيف
ممثلة اليونسكو خلال جلسة حقوق الشعوب الأصلية والتراث العالمي بجنيف

لم تعد حماية التراث العالمي قضية مرتبطة بالحفاظ على المواقع الأثرية والطبيعية بمعزل عن سكانها؛ إذ تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها المواقع التي تتداخل مع أراضي الشعوب الأصلية، ما يضمن احترام حقوقها في الأرض والثقافة وتقرير المصير والمشاركة في اتخاذ القرار. وفي صلب هذا النقاش برزت مسألة الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، باعتبارها أحد الضمانات الأساسية لمنع أن تتحول إجراءات حماية التراث إلى مصدر جديد للتهجير أو فقدان السيطرة على الأراضي أو تقييد الممارسات الثقافية والدينية.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال جلسة تناولت حقوق الشعوب الأصلية والتراث العالمي، وشهدت مشاركة ممثلين عن الشعوب الأصلية والدول والمنظمات الدولية وغير الحكومية، في نقاش ركز على العلاقة بين اتفاقية التراث العالمي وحقوق المجتمعات التي عاشت على الأراضي التي تضم مواقع مدرجة أو مرشحة للإدراج. وطرحت المداخلات تساؤلات حول مدى كفاية الآليات القائمة لضمان مشاركة الشعوب الأصلية في تسمية المواقع وترشيحها وإدارتها وتقاسم المنافع الناتجة عنها.

التراث ليس موقعاً منفصلاً عن أصحابه

ممثلة اليونسكو، بيتا دي سان كريستوبال، أكدت أن المنظمة تعمل على تعزيز مقاربات حقوق الإنسان في برامجها، موضحة أن التراث الطبيعي والثقافي ومعارف الشعوب الأصلية و التنمية المستدامة لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة.

وأوضحت أن عدداً كبيراً من مواقع التراث العالمي يتداخل مع أراضي وأقاليم الشعوب الأصلية، وأن هذه المواقع لا تمثل مجرد أماكن جغرافية أو آثاراً مادية، وإنما ترتبط بمجتمعات عاشت فيها وأسهمت عبر أجيال في إدارتها وحمايتها.

وبحسب المداخلة، شهد تطبيق اتفاقية التراث العالمي تطوراً تدريجياً مع تزايد التفاعل مع الشعوب الأصلية داخل اليونسكو ولجنة التراث العالمي وآليات الأمم المتحدة، بحيث لم يعد صون التراث يقتصر على حماية المباني أو المواقع، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بالعلاقات الروحية والممارسات الثقافية والتقاليد والمعارف التي تنتقل من جيل إلى آخر.

وهنا يبرز التحول من مقاربة كانت تركز بصورة أساسية على الخبراء والمواقع، إلى مقاربة تعترف بالشعوب الأصلية بوصفها مؤتمنة على هذه المواقع وشريكاً أساسياً في صونها وإدارتها.

لكن ممثلة اليونسكو لفتت أيضاً إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بمشاركة الشعوب الأصلية، وإنما بكيفية فهم تراثها وتفسيره وعرضه، خصوصاً أن بعض المواقع ترتبط بلغاتها وحكمتها التقليدية وأنظمة حوكمتها وعلاقتها بالأرض والطبيعة.

ومن هذا المنطلق، دعت المداخلة إلى إشراك أصحاب الحقوق في مراحل مبكرة من تقييم المواقع، ما يساعد على الوقاية من النزاعات قبل الوصول إلى مراحل متقدمة من إجراءات الإدراج.

ممثلة اليونسكو خلال جلسة حقوق الشعوب الأصلية والتراث العالمي بجنيف
ممثلة اليونسكو خلال جلسة حقوق الشعوب الأصلية والتراث العالمي بجنيف

ربع مواقع التراث تتداخل مع أراضي الشعوب الأصلية

من جانبها، قالت ممثلة المنتدى الدولي للشعوب الأصلية إن نحو ربع مواقع التراث العالمي تتداخل مع أراضي الشعوب الأصلية، مشيرة إلى أن عدداً من هذه المواقع أُدرج، وفقاً لما عرضته، من دون موافقة أو استشارة مسبقة مع المجتمعات المعنية.

وطرحت المداخلة انعكاسات ذلك على حقوق الملكية وتقرير المصير والثقافة واختيار أنماط الحياة، مؤكدة أن مواقع التراث يمكن أن توفر حماية للأراضي وفرصاً اقتصادية وعملية، لكنها قد تصبح في المقابل مصدراً لانتهاكات الحقوق عندما تتم إدارتها من دون مشاركة المجتمعات الموجودة على الأرض.

وأشارت إلى أن لجنة التراث العالمي اعتمدت عام 2025 قراراً بشأن التحديات المرتبطة بمشاركة الشعوب الأصلية، مع توقع مناقشة معالجة أكثر شمولاً لهذه القضايا خلال دورة اللجنة عام 2027.

كما استشهدت المداخلة بتقارير وإجراءات أممية عرضت حالات انتهاكات في بعض المواقع المحمية، تضمنت القتل والعنف الجنسي والتعذيب والاعتقال التعسفي والنهب، إلى جانب النزاعات المتعلقة باستخدام الأراضي و الموارد الطبيعية، مع الإشارة إلى أمثلة في تنزانيا وكينيا مرتبطة بأراضي شعب الماساي وبحيرة بوكوريا.

الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة

تكررت خلال النقاش الدعوة إلى احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، سواء قبل إدراج المواقع الواقعة على أراضي الشعوب الأصلية في قائمة التراث العالمي، أو قبل تنفيذ مشروعات يمكن أن تؤثر في أراضيها ومواردها.

وتحمل هذه المسألة بعداً حقوقياً مباشراً؛ إذ حذرت المداخلات من أن حماية التراث ينبغي ألا تؤدي إلى تهجير السكان، أو فقدانهم السيطرة على أراضيهم، أو تقييد وصولهم إلى المواقع المقدسة، أو تجريم ممارساتهم الدينية والثقافية.

كما برزت الدعوة إلى توفير سبل فعالة للعدالة والانتصاف وجبر الضرر في الحالات التي تتعرض فيها حقوق الشعوب الأصلية للانتهاك.

وطالبت إحدى المداخلات بمراجعة المعايير المستخدمة في تقييم الأراضي المرشحة للإدراج، وتعزيز التشاور مع الشعوب الأصلية، وإنشاء آلية رسمية تتيح لها تقديم الشكاوى والحصول على جبر الضرر، إلى جانب تعزيز التعاون بين لجنة التراث العالمي ومنظومة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

تجربة طريق ويكساريكا

وقدمت مداخلات الشعوب الأصلية نماذج اعتُبرت دالة على إمكانية الجمع بين حماية التراث والحقوق.

ومنها تجربة طريق ويكساريكا إلى فيريكوتا في المكسيك التي عرضها فرانسيسكو إيمانويل فيدارغاس أكوستا نيابة عن مجموعات من الشعوب الأصلية.

وأوضح أن الموقع أُدرج على قائمة التراث العالمي بعد سبع سنوات من الإجراءات، وأن الملف التقني الخاص به كان قد أُعد قبل نحو ثلاثة عقود. ويرتبط الطريق بممارسات روحية للشعوب الويكساريتاري الذين يقطع ممثلوهم سنوياً نحو 50 كيلومتراً عبر الأراضي الوطنية لإقامة طقوس مرتبطة بمعتقداتهم وعلاقتهم بالأرض.

وأشار إلى أن الطريق تمتد لنحو 500 كيلومتر، وتضم 36 موقعاً مقدساً، وأن حمايتها ارتبطت بإجراءات قانونية جديدة، منها القانون الفيدرالي لحماية التراث الثقافي للشعوب الأصلية والأفرو-مكسيكية، إلى جانب تعديلات دستورية وإجراءات لحماية عدد من الشعوب الأصلية.

وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من مفهوم التراث؛ فالموقع بالنسبة إلى المجتمع المعني ليس مجرد مسار جغرافي، وإنما شبكة من المواقع والمسارات الروحية المرتبطة بالهوية والمعتقدات والذاكرة الجماعية.

مواقف دولية تدعم المشاركة

وتوالت خلال الجلسة مواقف الدول المؤكدة لضرورة تعزيز مشاركة الشعوب الأصلية.

فقد أكدت بوتسوانا أهمية حماية حقوق الشعوب الأصلية وأنظمتها التقليدية للمعرفة، مشيرة إلى انضمامها إلى اتفاقية التراث العالمي بهدف تعزيز المشاركة وتحسين التشاور وحماية الحقوق.

كما أكد الاتحاد الأوروبي التزامه بتعزيز حقوق الشعوب الأصلية وفقاً لإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، مشيراً إلى أن كثيراً من مواقع التراث العالمي تقع على أراضي هذه الشعوب التي تؤدي دوراً أساسياً في صونها، مع طرح إمكانية استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي استخداماً يحترم معارفها وبياناتها.

وشددت الدنمارك، نيابة عن دول البلطيق الشمالية وغرينلاند، على الدور التاريخي للشعوب الأصلية بوصفها وصياً على الأراضي و الموارد الطبيعية والتراث الثقافي، مؤكدة أن إجراءات الحماية يجب ألا تؤدي إلى تقييد الممارسات التقليدية أو حرمان المجتمعات من الوصول الثقافي والروحي إلى المواقع.

وفي السياق نفسه، رحبت غواتيمالا بالمائدة المستديرة، معتبرة أن مشاركة ممثلي الشعوب الأصلية في المجلس بصفتهم كيانات مستقلة تمثل تطوراً مهماً، لكنها أقرت باستمرار وجود فجوات تتطلب تغييرات مؤسسية وتدابير حوكمة أكثر فاعلية.

المكسيك والبرازيل: التراث جزء من الهوية

وأشارت المكسيك إلى إصلاحات قانونية ومؤسسية، منها الإصلاح الدستوري لعام 2024 الذي يعترف بالشعوب الأصلية باعتبارها كيانات تتمتع بالشخصية القانونية، إلى جانب الاعتراف بتراثها الثقافي، فضلاً عن القانون الفيدرالي لحماية التراث الثقافي للشعوب والمجتمعات الأصلية.

أما البرازيل فأكدت أن التراث الثقافي والطبيعي للشعوب الأصلية لا يمكن فصله عن الأراضي والمعارف والموروث الروحي وأنماط الحياة والعلاقة بالبيئة، مشيرة إلى إعادة 607 قطع ثقافية مرتبطة بالشعوب الأصلية من فرنسا إلى البرازيل، إلى جانب قطع أخرى من الدنمارك.

وأكدت إسبانيا، بدورها، أهمية تطبيق مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، وربطت بين حماية حقوق الشعوب الأصلية وآليات حقوق الإنسان والاتفاقيات المتعلقة بالثقافة والبيئة والتنوع البيولوجي والملكية الفكرية والمعارف التقليدية.

النوبة.. سؤال الحق في العودة

وفي مداخلة ذات صلة بالسياق المصري، سلّطت منظمة «جنيف لحقوق الإنسان – Formation International» الضوء على تجربة النوبة وعلاقتها بتاريخ اتفاقية التراث العالمي لعام 1972.

وأشارت المنظمة إلى جهود اليونسكو خلال الفترة بين عامي 1960 و1980 لإنقاذ عدد من المعابد والآثار، بينها أبو سمبل، من مياه السد العالي، بالتزامن مع تهجير عشرات الآلاف من النوبيين وغمر قراهم بمياه بحيرة ناصر.

كما أشارت إلى المادة 236 من الدستور المصري لعام 2014 التي نصت على إعادة النوبيين إلى أراضيهم الأصلية خلال عشر سنوات، وقالت إن ذلك لم ينفذ ضمن المدة المحددة، مستعرضة كذلك قراري 444 لسنة 2014 و355 لسنة 2016 المتعلقين بالمناطق والأراضي النوبية. وطالبت بتمكين النوبيين من المشاركة في إدارة الآثار النوبية وتنفيذ حق العودة.

وتضع هذه المداخلة قضية التراث في مواجهة سؤال أوسع: هل يمكن حماية الموقع التاريخي بمعزل عن حقوق المجتمع الذي ارتبط به تاريخياً، أم إن حماية التراث تتطلب بالضرورة حماية الإنسان الذي حافظ عليه وعاش حوله؟

من «أصحاب مصلحة» إلى «أصحاب حقوق»

وفي مداخلات أخرى، شددت منظمات الشعوب الأصلية على ضرورة الانتقال من النظر إليها باعتبارها مجرد أطراف أو أصحاب مصلحة إلى الاعتراف بها باعتبارها أصحاب حقوق.

وطالبت منظمة تمثل الشعوب الأصلية في نيبال بدمج قيمها ومعارفها ومؤسساتها وعلاقاتها بالأرض في أطر حوكمة مواقع التراث، وباعتماد الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة في جميع مراحل التسمية والترشيح والإدارة.

كما أكد مجلس السامي أهمية الاعتراف بدور الشعب السامي في حوكمة التراث وضمان مشاركته وموافقته الحرة والمسبقة والمستنيرة، وربط ذلك بحق تقرير المصير وفقاً للقانون الدولي.

وحذرت مداخلات أخرى من أن إدراج المواقع على قائمة التراث العالمي قد يتزامن في بعض الحالات مع نزاعات على الأرض أو الموارد أو مشروعات صناعية، مستشهدة بأمثلة من تنزانيا وأستراليا والولايات المتحدة.

نحو آلية مشتركة بين اليونسكو ومنظومة حقوق الإنسان

وفي ختام النقاش، برز اقتراح بإنشاء آلية مشتركة بين اليونسكو ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للنظر في الانتهاكات التي تقع في مواقع التراث العالمي، إلى جانب مراجعة المواقع المدرجة بالفعل للتأكد من احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة وحماية حقوق المجتمعات المعنية.

وأكدت ممثلة اليونسكو أن الدول الأطراف هي التي تقدم الترشيحات بموجب اتفاقية التراث العالمي، لكنها شددت على ضرورة بدء التعاون مع الشعوب الأصلية في مرحلة مبكرة جداً، خصوصاً عند إعداد القائمة التمهيدية، باعتبارها مرحلة يمكن خلالها تحديد الموقع وقيمته قبل الوصول إلى مرحلة الترشيح الرسمي.

وأوضحت أن عملية الترشيح قد تستغرق نحو عامين، وأن إتاحة وقت أطول للتشاور يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن مدى ملاءمة الموقع للإدراج من الأساس، داعية إلى توفير مساحات حقيقية للتعاون قبل وصول الملفات إلى لجنة التراث العالمي.

مواقف دولية داعمة لتعزيز مشاركة الشعوب الأصلية
مواقف دولية داعمة لتعزيز مشاركة الشعوب الأصلية
حماية التراث تبدأ بحماية أصحابه

تكشف مجمل المداخلات عن تحول متزايد في النقاش الدولي من التعامل مع التراث باعتباره مواقع ومباني ومناظر طبيعية إلى النظر إليه باعتباره منظومة حية تضم الأرض واللغة والهوية والمعتقدات والمعارف والعلاقات الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، لا تبدو حماية التراث منفصلة عن حماية حقوق الشعوب التي حافظت عليه، كما أن إدراج موقع على قائمة التراث العالمي ينبغي ألا يصبح سبباً لتقليص حقوق سكانه أو إبعادهم عنه.

وتخلص المداخلات إلى ضرورة أن تكون مشاركة الشعوب الأصلية فعلية وليست شكلية، وأن تبدأ منذ المراحل الأولى للترشيح، وأن تمتد إلى الإدارة واتخاذ القرار وتقاسم المنافع، مع توفير آليات للشكوى والانتصاف وجبر الضرر عند وقوع الانتهاكات.

وفي الملاحظات الختامية، جرى تأكيدٌ أن لكل مجتمع أصلي أنظمة حكم ومواقع وظروفاً مختلفة، وأن اتفاقية التراث العالمي لا تستطيع وحدها معالجة جميع القضايا المرتبطة بحقوق الشعوب الأصلية، ما يجعل التعاون بين اليونسكو والدول ومنظومة الأمم المتحدة والمجتمعات الأصلية ضرورة لضمان حماية التراث باعتباره جزءاً من حقوق الإنسان، وليس بديلاً عنها.