جون ستوسل
قبل سنوات قليلة، ظهرت أنماط جديدة من العمل لم تكن موجودة من قبل، أبرزها الوظائف المرتبطة بالتطبيقات الرقمية. فمن توصيل الطعام عبر “دور داش”، إلى قيادة السيارات عبر “أوبر” و”ليفت”، مروراً بخدمات المشاوير والأعمال المؤقتة ورعاية الحيوانات الأليفة، بات ملايين الأشخاص يعتمدون على هذا النوع من العمل المرن.
ويُقبل كثيرون على هذه الوظائف لأنها تمنحهم حرية اختيار ساعات العمل وتحديد أوقاتهم بأنفسهم. لكن هذا النموذج لا يروق للنشطاء المدافعين عما يسمونه “حقوق العمال”، ولا للسياسيين ذوي التوجهات الاشتراكية.
فبالنسبة لهم، تُعد شركات مثل أوبر وليفت جهات تستغل العاملين لديها، ولذلك قدم الاشتراكيون الديمقراطيون ما اعتبروه “الحل”: فرض حد أدنى مرتفع للأجور على سائقي التوصيل.
في مدينة سياتل الأمريكية قرر المجلس البلدي إلزام شركات التوصيل بدفع ما يعادل 26 دولاراً في الساعة لسائقيها.
بدا الأمر رائعاً على الورق، لكن السؤال الذي تجاهله السياسيون كان بسيطاً: ماذا يمكن أن يحدث عندما تفرض الحكومة أسعاراً وأجوراً بعيداً عن آليات السوق؟
اليوم، وبعد مرور عامين، أصبحت الإجابة واضحة. العاملون لم يحققوا مكاسب تُذكر، في حين ارتفعت التكاليف على الجميع، فقد أضافت تطبيقات مثل “دور داش” و”أوبر إيتس” رسوماً إضافية على الطلبات لتغطية تكاليف التشريعات الجديدة، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في أسعار الخدمات.
أحد سكان سياتل أخبرني أنه طلب شطيرة يبلغ سعرها 12 دولاراً، لكنه فوجئ بأن الفاتورة النهائية وصل سعرها إلى 32 دولاراً. وكانت النتيجة أنه حذف التطبيق بالكامل.
ولم يكن المستهلكون وحدهم من تضرروا، بل السائقون أيضاً.
فمع ارتفاع الأسعار تراجع الطلب على خدمات التوصيل، ما أدى إلى انخفاض فرص العمل المتاحة للسائقين. وأقرت شركة “دور داش” نفسها بأن عدد الطلبات في سياتل تراجع بمقدار 1.7 مليون طلب.
هذه هي النتيجة المعتادة عندما يقرر السياسيون تحديد الأجور إدارياً.
الأسواق أكثر تعقيداً بكثير مما يتصور صناع القرار. فشركات التوصيل لا تتعامل مع طرف واحد فقط، بل تحاول الموازنة بين مصالح المطاعم والسائقين والعملاء في آن واحد. ومع ذلك، يعتقد بعض أعضاء المجالس البلدية أو المسؤولين الحكوميين أنهم قادرون، بمجرد قراءة بعض التقارير الإخبارية، على تحديد الأجر “الصحيح” لكل عامل.
حتى بعض السياسيين الذين أيدوا القانون اعترفوا لاحقاً بوجود مشكلة.
لكن بدلاً من الاعتراف بفشل الفكرة نفسها، اعتبروا أن الخطأ كان في الأرقام فقط، وكأن المشكلة ليست في التدخل الحكومي بل في مستوى الحد الأدنى الذي تم اختياره.
هذا النوع من الغرور السياسي يثير الدهشة.
فكيف يمكن لأي جهة حكومية أن تعرف بدقة القيمة المناسبة التي يجب أن يحصل عليها كل عامل في سوق متغير ومعقد؟
التاريخ الاقتصادي يقدم الإجابة بوضوح: ضوابط الأسعار لا تنجح.
ما ينجح هو التسعير المرن والمنافسة الحرة.
فالمنافسة تدفع الشركات باستمرار إلى تعديل الأجور والأسعار لجذب الموظفين والعملاء. أما عندما يحاول السياسيون فرض سعر أو أجر يعدونه “عادلاً”، فإن النتيجة غالباً تكون عكس ما يهدفون إليه.
التجربة نفسها تكررت في مدينة نيويورك عندما فرض المسؤولون حداً أدنى مرتفعاً لأجور السائقين العاملين عبر التطبيقات.
في البداية بدا القرار وكأنه انتصار للعمال، لكن انخفاض الإكراميات واشتداد المنافسة على الوظائف قلّصا المكاسب المتوقعة، فعادت السوق لتتكيف مع الواقع الجديد بطريقة أبطلت كثيراً من آثار القرار.
والمشكلة أن السياسيين غالباً ما يتعاملون مع هذه النتائج بالطريقة نفسها؛ فكلما استجابت السوق لتشريع جديد، سارعوا إلى إصدار تشريع آخر لمحاولة معالجة الآثار الجانبية التي تسببوا فيها بأنفسهم.
إنهم يعتقدون أن التنظيم الإضافي سيقضي على ما يصفونه بالجشع، لكن الواقع يقول إن ذلك غير ممكن.
في النهاية، تظل المنافسة هي الآلية الأكثر كفاءة لتحديد الأجور والقيم الاقتصادية.
كثير من السياسيين يتصرفون وكأن هناك وعاءً ثابتاً من الأموال يمكن إعادة توزيعه كيفما يشاؤون دون تكلفة أو آثار جانبية. لكن التجارب المتكررة تثبت أن التدخلات من هذا النوع لا تحسن أوضاع العمال كما يُروَّج لها، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى رفع التكاليف على المستهلكين وإضعاف الشركات التي نجحت أساساً في خلق فرص عمل جديدة ومبتكرة.
هذه ليست المرة الأولى، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة التي تكشف فيها السوق حدود الحلول السياسية التي تبدو جذابة في الشعارات، لكنها تتعثر عند اختبار الواقع.
نقلاً عن نيويورك بوست
