منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العمل تحت الضغط.. تحذيرات دولية من “القاتل الصامت” في أماكن الشغل

21 يونيو 2026
مخاطر في بيئة العمل
مخاطر في بيئة العمل

لا يبدو السؤال عن الراتب أو عدد ساعات الدوام للعاملين في كافة المجالات وحده كافياً لفهم واقع العمل اليوم.. السؤال الأعمق أصبح: هل يحمي العمل صحة الإنسان وكرامته، أم يتحول تدريجياً إلى مصدر دائم للتوتر والإنهاك والخوف؟

هذا السؤال عاد بقوة بعد تقرير جديد لمنظمة العمل الدولية، وحذّر من أن المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل لم تعد مشكلة فردية أو “ضغطاً عابراً”، بل أصبحت أزمة صحة عامة عالمية، ترتبط بمئات آلاف الوفيات سنوياً وخسائر اقتصادية ضخمة.

وتشمل هذه المخاطر الإجهاد المزمن، وساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان الوظيفي، والتنمر والمضايقة، وضعف السيطرة على مهام العمل، واختلال التوازن بين الجهد والمكافأة.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى الإدارة والتوظيف والمراقبة وقياس الأداء، يتسع السؤال: هل تساعد التكنولوجيا على تخفيف العبء عن العمال، أم تضيف طبقة جديدة من الضغط والمراقبة وفقدان الاستقلالية؟

أزمة غير مرئية

طالما ارتبطت السلامة المهنية في الوعي العام بالحوادث المباشرة.. سقوط من ارتفاع، إصابة بآلة، حريق في مصنع، أو التعرض لمواد سامة، لكن تقرير منظمة العمل الدولية يلفت النظر إلى نوع آخر من الخطر، أقل وضوحاً لكنه أشد امتداداً: بيئة العمل النفسية والاجتماعية.

فالضغط المستمر، والإدارة العنيفة، والخوف من فقدان الوظيفة، والعمل لساعات طويلة، ليست مجرد ظروف مزعجة؛ بل عوامل يمكن أن تترك آثاراً صحية عميقة، خصوصاً في القلب والصحة النفسية.

ووفق تقديرات منظمة العمل الدولية، ترتبط المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل بأكثر من 840 ألف وفاة سنوياً حول العالم.

وتشير التقديرات الجديدة إلى أن المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل ترتبط سنوياً بنحو 840,088 وفاة، إضافة إلى قرابة 45 مليون سنة من سنوات الحياة الصحية المفقودة بسبب المرض أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة، كما تقدر منظمة العمل الدولية العبء الاقتصادي لهذه المخاطر بما يعادل 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً.

العبء الأكبر من الوفيات يأتي من أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل أمراض القلب الإقفارية والسكتات الدماغية، في حين تشكل الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب، جزءاً كبيراً من سنوات الحياة الصحية المفقودة بسبب طبيعتها المزمنة والمُعوِّقة.

ساعات قاتلة

ساعات العمل الطويلة تبقى من أكثر العوامل وضوحاً وقياساً في هذه الأزمة. فالتقديرات المرتبطة بمنظمة العمل الدولية تشير إلى أن جزءاً معتبراً من العمال عالمياً يعملون أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، في حين تُربط ساعات العمل الطويلة، خصوصاً عندما تتجاوز 55 ساعة أسبوعياً، بمخاطر عليا للإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

وهنا لا يتعلق الخطر بعدد الساعات فقط، بل بما تخلقه هذه الساعات من إنهاك مستمر، وقلة نوم، وضعف في الحياة الاجتماعية، وتراجع في القدرة على التعافي النفسي والجسدي، فالعمل الطويل قد يبدو أحياناً مؤشراً على الالتزام أو الإنتاجية، لكنه في الواقع قد يتحول إلى عبء صحي قاتل عندما يصبح قاعدة دائمة لا استثناءً.

ولا تنبع المخاطر النفسية من العامل وحده، ولا من “ضعف شخصي” في تحمل الضغط، بل من طريقة تصميم العمل وإدارته، فالموظف الذي يواجه أهدافاً غير واقعية، أو مديراً يمارس الإهانة، أو تقييماً مستمراً بلا شفافية، أو خوفاً دائماً من الفصل، يعيش داخل منظومة تولد الضغط يومياً.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن بيئات العمل السيئة، ومنها التمييز، وعدم المساواة، وأعباء العمل المفرطة، وضعف التحكم في العمل، وانعدام الأمن الوظيفي، تمثل خطراً مباشراً على الصحة النفسية، كما تقدر أن 15% من البالغين في سن العمل كانوا يعانون اضطراباً نفسياً عام 2019.

تكلفة اقتصادية ضخمة

لا تقف الأزمة عند حدود المعاناة الفردية، فالاكتئاب والقلق يؤديان عالمياً إلى فقدان نحو 12 مليار يوم عمل كل عام، بتكلفة تقدر بنحو تريليون دولار سنوياً من الإنتاجية المهدرة، وفق منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية.

هذه الأرقام تعني أن تجاهل الصحة النفسية في العمل لا يضر العامل فقط، بل يضرب الشركات والاقتصادات أيضاً، فالإنهاك يؤدي إلى الغياب، وتراجع التركيز، وزيادة الأخطاء، وتدهور جودة الخدمات، وارتفاع معدل ترك الوظائف، وتراجع الثقة بين العاملين والإدارة.

الجديد في النقاش أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح جزءاً من إدارة العمل نفسه، تستخدمه شركات في التوظيف، وفرز السير الذاتية، وتوزيع المهام، ومراقبة الأداء، وقياس الإنتاجية، وتحديد المكافآت، بل وأحياناً في قرارات النقل أو الفصل.

ورقة عمل حديثة لمنظمة العمل الدولية، صدرت في 2026، تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البيئة النفسية والاجتماعية للعمل؛ لأنه لم يعد حاضراً فقط في الأدوات التي يستخدمها العامل، بل في كامل دورة العلاقة الوظيفية: التوظيف، التدريب، المراقبة، التقييم، المكافأة، التطوير المهني، النقل، وإنهاء الخدمة.

مراقبة بلا نهاية

من أبرز المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في العمل، بحسب منظمة العمل الدولية، المراقبة التطفلية، وتراجع استقلالية العامل، والتوسع المفرط في جمع البيانات، وضعف الشفافية في القرارات الخوارزمية.

في بعض بيئات العمل، لم تعد الرقابة تقتصر على تقييم دوري أو متابعة مدير مباشر، بل أصبحت مستمرة ولحظية: عدد النقرات، زمن الاستجابة، حركة العامل، سرعة الإنجاز، معدل التفاعل، أو حتى أنماط السلوك الرقمية، وعندما يشعر العامل أنه مراقب طوال الوقت، يتراجع الإحساس بالثقة والكرامة، ويزداد القلق من الخطأ أو العقاب.

وتتحدث منظمة العمل الدولية أيضاً عن خطر فقدان الاستقلالية المهنية. فالذكاء الاصطناعي قد يحدد للعامل ماذا يفعل، ومتى يفعله، وبأي سرعة، وكيف يُقاس أداؤه، من دون أن يفهم دائماً معايير القرار أو يستطيع الاعتراض عليه.

هذا النوع من الإدارة الخوارزمية قد يكون أكثر قسوة من الإدارة التقليدية؛ لأنه يضع العامل أمام نظام يبدو محايداً لكنه قد يكون مبهماً، وغير قابل للنقاش، ومبنياً على بيانات ناقصة أو منحازة، ومع الوقت، يمكن أن يشعر العامل بأنه فقد السيطرة على عمله، وهو عامل معروف بارتباطه بالإجهاد والاحتراق النفسي.

تكثيف العمل

قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاجية، لكنه قد يرفع أيضاً سقف التوقعات. فإذا أصبح إنجاز المهمة أسرع بفضل التقنية، قد تطالب الإدارة بإنجاز عدد أكبر من المهام في الوقت نفسه، ما يؤدي إلى “تكثيف العمل” بدل تخفيفه.

وتشير تقارير عن ورقة منظمة العمل الدولية إلى أن أنظمة الإدارة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تزيد العبء المعرفي وتكثف العمل، خصوصاً عندما تؤدي إلى زيادة عدد المهام داخل أوقات عمل أقصر أو مراقبة أدق.

ورغم المخاطر، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي خطر بطبيعته؛ إذ يمكن أن يساعد في تحسين السلامة المهنية عبر توقع الحوادث، وتحليل المخاطر، وتقليل تعرض العمال للأعمال الخطرة، وتحسين تنظيم الموارد، وتخفيف بعض الأعمال المتكررة أو الشاقة.

وتشير الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي والرقمنة يمكن أن تعيد تشكيل إدارة المخاطر المهنية، من خلال التحليلات التنبؤية والروبوتات وأنظمة المتابعة الذكية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا التحول يحتاج إلى إدارة تضمن حماية الإنسان لا تحويله إلى مجرد رقم في نظام رقابي.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print