تمثل مناطق النزاع حول العالم واحدة من أكثر المراحل قتامة في تاريخ حماية الأطفال، في ظل تصاعد غير مسبوق للانتهاكات الجسيمة التي تستهدف الطفولة، بدءاً من القتل والتشويه والتجنيد القسري، وصولاً إلى الاعتداءات الجنسية والهجمات على المدارس والمستشفيات وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية. وبينما تؤكد الأمم المتحدة أن الأطفال يجب أن يكونوا خارج دائرة الصراع، تكشف أحدث التقارير الدولية أن الحروب المعاصرة باتت تدفعهم إلى قلب ساحات القتال، ليتحولوا إلى ضحايا مباشرين لعنف يتجاوز حدود القانون الدولي الإنساني.
أرقام قياسية للانتهاكات
كشف التقرير السنوي للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة الذي عرضته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة فانيسا فريزر أمام مجلس الأمن في يونيو 2026، عن تسجيل 38 ألفاً و558 انتهاكاً جسيماً موثقاً بحق الأطفال خلال عام 2025، طالت 24 ألفاً و174 طفلاً، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ إنشاء آلية الرصد والإبلاغ الأممية قبل ثلاثة عقود.
وأوضح التقرير أن هذه الانتهاكات تم التحقق منها وفق معايير الأمم المتحدة الصارمة، ما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلث الضحايا من الفتيات، في حين تعرض آلاف الأطفال لأكثر من انتهاك في الوقت نفسه.
تحول خطير في طبيعة المسؤولية
أبرز ما كشفه التقرير الأممي يتمثل في التحول التاريخي الذي جعل القوات الحكومية، وللمرة الأولى منذ بدء الرصد المنهجي، الجهة الرئيسية المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، متجاوزة الجماعات المسلحة غير الحكومية.
واعتبرت فانيسا فريزر أن هذا التطور يعكس تراجعاً خطيراً في احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول على الوفاء بمسؤولياتها الأساسية في حماية المدنيين، وخاصة الأطفال. ووصفت الأمم المتحدة عام 2025 بأنه “فصل مظلم” في سجل حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة.
القتل والتشويه في الصدارة
بحسب إحاطة فانيسا فريزر أمام مجلس الأمن، ظل القتل والتشويه أكثر الانتهاكات انتشاراً خلال عام 2025، حيث وثقت الأمم المتحدة تضرر 14 ألفا و224 طفلاً، بينهم 6266 طفلاً قتلوا و7958 أصيبوا بإعاقات أو تشوهات دائمة، وأكدت المسؤولة الأممية أن الأطفال قتلوا داخل منازلهم ومراكز النزوح والمدارس والمستشفيات وحتى أثناء اللعب، وهي أماكن يفترض أن توفر لهم الحماية والأمان.
وأوضحت الأمم المتحدة أن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان لا يزال أحد أبرز أسباب سقوط الضحايا الأطفال في النزاعات المعاصرة.
ستة انتهاكات تهدد الطفولة
وفق الأمم المتحدة، تتوزع الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة على ست فئات رئيسية هي: القتل والتشويه، والتجنيد والاستخدام العسكري للأطفال، والاختطاف، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
وتشكل هذه الانتهاكات أساس آلية الرصد والإبلاغ التي أنشأها مجلس الأمن بموجب القرار 1612 لعام 2005 لمتابعة أوضاع الأطفال في مناطق الصراع.
التجنيد والاختطاف والعنف الجنسي
أظهرت بيانات الأمم المتحدة استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة بوتيرة مقلقة، حيث وثقت المنظمة الدولية 6607 حالات تجنيد واستخدام للأطفال خلال عام 2025، إلى جانب 5129 حالة اختطاف و1783 حالة عنف جنسي موثقة ضد الأطفال.
وتتركز هذه الانتهاكات بصورة كبيرة في عدد من بؤر الصراع في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، حيث تستغل الجماعات المسلحة هشاشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية لاستقطاب الأطفال أو إجبارهم على المشاركة في الأعمال القتالية.
الحرب على التعليم والصحة
تشير الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن المدارس والمستشفيات باتت أهدافاً متكررة للنزاعات المسلحة، رغم الحماية الخاصة التي يكفلها القانون الدولي الإنساني لهذه المنشآت المدنية. وأكدت المديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل أن المدرسة أو المستشفى أو نقطة المياه يجب ألا تتحول أبداً إلى ساحة قتال، محذرة من أن استهداف هذه المرافق يحرم الأطفال من التعليم والعلاج والحماية النفسية والاجتماعية، ويؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على المجتمعات بأكملها. كما سجلت الأمم المتحدة خلال عام 2024 ارتفاعاً كبيراً في الهجمات على المدارس والمنشآت الصحية مقارنة بالسنوات السابقة.
الإغاثة الإنسانية تحت الحصار
تؤكد الأمم المتحدة أن منع وصول المساعدات الإنسانية أصبح أحد أسرع الانتهاكات نموا خلال السنوات الأخيرة. وأفاد مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة بأن حالات حرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية شهدت ارتفاعاً مطرداً، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معدلات سوء التغذية والأمراض والنزوح بين الأطفال في مناطق النزاع. كما أطلقت الأمم المتحدة في عام 2025 دليلاً إرشادياً جديداً لتعزيز آليات رصد هذه الانتهاكات والاستجابة لها.
أصبحت الحرب في قطاع غزة إحدى أكثر الأزمات تأثيراً في الأطفال خلال السنوات الأخيرة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأطفال الفلسطينيين كانوا من بين الفئات الأكثر تضرراً من العمليات العسكرية المستمرة. كما وثقت الأمم المتحدة عدداً كبيراً من الانتهاكات المرتبطة بالقتل والإصابة والتشريد والهجمات على المدارس والمستشفيات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
أظهرت تقارير أممية حديثة أن آلاف الأطفال الفلسطينيين قتلوا أو أصيبوا منذ اندلاع الحرب، في حين يعاني معظم أطفال القطاع من آثار نفسية وإنسانية عميقة نتيجة استمرار النزاع وتدهور الظروف المعيشية.
تداعيات تتجاوز جيل الحرب
تشدد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية على أن آثار الانتهاكات لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تمتد لعقود طويلة. فالأطفال الذين يتعرضون للتشويه يفقد كثير منهم القدرة على الحركة أو التعلم بصورة طبيعية، في حين يواجه ضحايا العنف الجنسي صدمات نفسية معقدة قد تستمر طوال حياتهم. كما يواجه الأطفال المجندون تحديات كبيرة في العودة إلى الحياة المدنية بعد انتهاء النزاعات، وهو ما يجعل إعادة الإدماج والدعم النفسي والاجتماعي ضرورة أساسية وليس خياراً إنسانياً ثانوياً.
اليونيسف تحذر من أزمة التمويل
في موازاة تصاعد الانتهاكات، حذرت المديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل من أن خفض التمويل الدولي المخصص لبرامج حماية الطفل يهدد قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وأكدت أن العالم يواجه مفارقة خطيرة تتمثل في ارتفاع أعداد الأطفال المتضررين من النزاعات في الوقت الذي تتراجع فيه الموارد المالية المخصصة لحمايتهم. وأوضحت أن تقليص التمويل يحد من برامج الرعاية النفسية وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج والدعم التعليمي للأطفال المتأثرين بالحروب.
الإطار القانوني الدولي
يستند النظام الدولي لحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة إلى مجموعة من الاتفاقيات والقرارات الدولية، أبرزها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، إضافة إلى اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأطفال والنزاعات المسلحة، وعلى رأسها القرار 1612 والقرار 2427. وتعد هذه النصوص القانونية تجنيد الأطفال واستهداف المدارس والمستشفيات والاعتداءات الجنسية ضد الأطفال وعرقلة المساعدات الإنسانية انتهاكات جسيمة قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية.
ست آليات أممية لمواجهة الانتهاكات
في مواجهة هذا الواقع المتدهور، طرحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة فانيسا فريزر ست آليات رئيسية لوقف الانتهاكات وحماية الأطفال؛ وتتمثل الآلية الأولى في الوقف الفوري لجميع الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال من جانب كافة أطراف النزاع، أما الثانية فتقضي بضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون معوقات مع حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتتمثل الآلية الثالثة في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات عبر أنظمة العدالة الوطنية أو الآليات الدولية المختصة، وتدعو الآلية الرابعة إلى التعامل مع جميع الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية لا جناة، في حين تؤكد الآلية الخامسة ضرورة توفير التمويل الكافي لبرامج إعادة الإدماج والدعم النفسي والاجتماعي لمراعاة الفروق العمرية والنوع الاجتماعي وآثار الصدمات النفسية، أما الآلية السادسة فتشدد على ضرورة إدماج حماية الأطفال في جميع عمليات السلام والتسويات السياسية والترتيبات الأمنية المستقبلية.
مستقبل الطفولة على المحك
تجمع الأمم المتحدة واليونيسف ومنظمات حقوق الإنسان الدولية على أن استمرار الاتجاهات الحالية يهدد جيلاً كاملاً من الأطفال في مناطق النزاع. وبينما ترتفع أعداد الضحايا عاماً بعد آخر، تتزايد الدعوات الدولية لتحويل التعهدات القانونية والسياسية إلى إجراءات عملية تضمن حماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وتبقى الرسالة التي نقلتها فانيسا فريزر عن أحد الأطفال المتضررين من الحروب معبرة عن جوهر الأزمة: “إذا كنتم ترغبون حقاً في المساعدة، فلا يكفي أن تتحدثوا فحسب، بل عليكم أيضاً اتخاذ إجراءات عملية”. وبين الأرقام الصادمة والتحذيرات المتكررة، تبدو حماية الأطفال اليوم اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بالقيم التي تعهد بالدفاع عنها.
