تشهد البرتغال تحولاً ديموغرافياً متسارعاً تقوده موجات الهجرة الدولية التي أسهمت خلال السنوات الأخيرة في تغيير التركيبة السكانية للبلاد بصورة لافتة، وبينما تواجه الدولة الأوروبية تحديات متزايدة مرتبطة بشيخوخة السكان وتراجع معدلات المواليد، تواصل أعداد المهاجرين الارتفاع بوتيرة غير مسبوقة، ما جعلهم أحد أبرز العوامل المؤثرة في النمو السكاني وفي مستقبل سوق العمل والاقتصاد والخدمات العامة.
وكشف المعهد الوطني للإحصاء في البرتغال، في بيانات ديموغرافية حديثة أن المواطنين الأجانب يمثلون نحو 14 بالمئة من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 11.4 مليون نسمة خلال عام 2025.
واستندت البيانات إلى تقاطع السجلات الإدارية الحديثة بدلاً من الاعتماد الحصري على نتائج التعداد السكاني التقليدي، ما وفر صورة أكثر دقة للتغيرات السكانية التي تشهدها البلاد.
أرقام غير مسبوقة
أظهرت التقديرات الرسمية أن عدد السكان المقيمين في البرتغال بلغ 11 مليوناً و424 ألفاً و31 شخصاً خلال عام 2025، بزيادة بلغت 36 ألفاً و809 أشخاص مقارنة بعام 2024، وهو أعلى عدد سكان تسجله البلاد في تاريخها الحديث.
وعكست هذه الأرقام استمرار النمو السكاني للعام الخامس على التوالي، في وقت كانت البرتغال تواجه خلال العقود السابقة مخاوف متزايدة من الانكماش الديموغرافي نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط الأعمار.
ويرى خبراء السكان أن تدفقات الهجرة الأخيرة لعبت دوراً محورياً في تغيير هذا الاتجاه ومنحت البلاد دفعة ديموغرافية غير مسبوقة.
موجات هجرة استثنائية
سجلت البرتغال بين عامي 2022 و2024 مستويات مرتفعة للغاية من تدفقات الهجرة، حيث ارتفع عدد السكان بمقدار 330 ألفاً و587 شخصاً خلال عام 2022، ثم 274 ألفاً و643 شخصاً خلال عام 2023، قبل أن يسجل زيادة إضافية بلغت 182 ألفاً و875 شخصاً خلال عام 2024.
وأوضح المعهد الوطني للإحصاء أن هذه الزيادات المتتالية ارتبطت بصورة مباشرة بارتفاع أعداد المقيمين الأجانب الذين اختاروا البرتغال وجهة للإقامة والعمل والاستقرار. وأسهمت هذه التدفقات في تعويض جزء كبير من الخسائر الديموغرافية المرتبطة بالشيخوخة السكانية وانخفاض أعداد السكان في بعض الفئات العمرية الأصغر سناً.
الأجانب يضاعفون حضورهم
أظهرت البيانات الرسمية أن عدد المواطنين الأجانب المقيمين في البرتغال بلغ نحو 1.6 مليون شخص حتى نهاية عام 2025، وهو ما يعادل 14 بالمئة من إجمالي السكان.
ويعكس هذا الرقم تحولاً كبيراً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة فقط، فقد تضاعف عدد المقيمين الأجانب أكثر من مرتين بين عامي 2021 و2025، بزيادة بلغت 849 ألفاً و384 شخصاً، ما يجعل هذه الفترة واحدة من أسرع مراحل التغير الديموغرافي في تاريخ البرتغال الحديث.
هذه الزيادة تعكس جاذبية البرتغال المتنامية بالنسبة للمهاجرين القادمين من دول ناطقة بالبرتغالية ومن دول آسيوية وأوروبية أخرى، إضافة إلى سياسات الهجرة والإقامة التي شجعت آلاف الوافدين على الاستقرار في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
البرازيليون في الصدارة
استحوذ المواطنون البرازيليون على الحصة الأكبر من إجمالي المقيمين الأجانب في البرتغال، حيث شكلوا 35.9 بالمئة من إجمالي الأجانب المقيمين في البلاد.
وجاء المواطنون الأنغوليون في المرتبة الثانية بنسبة 6.5 بالمئة، بينما احتل المواطنون الهنود المرتبة الثالثة بنسبة 5.9 بالمئة.
وتعكس هذه الأرقام الروابط التاريخية والثقافية واللغوية التي تجمع البرتغال بعدد من الدول الناطقة بالبرتغالية، وفي مقدمتها البرازيل وأنغولا، كما تعكس في الوقت نفسه تنامي حضور الجاليات الآسيوية في المجتمع البرتغالي خلال السنوات الأخيرة.
التمركز في المناطق الحضرية
تركز أكثر من نصف السكان الأجانب المقيمين في البرتغال داخل منطقتين رئيسيتين هما منطقة لشبونة الكبرى وشمال البلاد، حيث استضافتا معاً نحو 53.7 بالمئة من إجمالي المقيمين الأجانب.
ويفسر هذا التركز بوجود فرص عمل أكبر في المراكز الحضرية والاقتصادية الرئيسية، إضافة إلى توافر البنية التحتية والخدمات وفرص التعليم والرعاية الصحية، كما تشكل هذه المناطق نقطة جذب رئيسية للمستثمرين والعمالة الأجنبية والطلاب الدوليين.
الهجرة في مواجهة الشيخوخة
أكد باحثو المعهد الوطني للإحصاء أن النمو السكاني المسجل خلال عام 2025 يعود بشكل أساسي إلى صافي الهجرة الإيجابي، بينما استمرت ظاهرة الشيخوخة الديموغرافية بين السكان الأصليين في التوسع.
وأشار الباحثون إلى أن الزيادة الملحوظة في أعداد السكان ضمن الفئات العمرية القادرة على العمل أسهمت في التخفيف من حدة الشيخوخة السكانية، لكنها لم تنهِ المشكلة بصورة كاملة، إذ لا تزال البرتغال من بين الدول الأوروبية التي تواجه تحديات ديموغرافية مرتبطة بارتفاع متوسط العمر وانخفاض معدلات الإنجاب.
ونقلت صحيفة “رزيدنت” البرتغالية عن قراءة للإحصاءات الجديدة أن غالبية المهاجرين ينتمون إلى الفئات العمرية المنتجة اقتصادياً، وهو ما يمنح سوق العمل البرتغالي قوة إضافية ويساعد على تعويض النقص في العمالة الذي تعاني منه بعض القطاعات.
ضغوط على الخدمات العامة
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن النمو السريع في أعداد المقيمين يفرض تحديات متزايدة على قطاعات الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة.
ويثير هذا التحول الديموغرافي نقاشاً متواصلاً داخل البرتغال بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الحاجة الاقتصادية للهجرة وبين قدرة البنية التحتية والمؤسسات العامة على استيعاب الأعداد المتزايدة من السكان.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن نجاح البرتغال في إدارة هذه التحولات سيحدد إلى حد كبير قدرتها على الاستفادة من المزايا الاقتصادية للهجرة مع تقليل الضغوط الاجتماعية والخدمية المصاحبة لها.
مؤشر الشيخوخة يواصل الارتفاع
رغم الزيادة السكانية المسجلة، أظهرت البيانات استمرار ارتفاع مؤشر الشيخوخة في البرتغال، حيث بلغ عدد كبار السن نحو ضعف عدد الشباب تقريباً.
وسجلت البلاد ما يقارب 19 شخصاً مسناً مقابل كل عشرة أشخاص من فئة الشباب، وهو مؤشر يعكس عمق التحولات الديموغرافية التي تشهدها البلاد.
وتوضح هذه الأرقام أن الهجرة أصبحت أحد أهم العوامل التي تساعد البرتغال على مواجهة اختلال التوازن بين الأجيال، خاصة في ظل استمرار انخفاض معدلات الولادة وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
تعاني البرتغال، شأنها شأن عدد من دول جنوب أوروبا، من تحديات ديموغرافية مزمنة تتمثل في انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن.
وخلال العقدين الماضيين سجلت البلاد مستويات مرتفعة من الهجرة الخارجية بين الشباب البرتغاليين الباحثين عن فرص العمل في دول أوروبية أخرى.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً مع ارتفاع أعداد المهاجرين الوافدين إلى البرتغال بفضل الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي النسبي وسهولة الحصول على بعض أنواع تصاريح الإقامة والعمل.
ويعتبر خبراء السكان أن الهجرة أصبحت عاملاً حاسماً في الحفاظ على النمو السكاني ودعم سوق العمل وتمويل أنظمة الضمان الاجتماعي في البلاد، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بشيخوخة المجتمع الأوروبي بشكل عام.
