باتت مسألة الحرمان من الحرية خارج الأطر القانونية إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في النقاشات الحقوقية، ليس فقط بسبب عدد الحالات الموثقة، ولكن لأن هذا النمط من الانتهاك يكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والفرد عندما تُفرَّغ الضمانات القانونية من مضمونها.
ففي لحظات التوتر السياسي أو الاضطراب الأمني، يصبح الاحتجاز في بعض البلدان وسيلة سريعة لفرض السيطرة، ومع الوقت قد يتحول من إجراء استثنائي يفترض أن تحكمه قيود صارمة إلى ممارسة متكررة تُدار بمنطق الردع والإخضاع أكثر مما تُدار بمنطق القانون.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين لا تقف آثارها عند الشخص المحتجز وحده، بل تمتد إلى دوائر أوسع تمس الأسرة والمجتمع والمجال العام بأكمله، فالاحتجاز التعسفي لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يضعه في مواجهة عزلة قسرية، وقلق دائم، وانعدام يقين قانوني، ويترك من خلفه عائلات معلقة بين الخوف والانتظار، ومجتمعات تتعلم تدريجياً أن كلفة التعبير أو الاعتراض قد تصبح باهظة.
رصد هذه الحالات لا يهدف إلى تعداد الوقائع فحسب، بل إلى فهم ما تعنيه إنسانياً وسياسياً.. كيف يُستخدم تقييد الحرية لتطويع المجال العام، وكيف تتحول النصوص القانونية أو التدابير الاستثنائية في بعض السياقات إلى أدوات لإعادة رسم حدود المشاركة والصوت والاختلاف.
تصاعد الاحتجاز التعسفي
وتشير تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والأمم المتحدة إلى تصاعد استخدام الاحتجاز التعسفي في عدد من الدول، ضمن سياقات سياسية وأمنية متباينة.
ولا يقتصر ذلك على حالات فردية، بل يعكس في بعض السياقات توجّهاً منهجياً يوظف أدوات الأمن والقضاء لتقييد المجال العام وإعادة رسم حدوده، في ظل تراجع مساحات المعارضة والحريات المدنية.
ولا تمثل هذه الحالات حصراً للظاهرة، بل نماذج تعكس تباين أنماطها بين سياقات مختلفة، من قمع الاحتجاجات إلى التوسع في التشريعات الأمنية، وصولاً إلى إدارة المجال السياسي، ما يتيح قراءة أوسع لآليات استخدامها عبر بيئات متباينة.
أنماط متكررة وسياقات مختلفة
في إيران توثق تقارير حقوقية استمرار استخدام الاعتقال التعسفي أداة للضبط السياسي، حيث طالت الإجراءات آلاف المتظاهرين منذ احتجاجات 2022، إلى جانب احتجاز عشرات الصحفيين والنشطاء، بينهم ما لا يقل عن 125 صحفياً خلال عام واحد، وفق لجنة حماية الصحفيين.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى استخدام التعذيب وغياب المحاكمات العادلة، في ظل تسجيل 975 عملية إعدام في إيران خلال العام قبل الماضي 2024.
وفي روسيا، توسعت القوانين المرتبطة بالأمن القومي منذ الحرب في أوكرانيا لتشمل تجريم المعارضة والتعبير الإعلامي، مع اعتقال آلاف الأشخاص بسبب مواقفهم المناهضة للحرب، وفق بيانات منظمة OVD-Info، ضمن بيئة قانونية تتيح احتجاز الأفراد لفترات طويلة دون ضمانات كافية.
أما في فنزويلا، فتشير تقارير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى نمط طويل الأمد من الاعتقالات المرتبطة بقمع المعارضة، حيث يُقدّر عدد السجناء السياسيين بنحو 900 حتى أواخر 2025، إضافة إلى توثيق أكثر من 1,260 حالة اعتقال خلال احتجاجات ما بعد الانتخابات، بينهم قاصرون، ضمن سياق أوسع من القمع الممنهج منذ 2014.
انتهاك الحق في الحرية
يمثّل الحق في الحرية والأمان الشخصي أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي، غير أن هذا الحق يتعرض لانتهاك جوهري عندما يتحول الاحتجاز دون محاكمة إلى حالة مطوّلة أو مفتوحة، وفي هذه الحالة لا يُنظر إلى الحرمان من الحرية بوصفه إجراءً مؤقتاً، بل انتهاك مستمر يتعارض مع المعايير الدولية.
وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في مادته التاسعة، على عدم جواز الاعتقال التعسفي، ووجوب عرض المحتجز سريعاً على قاضٍ ومحاكمته خلال مدة معقولة أو الإفراج عنه.
كما يؤكد فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي أن غياب المحاكمة أو التأخير غير المبرر فيها يحوّل الاحتجاز إلى تعسفي حتى لو استند في بدايته إلى أساس قانوني شكلي.
ويتحول الاحتجاز إلى انتهاك ممتد في حالات عدة، أبرزها عدم عرض المحتجز على جهة قضائية مستقلة خلال فترة زمنية معقولة، واستخدام أوامر توقيف مفتوحة دون سقف زمني، وحرمان المحتجز من حق الدفاع أو التواصل مع محامٍ، وتكرار قرارات التمديد دون مبررات قانونية كافية
وفي هذه الحالات، لا يُقاس الانتهاك بلحظة الاعتقال، بل يمتد بمرور الوقت ليصبح حالة مستمرة من الحرمان غير المشروع من الحرية. كما تؤكد المعايير الدولية، ومنها اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن أي تأخير غير مبرر في تقديم المحتجز للمحاكمة يشكّل انتهاكاً مستقلاً، حتى لو كانت إجراءات التوقيف الأولية قانونية.
فجوة النص والتطبيق
يرى الدكتور أحمد الزقيبة المختص في القانون الدولي الإنساني أن الإشكال لا يكمن في غياب القواعد القانونية، بل في التناقض بين وضوح النصوص واتساع الانتهاكات.
ويوضح الزقيبة، في حديثه لـ”صفر”، أن المادة التاسعة من العهد الدولي -إلى جانب إنشاء فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي عام 1991- تعكس إدراكاً دولياً مبكراً لخطورة الظاهرة، حيث طُوّر تصنيف قانوني يشمل الاحتجاز دون أساس قانوني أو على خلفية الرأي أو الهوية.
ويضيف أن الاحتجاز قد يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية، وفق نظام روما الأساسي، إذا جاء ضمن هجوم واسع أو ممنهج ضد السكان المدنيين، خاصة عند اقترانه بالاختفاء القسري أو الإنكار الرسمي لمصير الضحايا.
ورغم ذلك، تعاني منظومة الحماية الدولية من فجوة في التنفيذ، حيث تظل قرارات الهيئات الدولية غير ملزمة، كما تعوق التوازنات السياسية داخل مجلس حقوق الإنسان فعالية المساءلة، في حين تعمل المحكمة الجنائية الدولية ضمن قيود تتعلق بالاختصاص.
لماذا تستمر الظاهرة؟
يرتبط استمرار الاحتجاز التعسفي بعوامل متعددة، أبرزها السيطرة على الأجهزة الأمنية والقضائية، وتماسك النخب الحاكمة، إلى جانب القدرة على امتصاص الضغوط الدولية، في ظل تباين مصالح القوى الكبرى.
ويرى المحلل السياسي طارق أبو زينب أن هذا النمط يعكس تحولاً في طبيعة الحكم نحو “الأمننة”، حيث يُستخدم الاعتقال أداة لإدارة المجال العام، وتُعامل المعارضة بوصفها تهديداً أمنياً، لا جزءاً من العملية السياسية، كما يسهم ضبط الإعلام والفضاء الرقمي، وفق تقارير مراسلون بلا حدود، في الحد من قدرة المجتمعات على التعبئة.
ومن جانبه يرى الدكتور ليث نصراوين، أستاذ القانون الدستوري، أن القانون الدولي يتعامل مع الاحتجاز التعسفي بوصفه انتهاكاً جسيماً؛ نظراً لتعارضه مع منظومة الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويشير نصراوين في حديثه لـ”صفر” إلى أن فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي وسّع مفهوم التعسف ليشمل ليس فقط غياب الأساس القانوني، بل أيضاً إساءة استخدام القانون أو انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، ما يجعل أي احتجاز خارج إطار الشرعية الإجرائية والموضوعية مخالفة واضحة للقانون الدولي.
كما يوضح أن الاحتجاز قد يرتقي إلى جريمة دولية إذا ثبت أنه يُمارس بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، وفق معايير المحكمة الجنائية الدولية، خاصة عند توافر عناصر التكرار والتعمد واستهداف فئة معينة من السكان.
ويؤكد أن آليات المواجهة الدولية، رغم تنوعها بين لجان أممية ومقررين خاصين ومحاكم دولية، تظل محدودة الفاعلية في ظل غياب آليات تنفيذ ملزمة، واعتمادها على تعاون الدول والإرادة السياسية.

