قوّضت المحكمة العليا الأمريكية بندًا رئيسيًا في قانون حقوق التصويت التاريخي، في حكم اعتبرته صحيفة “واشنطن بوست” تقييدًا لإحدى أهم أدوات حماية الأقليات في العملية الانتخابية، وهو ما فتح الباب أمام إعادة رسم الدوائر الانتخابية بطريقة قد تضعف تمثيل الناخبين السود، خاصة في ولايات الجنوب.
وأشارت الصحيفة إلى أن القرار، الذي صدر أمس الأربعاء، قد يشعل حماسة الجمهوريين لإعادة تشكيل الخرائط الانتخابية بما يهدد فرص إعادة انتخاب عدد من الديمقراطيين السود.
وجدت الأغلبية المحافظة في المحكمة أن ولاية لويزيانا مارست تمييزًا عنصريًا غير قانوني عندما أنشأت دائرة انتخابية ثانية ذات أغلبية سوداء امتثالًا لقانون حقوق التصويت، وهو ما أعاد تعريف حدود استخدام العرق في رسم الخرائط الانتخابية.
وأوضحت “واشنطن بوست”، أن المحكمة لم تبطل القسم الثاني من القانون، لكنها قيّدته عمليًا، الأمر الذي اعتبره قضاة ليبراليون وخبراء تفريغًا له من مضمونه.
أضعف الحكم، الذي جاء بأغلبية 6 مقابل 3، المعيار القانوني الذي كان يسمح بإثبات التمييز بناءً على الأثر، إذ بات يتعين على المدعين إثبات نية تمييزية متعمدة من جانب الولاية، ويعقد هذا التحول بشكل كبير الطعون القانونية ضد التلاعب بالدوائر الانتخابية التي تضعف قوة تصويت الأقليات.
كتب القاضي صموئيل أليتو، في رأي الأغلبية، أن الوقت قد حان لإعادة صياغة المادة الثانية في ضوء ما وصفه بالمكاسب المحققة في إنهاء التمييز العنصري، مشيرًا إلى أن استخدام العرق في رسم الدوائر قد يتعارض مع الدستور، وأضاف أن القسم الثاني صمم لإنفاذ الدستور لا لمخالفته، معتبرًا أن بعض تطبيقاته السابقة أجبرت الولايات على ممارسات تمييزية.
حذّرت القاضية إيلينا كاغان، في رأيها المخالف، من أن المحكمة “هدمت” قانون حقوق التصويت خلال العقد الماضي، مؤكدةً أن قرار اليوم يجعل المادة الثانية “حبراً على ورق”، وأضافت أن العواقب ستكون واسعة النطاق، إذ يمكن استبعاد الناخبين من الأقليات من العملية الانتخابية في الولايات التي لا تزال تعاني من الفصل العنصري والاستقطاب في التصويت.
إعادة تشكيل التوازنات
أعاد الحكم فتح معركة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة، في وقت تشهد فيه البلاد موجة غير مسبوقة من إعادة رسم الخرائط بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد تغير هذه العملية موازين القوى في الكونغرس، مع تهديد مباشر لتمثيل الأقليات على المستويين الفيدرالي والمحلي.
بدأت القضية في لويزيانا عام 2022 عندما رفع ناخبون سود وجماعات حقوقية دعوى قضائية، مشيرين إلى أن خريطة انتخابية جديدة لم تتضمن سوى دائرة واحدة ذات أغلبية سوداء من أصل ست، رغم أن الأمريكيين من أصل إفريقي يشكلون نحو ثلث سكان الولاية، وأمرت محكمة فيدرالية الولاية برسم خريطة جديدة تتضمن دائرة ثانية، وهو ما تم بالفعل في عام 2024.
أثارت الخريطة الجديدة جدلًا قانونيًا مضادًا، إذ رفع ناخبون وصفوا أنفسهم بأنهم “غير سود” دعوى اعتبروا فيها أن إنشاء دائرة ثانية ذات أغلبية سوداء يمثل تلاعبًا عنصريًا غير دستوري، وفي النهاية أوقفت محكمة المقاطعة الفيدرالية العمل بالخريطة، قبل أن تصل القضية إلى المحكمة العليا التي حسمت النزاع بتقييد استخدام العرق في هذا السياق.
حذر البروفيسور ريتشارد إل. هاسن، خبير قانون الانتخابات، من أن القسم الثاني لا يزال قائمًا شكليًا لكنه أصبح شبه منزوع المضمون، مؤكدًا أن القرار يضعف تطبيق قانون حقوق التصويت إلى حد كبير، وأنه من الصعب المبالغة في وصف مدى إضعاف هذا القرار للقانون.
ندد رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، ديريك جونسون، بالحكم، معتبرًا إياه “ضربة قاصمة” للقوة السياسية للأقليات، و”رخصة للسياسيين” لإسكات مجتمعات بأكملها من خلال التلاعب بالنظام الانتخابي، وأضاف أن القرار يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت عبر عقود من النضال الحقوقي.
“يوم خسارة للديمقراطية”
وصفت ردود الفعل السياسية والحقوقية القرار بأنه لحظة فارقة في مسار الحقوق المدنية، حيث نقلت “الغارديان” حالة غضب واسعة، مع وصف الحكم بأنه “يوم خسارة لديمقراطيتنا”، مشيرة إلى أن القرار يمهد لتلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية في ولايات عديدة، ما قد يؤثر على الانتخابات لسنوات قادمة.
وأوضحت الصحيفة البريطانية أن جوهر القضية تمثل في مدى السماح للمشرعين بمراعاة العرق لضمان تمثيل كافٍ للناخبين السود، إلا أن الحكم الجديد منح الولايات صلاحيات أوسع لوضع خرائط تضعف نفوذ الأقليات دون تبعات قانونية تذكر.
قالت رئيسة صندوق الدفاع القانوني التابع للجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، جاناي نيلسون، إن القرار يمثل “خسارة فادحة” لحماية أساسية للحق في التصويت، مشيرةً إلى أن هذه الحماية خدمت ديمقراطية متعددة الأعراق لأكثر من ستة عقود، وأضافت أن الحكم يقوض قدرة الناخبين السود في لويزيانا على الحفاظ على تمثيلهم السياسي.
وصفت مديرة مشروع حقوق التصويت في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، صوفيا لين لاكين، الحكم بأنه يجعل المادة الثانية “لاغية عمليًا”، مؤكدةً أنه سيصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تطبيقها في معظم الحالات، وأضافت أن القرار يمثل “خيانة عميقة” لحركة الحقوق المدنية.
ومن جانبه، حذّر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، من أن القرار يفتح الباب أمام إعادة إحياء ممارسات تمييزية، بينما وصفت رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، الحكم بأنه ضربة للحق “المقدس” في التصويت، مع عواقب تمتد إلى جميع أنحاء البلاد.
تهديد يتجاوز الكونغرس
حذّر النائب تروي كارتر من أن عواقب الحكم ستكون “فورية وقاسية”، مؤكدًا أن الدوائر ذات الأغلبية السوداء في لويزيانا أصبحت معرضة للإلغاء، وأضاف أن غياب حماية قانون حقوق التصويت يعني أن الناخبين السود قد لا يتمكنون من انتخاب مرشحيهم المفضلين.
رأت عمدة نيو أورليانز، هيلينا مورينو، أن الحكم يمثل “خطوة إلى الوراء”، مشيرةً إلى أنه يقمع الأصوات ويضعف الديمقراطية بدلًا من توسيع التمثيل، وأكدت أن المطلوب هو تعزيز التمثيل لا تقليصه.
حذّرت النائبة تيري سيويل من أن تداعيات القرار تتجاوز الكونغرس إلى جميع مستويات الحكم، بما في ذلك المجالس التشريعية للولايات والمجالس المحلية، وأوضحت أن التراجع قد يؤدي إلى غياب التمثيل الأسود في العديد من المؤسسات إذا ما أعيدت أنماط انتخابية تقصي الأقليات.
أكد النائب شوماري فيغرز أن القضية تتعلق بالعدالة في جوهرها، مشيرًا إلى أن قانون حقوق التصويت كان يهدف إلى ضمان قدرة الناخبين على اختيار ممثليهم دون قيود تمييزية، وأضاف أن إضعاف هذا القانون يهدد هذا المبدأ الأساسي.
جسّد الحكم تحولًا عميقًا في مسار الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، حيث لم يعد النزاع يدور فقط حول خرائط انتخابية، بل حول مستقبل الحق في التمثيل السياسي وحدود الحماية القانونية له.
