حين تتحول العدالة القسرية إلى مسارٍ ممتدٍ من الألم، لا تعود عقوبة الإعدام مجرد حرمان تعسفي ولحظي من الحق في الحياة؛ بل تغدو عملية هيكلية مُمنهجة تُلحق بالبشر عذاباً جسدياً ونفسياً شديداً يسحق الكرامة الإنسانية المتأصلة.
المعاناة اللصيقة بهذه الممارسة، والترقب التراكمي للموت منذ لحظة التوقيف الأولى والاستجواب ومروراً بالاحتجاز الطويل وحتى لحظة التنفيذ، تتجاوز حدود العقوبة القانونية لترقى في تكييفها القانوني والفعلي إلى مصاف “التعذيب” المحظور دولياً، الأمر الذي يضع دول العالم أمام مواجهة حتمية مع التزاماتها الأخلاقية والقانونية لإلغاء هذه الممارسة القاسية كلياً.
وفي هذا السياق الحقوقي الحرج، صدر التقرير الأممي الجديد عن الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان 2026 للمقرر الخاص “موريس تيدبال-بينز”، ليفتح آفاقاً قانونية غير مسبوقة مستعرضاً مدى مواءمة عقوبة الإعدام مع الحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة.
الإطار القانوني والتحليلي
ينطلق التقرير من رؤية قانونية معاصرة تعد عقوبة الإعدام “أقصى أشكال ممارسة الدولة لسلطتها القسرية”، فهي حرمان متعمد ولا رجعة فيه من الحياة.
ويتبنى المقرر الخاص “نهجاً قائماً على المسار”، حيث لا تُقيم العقوبة بلحظة التنفيذ فحسب، بل بوصفها عملية ممتدة تخضع لسيطرة الدولة تبدأ من التوقيف والاستجواب، مروراً بالاحتجاز والمحاكمة، وصولاً إلى ما بعد الإعدام، هذا المسار يتسبب في “عذاب تراكمي” يتوقع حدوثه في كل مرحلة، سواء بالفعل أو الامتناع عن الفعل.
ويشدد التقرير على أن حظر التعذيب وسوء المعاملة هو “مبدأ مطلق” وقاعدة آمرة في القانون الدولي تلزم جميع الدول، بغض النظر عن تشريعاتها المحلية، ويخلص التحليل إلى أن عقوبة الإعدام، في ضوء الفهم الطبي والنفسي الحالي، تتصادم مباشرة مع واجب حماية الكرامة الإنسانية المتأصلة، حيث يوضع المحكوم عليه في حالة “تبعية مطلقة وعجز كامل” تحت سيطرة الدولة، ما يرفع شدة المعاناة لتتجاوز حدود العقوبة القانونية إلى نطاق الانتهاك الجسيم.
انتهاكات التوقيف والاستجواب
يسلط التقرير الضوء على المخاطر الحادة في المراحل الأولى للقضايا التي قد تفضي للإعدام، حيث يتحول “التهديد بالموت” إلى أداة ضغط لانتزاع الاعترافات أو التنازل عن الحقوق.
ويوثق التقرير أنماطاً منهجية لضعف الضمانات، ففي موريتانيا مثلاً، أوقف أشخاص في عمليات مكافحة الإرهاب واحتجزوا في أماكن سرية لفترات طويلة وأجبروا على توقيع وثائق دون قراءتها.
وفي كينيا تبين أن ثلثي المحكومين بالإعدام لم يتوفر لهم محامون أثناء التوقيف والاستجواب. أما في دول مثل إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، فيواجه الرعايا الأجانب حواجز لغوية وغياباً للدعم القنصلي، ما يفاقم من احتمالات التمثيل القانوني غير الكافي.
هذه الممارسات، بحسب التقرير، تهيئ ظروفاً يصبح فيها الإكراه وتزوير الأدلة جزءاً لا يتجزأ من ملف القضية.
ويؤكد التقرير أن غياب التدقيق المستقل في ادعاءات التعذيب، كما رُصد في البحرين والمملكة العربية السعودية، يمثل إخلالاً بواجبات الدولة في الوقاية والحماية، ويجعل المضي في عملية الإعدام مبنياً على أخطاء قضائية وانتهاكات لم يُحقق فيها.
عدالة المحاكمة والتمييز النظمي
تنتقل الوثيقة لتحليل مرحلة المحاكمة، معتبرة أن ضمانات المحاكمة العادلة هي “خط الدفاع الأول ضد التعذيب” والضرر الذي لا رجعة فيه، ويوضح التقرير أن انتهاكات المادة 14 من العهد الدولي تجعل عقوبة الإعدام “تعسفية بطبيعتها”.
ويشير التقرير بوضوح إلى وجود “أنماط تمييزية” في تطبيق العقوبة تؤثر بشكل غير متناسب في الأقليات العرقية، والفقراء، والرعايا الأجانب، كما ينتقد التقرير التوسع في استخدام العقوبة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو الحرب على المخدرات، خاصة عندما تُستخدم هذه التهم لتجريم المعارضة السياسية أو تقييد الحريات الأساسية.
ويشدد المقرر الخاص على أن الفئات الهشة، مثل الأشخاص ذوي الإعاقات النفسية أو الذهنية، والنساء الحوامل، والأمهات الجدد، يجب حمايتهم مطلقاً من هذه العقوبة.
وتدعم الاجتهادات الإقليمية في إفريقيا وأمريكا هذا الطرح، مؤكدة أن الفرض “الإلزامي” لعقوبة الإعدام يتنافى مع الكرامة الإنسانية وحق المحاكمة العادلة، ويمثل ضرباً من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية.
ظاهرة “طابور الإعدام”
ينتقل التقرير إلى فحص البنية الداخلية لأجنحة المحكوم عليهم بالإعدام، مستعرضاً ما يُعرف دولياً بـ “ظاهرة طابور الإعدام”.
ويوضح التقرير أن العذاب المرتبط بهذه العقوبة ليس ناتجاً عن لحظة التنفيذ الفاشلة فحسب، بل هو مسار ممتد من المعاناة النفسية والجسدية التراكمية التي تدوم سنوات وعقوداً بسبب الآثار المجتمعة للتبعية الشديدة للدولة، والعزلة، وحالة عدم اليقين المستمرة والترقب الدائم للموت.
وتصف شهادات الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام في السابق ظروفاً متسمة بالخوف المستمر، وفقدان القدرة على الإمساك بزمام الأمور، وعدم القدرة على وضع خطط للحياة العادية، إلى جانب الإدراك الدائم بأن العقوبة قد تُنفذ في أي لحظة من دون إمكانية تنبؤ أو سيطرة مجديتين.
ويورد التقرير أمثلة صارخة على هذا النمط من التعذيب النفسي الممنهج؛ ففي العراق، غالباً ما كان حراس سجن الناصرية يهددون السجناء المحكوم عليهم بالإعدام زوراً بالإعدام الوشيك، ويطلبون منهم “الاستعداد” كما لو أن أمراً بالتنفيذ قد صدر بالفعل، ما يشكل ممارسة تسبب رعباً مستمراً وعذاباً نفسياً شديداً يرقى إلى مصاف التعذيب.
ويشير التقرير إلى وجوب تقييم هذه الظروف الصارمة في ضوء قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) التي تفرض معاملة المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية وتحظر العزل المستمر الذي يسبب عذاباً جسدياً ونفسياً شديداً.
وفي سياق أجنحة الإعدام، وثق التقرير تدابير تقييدية حادة تشمل العزل المطول، والإضاءة والمراقبة المستمرتين على مدار الساعة حتى داخل الزنزانة وأثناء استخدام المرحاض، والاستخدام الروتيني للأصفاد والأغلال والسلاسل، وحظر اللمس الجسدي أثناء الزيارات العائلية التي تجرى خلف حواجز زجاجية، وتقييد ممارسة الرياضة أو التعليم أو الشعائر الدينية.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، نُقلت إحدى النساء المحكوم عليهن وهي مكبلة بالأصفاد، ومقيدة بسلسلة حول البطن مغطاة بصندوق أسود، ومقيدة بأغلال في ساقيها، كما قُيد شخص آخر بسلاسل من رأسه إلى قدميه خلال زيارة عائلية، ومُنعت أسرته لاحقاً من لمسه قبل موعد الإعدام.
ويؤكد التقرير أن هذه الأشكال التراكمية من العذاب تندرج ضمن الانتهاكات الصارخة للمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
ويوضح التقرير أن الدول التي تطبق وقفاً اختيارياً لتنفيذ الأحكام بحكم الواقع أو القانون، مع إبقاء الأحكام سارية لفترات طويلة دون تخفيف العقوبة أو إعادة النظر فيها، لا تبقي على وضع قانوني رسمي فحسب، بل تبقي على نظام احتجاز ينتهك الالتزامات الدولية ومقتضيات الكرامة الإنسانية، ويجعل المحكومين يعيشون كرباً ديدنه الخوف والعجز والتبعية المطلقة.
التكييف الطبي للألم
يستعرض التقرير الأممي، دحضاً علمياً وطبياً للمزاعم التي تحاول إضفاء طابع إنساني أو طبي محايد على طرق الإعدام المعاصرة، مؤكداً أن الأدلة الطبية والجنائية المتاحة تثبت أن الحقنة المميتة التي قُدمت بوصفها خياراً سريرياً مطابقاً للمعايير الطبية، تتسبب في ضيق شديد في التنفس وأحاسيس شبيهة بالاختناق أو الغرق.
ويشير التقرير بدقة إلى أن استخدام المواد المسببة للشلل في الحقنة المميتة يؤدي إلى إخفاء علامات الألم الظاهرة من دون أن يمنع العذاب، ما يخلق انطباعاً زائفاً بموت هادئ في حين يخفي عذاباً شديداً.
وعندما تعتمد الدول على مواد مركبة أو غير مختبرة أو متحصل عليها سراً، فإن مخاطر التعرض لآلام مبرحة تزداد، وتصبح الطعون القانونية وعمليات التدقيق المستقل عديمة الفعالية بسبب السرية المحيطة ببروتوكولات الإعدام.
وينتقل التقرير لتحليل “الآثار العلائقية والممتدة” لعقوبة الإعدام، مؤكداً أنها لا تنتهي عند تنفيذ الحكم، بل تمتد لتشكل انتهاكاً مباشراً لحظر التعذيب وسوء المعاملة بحق أقارب وأسر المحكومين.
وتتسبب ممارسات الدول، مثل عدم تقديم إخطار مسبق بموعد الإعدام، ومنع الزيارات الأخيرة، ورفض الكشف عن أماكن الدفن، والامتناع عن تسليم الرفات والجثث، وفرض قيود على مراسم العزاء، في عذاب نفسي شديد وأليم لأفراد الأسرة.
واعترفت هيئات الأمم المتحدة المنشأة بموجب معاهدات حقوق الإنسان بأن إخفاء تواريخ الإعدام ومواقع الدفن يضع الأسر عمداً في حالة من الصدمة والكرب الطويل الأجل، ويصل إلى حد المعاملة اللاإنسانية لأشخاص لم يرتكبوا أي جريمة، ففي إيران مثلاً، حُرمت عائلة من حق استعادة جثة قريبها ومن معرفة مكان دفنها وطقوس حدادها.
ويركز التقرير بدقة متناهية على المعاناة الشديدة التي تصيب أطفال الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام أو الذين أعدموا.
وتشير الأدلة الموثقة إلى ارتفاع مستويات الصدمات النفسية، والتأثيرات الطويلة الأجل في الصحة النفسية، والوصم، والتمييز، وانعدام الأمان بين الأطفال، فضلاً عن حرمانهم من المعلومات أو إبلاغهم بالإعدام بعد وقوعه، ما يمنع عمليات الحداد الطبيعية ويؤثر مباشرة في نموهم التعليمي والاجتماعي والنفسي، رغم كونهم أصحاب حقوق مستقلين يستحقون الحماية والرعاية من الدولة.
ويخلص المقرر الخاص في نهاية هذا التحليل الشامل المتعدد التخصصات إلى أن عقوبة الإعدام هي نظام عذاب هيكلي تتداخل فيه كل مرحلة لتضخيم تأثير الأخرى، مؤكداً أن الاستنتاجات العلمية والطبية والقانونية المعاصرة تفرض على المجتمع الدولي حظر هذه العقوبة تماماً، كونه السبيل الوحيد الموثوق والشرعي لضمان الامتثال للقواعد الأمرة والالتزام المطلق بمنع التعذيب وحماية الكرامة الإنسانية الأصيلة.
النتائج والتوصيات
في ختام استعراضه، يصل التقرير إلى نتيجة حاسمة مفادها أن الطرح القائل بأن عقوبة الإعدام لا تشكل تعذيباً هو “طرح غير مقنع”. فالعذاب التراكمي، الجسدي منه والنفسي، هو نتيجة “ملازمة لتصميم العقوبة وتنفيذها” وليس مجرد عرض جانبي.
وبناءً على ذلك، يدعو المقرر الخاص جميع الدول التي لا تزال تُبقي على العقوبة إلى اتخاذ خطوات فورية ووقائية تشمل: الوقف الاختياري العاجل لعمليات الإعدام تمهيداً لإلغائها بالكامل، وإجراء مراجعة شاملة لجميع أحكام الإعدام الصادرة بناءً على إجراءات شابتها ادعاءات بالتعذيب أو غياب المحاكمة العادلة.
ويوصي بضمان الشفافية الكاملة في ظروف الاحتجاز والتنفيذ، ووقف ممارسات السرية التي تضاعف عذاب المحكومين وذويهم.
ويؤكد التقرير أن التطور الدولي نحو الاعتراف بعقوبة الإعدام بوصفها ضرباً من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة يعكس تقدماً في المعايير الأخلاقية والقانونية للكرامة الإنسانية، ما يفرض التزاماً على الكافة بإنهاء هذا الحرمان التعسفي من الحياة.
