تشهد مراكز احتجاز دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تصاعداً مقلقاً في أعداد الوفيات منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية في 20 يناير 2025، في تطور وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه الأخطر منذ إنشاء الجهاز عام 2003، وسط اتهامات بتدهور الرعاية الصحية، والتوسع غير المسبوق في الاحتجاز، وضعف الرقابة والشفافية، وهو ما أعاد ملف احتجاز المهاجرين إلى صدارة النقاش الحقوقي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وأوضح تقرير مشترك أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في يونيو 2026 أن 52 شخصاً لقوا حتفهم داخل أو أثناء الاحتجاز لدى “آيس” خلال أول 500 يوم من الولاية الثانية للرئيس ترامب، وهي أعلى وتيرة وفيات تُسجل منذ أكثر من عقد، بل وتجاوزت المعدلات المسجلة خلال جائحة كوفيد-19، في وقت تضاعف فيه معدل الوفيات مقارنة بالفترة السابقة، وبلغ قرابة أربعة أضعاف المعدل المسجل خلال إدارة الرئيس جو بايدن.
توسع كبير في الاحتجاز
وأشار التقرير إلى أن إدارة ترامب وسعت بصورة غير مسبوقة نطاق احتجاز المهاجرين، إذ ارتفع متوسط عدد المحتجزين من نحو 40 ألف شخص في يناير 2025 إلى أكثر من 71 ألف محتجز في يناير 2026، قبل أن يستقر لاحقاً عند نحو 64 ألفاً، كما جرى تشغيل ما لا يقل عن 100 مركز احتجاز إضافي لم تكن مستخدمة قبل عودة ترامب إلى السلطة، في إطار سياسة تستهدف توسيع عمليات الترحيل ورفع القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز.
وأضافت بيانات حديثة أن عدد المحتجزين لدى “آيس” تجاوز 65 ألف شخص في يوليو 2026، بالتزامن مع تسجيل أكثر من 43 ألف عملية اعتقال خلال يونيو وحده، وهو أعلى رقم شهري منذ سنوات، في ظل زيادة التمويل الفيدرالي المخصص لتطبيق قوانين الهجرة.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن زيادة الوفيات بين المهاجرين المحتجزين لا يمكن تفسيرها فقط بارتفاع أعداد المحتجزين، إذ ارتفع عدد المحتجزين بنسبة تقارب 77% خلال عام واحد، في حين ارتفع معدل الوفيات السنوي بأكثر من ثلاثة أضعاف، ما أدى إلى زيادة معدل الوفيات السنوي بنحو 138%، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على وجود مشكلات هيكلية داخل منظومة الاحتجاز نفسها، وليس مجرد انعكاس لزيادة أعداد المحتجزين.
تشهد مراكز احتجاز جهاز الهجرة الأمريكي "آيس" ارتفاعا مقلقا في الوفيات منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه.
ينبغي اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الأزمة. pic.twitter.com/dXjJiImoGK
— هيومن رايتس ووتش (@hrw_ar) July 22, 2026
أزمات الرعاية الصحية والانتحار
وأوضحت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، المشاركة في إعداد التقرير، أن مراجعة الملفات الطبية لـ39 حالة وفاة وقعت خلال العام الأول من الولاية الثانية لترامب كشفت مؤشرات متكررة على تأخر الاستجابة للحالات الطارئة، وعدم توفير الرعاية الطبية المتخصصة، وضعف متابعة الأمراض المزمنة، إضافة إلى قصور في التعامل مع الاضطرابات النفسية والانتحار، وهو ما قد يكون أسهم في عدد من الوفيات التي كان يمكن تفاديها.
وأشار التقرير إلى أن سبع حالات وفاة خلال فترة الدراسة صُنفت أنها حالات انتحار، في حين كشفت تحقيقات صحفية أمريكية عن تزايد ملحوظ في حالات الانتحار داخل مراكز الاحتجاز، في معدل غير مسبوق بتاريخ الوكالة، الأمر الذي دفع خبراء الصحة العامة إلى التحذير من التأثيرات النفسية الخطيرة للاحتجاز طويل الأمد والعزل والقلق المرتبط بإجراءات الترحيل.
مراكز تواجه اتهامات متكررة
وأفاد تقرير مشترك أعدته هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) بشأن مركز “كامب إيست مونتانا” في ولاية تكساس بأن المحتجزين تعرضوا للاحتجاز التعسفي والضرب وسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الطبية الكافية، وسوء التغذية، ورداءة أوضاع النظافة، إلى جانب تقييد التواصل مع المحامين والعائلات، معتبراً أن تلك الممارسات قد تشكل انتهاكات للقانون الأمريكي وللالتزامات الدولية للولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان.
بيانات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية
وأظهرت بيانات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ودائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) أن التوسع في عمليات إنفاذ قوانين الهجرة خلال عام 2025 ومطلع عام 2026 أدى إلى وصول أعداد المحتجزين إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
وبلغ متوسط عدد المحتجزين اليومي أكثر من 64 ألف شخص، في حين تجاوز العدد في بعض الفترات 71 ألف محتجز، في حين تعمل الوكالة من خلال شبكة تضم أكثر من 200 منشأة احتجاز موزعة على الولايات المتحدة، تدير الحكومة بعضها وتتولى شركات خاصة تشغيل نسبة كبيرة منها بموجب عقود مع الحكومة الفيدرالية.
وأضافت الوزارة أن الكونغرس الأمريكي أقر في عام 2025 و2026 اعتمادات مالية إضافية لتعزيز عمليات إنفاذ قوانين الهجرة وزيادة القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، في إطار خطة الإدارة لتوسيع حملات الاعتقال والترحيل، وهو ما انعكس على ارتفاع الضغط التشغيلي داخل العديد من المرافق، في حين تؤكد الوزارة أن جميع المنشآت ملزمة بالالتزام بمعايير الرعاية الطبية والسلامة المعتمدة لدى الوكالة.
الفئات الأكثر ضعفاً
وأكدت هيومن رايتس ووتش وأطباء من أجل حقوق الإنسان أن تداعيات التوسع في الاحتجاز لا تطول جميع المحتجزين بالدرجة نفسها، إذ يواجه بعض الفئات مخاطر كبرى نتيجة الأوضاع الصحية أو الإنسانية، وتشمل هذه الفئات كبار السن، والمصابين بأمراض القلب والسكري والسرطان والفشل الكلوي، والأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية أو الذهنية، والمصابين باضطرابات نفسية، إضافة إلى طالبي اللجوء الذين تعرض كثير منهم سابقاً للتعذيب أو العنف أو الاتجار بالبشر في بلدانهم الأصلية أو خلال رحلة الهجرة.
وأضافت المنظمتان أن هذه الفئات تحتاج إلى تقييم طبي ونفسي فور الاحتجاز، ومتابعة دورية، وإحالة عاجلة إلى المستشفيات عند الضرورة، محذرتين من أن أي تأخير في تقديم الرعاية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو وفيات يمكن تفاديها، خاصة مع تزايد فترات الاحتجاز وارتفاع الكثافة داخل بعض المراكز.
القضاء الأمريكي يدخل على خط الأزمة
وأظهرت السجلات القضائية الأمريكية أن أوضاع الاحتجاز داخل منشآت “آيس” كانت محل عدد من الدعاوى القضائية خلال السنوات الأخيرة، إذ نظرت محاكم فيدرالية في قضايا تتعلق بالإهمال الطبي، وغياب الرعاية الصحية المناسبة، وظروف الاحتجاز، ومدى توافقها مع الضمانات الدستورية والقانونية.
كما طالبت منظمات حقوقية، منها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، القضاء الأمريكي بإلزام السلطات الفيدرالية بتحسين الخدمات الطبية، والإفراج عن بعض المحتجزين الأكثر عرضة للخطر، وإجراء مراجعات مستقلة في حالات الوفاة.
وأضافت تلك المنظمات أن أحكاماً وقرارات قضائية صدرت في قضايا متفرقة خلال الأعوام الماضية شددت على مسؤولية الحكومة عن ضمان سلامة الأشخاص المحتجزين لديها، مؤكدة أن الحرمان من الحرية لا يسقط الالتزام الدستوري بتوفير الرعاية الطبية الأساسية، وأن أي تقصير جسيم قد يفتح الباب أمام المساءلة القانونية والتعويضات المدنية.
مخاوف من ضعف الرقابة
وقالت هيومن رايتس ووتش إن جهاز “آيس” لا يوفر المعلومات الكافية للكونغرس أو لعائلات المتوفين أو للرأي العام، وإن التأخير في نشر تقارير الوفيات وعدم الالتزام الكامل بمتطلبات الإفصاح يحدان من قدرة الجهات الرقابية على التحقيق في أسباب الوفاة ومحاسبة المسؤولين، مطالبة بتعزيز الشفافية وإجراء مراجعات مستقلة لكل حالة وفاة.
وأكد الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية أن نتائج التحقيقات الأخيرة تعكس نمطاً متكرراً من الإهمال الطبي والانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، داعياً إلى تقليص الاعتماد على الاحتجاز الإداري، وتوسيع بدائل الاحتجاز المجتمعية، وضمان وصول المحتجزين إلى الرعاية الصحية والمحامين بصورة فعالة.
الإطار القانوني الدولي
وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن الولايات المتحدة تظل ملزمة، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من المعايير الدولية، بحماية الحق في الحياة وضمان معاملة جميع المحتجزين معاملة إنسانية وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم، بصرف النظر عن وضعهم القانوني في قضايا الهجرة.
وأضافت المنظمات الحقوقية أن قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) تشدد على ضرورة توفير خدمات صحية تعادل مستوى الخدمات المتاحة في المجتمع، وإجراء تحقيقات مستقلة في كل وفاة تقع أثناء الاحتجاز، وهو ما اعتبرت المنظمات أنه لا يتحقق بصورة كافية في عدد من الحالات محل الدراسة.
وأكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الأشخاص المحرومين من حريتهم، ومنهم المهاجرون المحتجزون، يتمتعون بالحقوق الأساسية ذاتها التي يكفلها القانون الدولي، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحق في الحصول على الرعاية الصحية والمعاملة الإنسانية، بغض النظر عن وضعهم القانوني أو إجراءات الهجرة المطبقة بحقهم. وتنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، في حين تلزم المادة العاشرة الدول بمعاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم الأصيلة.
كما تؤكد اتفاقية مناهضة التعذيب حظر أي معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، في حين تنص مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع الفعال لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والتحقيق فيها (بروتوكول مينيسوتا) على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الوفيات التي تقع أثناء وجود الأشخاص تحت سلطة الدولة، ما يضمن تحديد المسؤوليات وتعويض الضحايا عند ثبوت الانتهاكات.
انتقادات ليست جديدة
وأوضح خبراء الهجرة أن الانتقادات الموجهة لمراكز احتجاز “آيس” ليست جديدة، إذ واجهت الوكالة خلال إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة انتقادات بشأن ظروف الاحتجاز والرعاية الطبية، إلا أن المنظمات الحقوقية تؤكد أن العودة إلى سياسات التوسع الكبير في الاحتجاز خلال الولاية الثانية لترامب أدت إلى تفاقم الأزمة، مع ارتفاع أعداد المحتجزين بوتيرة أسرع من قدرة المرافق على تقديم الخدمات الأساسية.
أبعاد إنسانية
وأشار التقرير إلى أن أعمار المتوفين تراوحت بين 19 و75 عاماً، وأن الوفيات شملت أشخاصاً من 20 جنسية مختلفة، بينهم مهاجرون من المكسيك وهندوراس والصين وكوبا وهايتي ودول أخرى، في حين وقعت الوفيات داخل 26 مركز احتجاز موزعة على 12 ولاية أمريكية، وهو ما يعكس اتساع نطاق الأزمة جغرافيًا، كما أظهرت البيانات أن 36% من الوفيات حدثت خلال أقل من أسبوعين من دخول المحتجزين إلى مراكز الاحتجاز، وهو ما يثير تساؤلات حول إجراءات الفحص الطبي الأولي والاستجابة للحالات الحرجة.
أزمة تتجاوز الأرقام
وأكدت المنظمات الحقوقية أن كل حالة وفاة تمثل قصة إنسانية لعائلة فقدت أحد أفرادها أثناء وجوده تحت مسؤولية الدولة، مطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الوفيات، ونشر نتائجها للرأي العام، ومراجعة سياسات الاحتجاز الواسع، وتحسين الرعاية الصحية، وضمان خضوع جميع مراكز الاحتجاز لرقابة فعالة من الكونغرس والهيئات المستقلة، معتبرة أن حماية الحق في الحياة تظل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يسقط بسبب الوضع القانوني للمهاجرين.
تتفق المنظمات الحقوقية الأمريكية والدولية على أن ارتفاع الوفيات داخل مراكز احتجاز “آيس” لا يمثل مجرد زيادة رقمية، بل يعكس اختباراً حقيقياً لقدرة منظومة الاحتجاز الأمريكية على التوفيق بين إنفاذ قوانين الهجرة والوفاء بالالتزامات الدستورية والدولية المتعلقة بحماية الحق في الحياة والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية، وهي قضية مرشحة لمزيد من التدقيق القضائي والتشريعي والدولي مع استمرار توسع سياسات الاحتجاز.

