تشهد الولايات المتحدة تصعيداً غير مسبوق في حملات اعتقال المهاجرين خلال شهر يوليو، في إطار السياسة التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب لتوسيع عمليات الترحيل وتشديد إجراءات الهجرة غير النظامية، وكشفت البيانات الرسمية عن ارتفاع ملحوظ في وتيرة الاعتقالات اليومية، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الحقوقية بسبب تكرار حوادث استخدام القوة خلال تنفيذ المداهمات وعمليات التوقيف، الأمر الذي أعاد ملف الهجرة إلى صدارة الجدل السياسي والحقوقي في البلاد.
وأظهرت بيانات قدمتها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية إلى الكونغرس، ونشرتها صحيفة “واشنطن بوست”، أن الأيام الاثني عشر الأولى من شهر يوليو سجلت أعلى معدل اعتقالات شهري منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، بعدما تجاوز متوسط الاعتقالات اليومية 1400 شخص، في مؤشر يعكس اتساع نطاق الحملة التي تنفذها السلطات الفيدرالية ضد المهاجرين غير النظاميين.
تصعيد غير مسبوق
تكثف إدارة الهجرة والجمارك عملياتها في مختلف الولايات الأمريكية ضمن خطة أعلنها الرئيس دونالد ترامب تستهدف ترحيل نحو مليون مهاجر غير نظامي سنوياً.
وتستند الإدارة في تبرير هذه السياسة إلى رؤية تعد الهجرة غير النظامية عبئاً على المجتمع الأمريكي، كما تربط بين وجود المهاجرين غير النظاميين وارتفاع معدلات الجريمة، وهو الطرح الذي يثير انقساماً واسعاً بين المؤيدين والمعارضين داخل الولايات المتحدة.
وتشير الأرقام إلى أن الحملة الحالية تجاوزت من حيث حجمها وسرعة تنفيذها المعدلات المسجلة خلال الأشهر الماضية، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة ورفع وتيرة التوقيفات اليومية.
أرقام قياسية في مراكز الاحتجاز
أوضحت البيانات أن إدارة الهجرة والجمارك أودعت أكثر من 39 ألفاً و500 شخص في مراكز الاحتجاز خلال شهر يونيو الماضي، متجاوزة بذلك أعلى رقم سجلته الوكالة في ديسمبر الماضي. كما تشير المؤشرات الأولية إلى أن حصيلة الاعتقالات خلال يوليو مرشحة لتجاوز هذا الرقم إذا استمرت العمليات بالمعدل الحالي، وهو ما يعكس اتساع نطاق الحملة على مستوى الولايات الأمريكية.
وأكدت صحيفة “واشنطن بوست” أن الوكالة الفيدرالية رفعت من قدراتها التشغيلية خلال الأسابيع الأخيرة بهدف تنفيذ أهداف يومية أكثر طموحاً، في ظل ضغوط سياسية لتنفيذ الوعود المتعلقة بتشديد الرقابة على الحدود والهجرة.
تزايد الجدل حول استخدام القوة
تزامن ارتفاع وتيرة اعتقالات واحتجاز المهاجرين مع تزايد الانتقادات الموجهة إلى أساليب تنفيذ العمليات الأمنية، بعدما شهدت الأيام الأخيرة ثلاث حوادث وفاة ارتبطت بمداهمات نفذتها إدارة الهجرة والجمارك أو بمحاولات فرار من عناصرها.
وأشارت “واشنطن بوست” إلى أن عناصر الوكالة أطلقوا النار على شخصين في ولايتي تكساس وماين خلال أقل من أسبوع، في حين توفي شخص ثالث في ولاية فلوريدا بعدما صدمته شاحنة أثناء محاولته الهرب من عناصر الأمن، وهو ما أثار تساؤلات متجددة بشأن قواعد استخدام القوة أثناء تنفيذ عمليات التوقيف.
وتعيد هذه الحوادث إلى الواجهة النقاش المستمر حول التوازن بين تطبيق قوانين الهجرة واحترام حقوق الإنسان، خاصة مع تزايد المخاوف من تصاعد المواجهات بين عناصر الأمن والمهاجرين خلال عمليات المداهمة.
الاعتقالات تتجاوز الأهداف اليومية
نقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن إدارة الهجرة والجمارك نجحت في تجاوز حاجز ألفي عملية اعتقال يومياً في أكثر من مناسبة خلال شهر يوليو، بعدما اعتمدت هذا الرقم هدفاً يومياً ضمن خطتها التنفيذية.
وأضاف المسؤول أن إجمالي الاعتقالات ارتفع بأكثر من 40 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعكس توسع نطاق العمليات الأمنية وتسريع وتيرة تنفيذ قرارات التوقيف والترحيل.
كما أشار إلى أن الوكالة استأنفت التصعيد بعد فترة من التراجع النسبي في فبراير الماضي، عندما خفضت عملياتها مؤقتاً عقب مقتل شخصين برصاص عملاء فيدراليين في مدينة مينيابوليس خلال يناير، قبل أن تعود الاعتقالات إلى الارتفاع بصورة متواصلة خلال الأشهر التالية.
حادثة هيوستن
في أحدث الوقائع التي أثارت الجدل، أعلنت السلطات الأمريكية مقتل المهاجر المكسيكي لورينزو سالجادو أراوجو برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك خلال محاولة اعتقاله عند نقطة تفتيش مرورية في مدينة هيوستن بولاية تكساس.
وأوضحت إدارة الهجرة والجمارك في بيان أن سالجادو أراوجو كان يقيم داخل الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، وأنه رفض الامتثال لتعليمات عناصر الأمن، قبل أن يصدم إحدى مركبات الوكالة ويحاول دهس أحد الضباط بسيارته، وهو ما دفع العنصر الأمني إلى إطلاق النار دفاعاً عن النفس، بحسب الرواية الرسمية.
في المقابل، اعتبرت منظمات حقوقية وجماعات مدافعة عن حقوق المهاجرين أن تكرار مثل هذه الحوادث يعكس تصاعد الاعتماد على القوة خلال تنفيذ عمليات الاعتقال، وطالبت بإجراء تحقيقات مستقلة لضمان المساءلة والشفافية في جميع الوقائع التي تنتهي بسقوط قتلى أو مصابين.
انتقادات حقوقية متزايدة
تواصل منظمات حقوق الإنسان توجيه انتقادات حادة لسياسات الهجرة التي تنفذها إدارة ترامب، معتبرة أن التركيز على رفع أعداد الاعتقالات قد يدفع بعض الوحدات الأمنية إلى استخدام أساليب أكثر تشدداً خلال المداهمات، كما حذرت هذه المنظمات من أن تصاعد المواجهات قد يزيد المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون وأفراد إنفاذ القانون على حد سواء.
يعد ملف الهجرة غير النظامية من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة منذ سنوات، وتبنّت إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة تقوم على تشديد الرقابة الحدودية، وتوسيع صلاحيات سلطات الهجرة، وتسريع عمليات الترحيل بحق المهاجرين غير النظاميين. وفي المقابل، تعارض منظمات حقوق الإنسان هذه السياسات، وتطالب بإصلاح شامل لقوانين الهجرة يوازن بين حماية الأمن القومي واحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين. ويواصل الكونغرس والإدارة الأمريكية مواجهة انقسام سياسي حاد بشأن أفضل السبل لمعالجة هذا الملف، في ظل استمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية وتزايد الضغوط على منظومة الهجرة الأمريكية.
