منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمراض بلا رصد في غزة.. تراجع الرعاية الأولية يهدد الوقاية والعلاج المبكر

09 سبتمبر 2026
تراجع الرعاية الأولية في غزة يهدد الوقاية والعلاج المبكر
تراجع الرعاية الأولية في غزة يهدد الوقاية والعلاج المبكر

لم تكن الحمى التي أصابت ياسين، الطفل ذي الأعوام الثلاثة، تبدو لأسرته أكثر من عارض صحي يمكن تجاوزه خلال أيام، لكن حرارته واصلت الارتفاع، ولم تعد الأدوية المتوافرة في خيمة عائلته بمخيم المواصي قادرة على تخفيف آلامه، لتبدأ الأسرة رحلة البحث عن طبيب أو مركز صحي يستطيع استقباله.

وجدت الأسرة أمامها منشآت صحية تعمل بإمكانات محدودة، ونقصا حادا في الأدوية والمستلزمات، وطوابير من المرضى ينتظرون الحصول على أبسط أشكال الرعاية. وتقول والدة ياسين لـ “صفر” : “أمضيت الليالي أزيح الأيام وأراقب أنفاسه وحرارته أملا في شفائه، وكنت أخشى أن أنام فيزداد تعبه”.

لم يكن خوف الأم من المرض وحده، بل من ألا تجد مكانا آمنا يتلقى فيه طفلها العلاج إذا ازدادت حالته سوءا، وتعافى ياسين بعد أيام عصيبة، لكن تجربته تفتح نافذة على أزمة صحية أقل ظهورا من صور الجرحى والعمليات الطارئة: ماذا يحدث عندما يفقد المرضى خط الدفاع الذي يفترض أن يكتشف المرض ويعالجه قبل أن يصبح حالة طارئة؟.

في خيمة تفتقر إلى المياه النظيفة و تزدحم بالنازحين، يمكن لحمى أو إسهال أو التهاب جلدي أن يصبح أكثر خطورة عندما يجتمع نقص الدواء مع سوء التغذية وشح المياه وتراجع خدمات الرعاية الصحية الأولية.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، تضرر 34 مستشفى من أصل 36 في القطاع، وحتى أغسطس/آب 2025 لم يكن يعمل سوى 18 مستشفى بصورة جزئية، فيما لم تتجاوز نسبة مرافق الرعاية الصحية الأولية العاملة 39%.

وفي الظروف الطبيعية، تمثل هذه المرافق خط الدفاع الصحي الأول، بما توفره من تطعيمات ومتابعة للأطفال والحوامل وعلاج للعدوى ومراقبة لسوء التغذية وأدوية أساسية وكشف مبكر عن الأمراض.

وتتضاعف أهمية هذه الوظائف في بيئة النزوح، فقد حذرت اليونيسف من المخاطر الصحية الناجمة عن أزمة المياه والصرف الصحي، مشيرة إلى أن نقص المياه يدفع الأسر يوميا إلى الاختيار بين الشرب والنظافة والوقاية من الأمراض. وقالت في منتصف 2026 إن نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون في غزة كانوا نازحين ومعرضين باستمرار لمخاطر صحية وبيئية.

وفي يوليو/تموز 2026، أفادت “أوتشا” بتسجيل أكثر من 9 آلاف حالة جدري مائي خلال أسبوعين فقط عبر 130 مرفقا صحيا في غزة، كان نحو نصفها في خان يونس. لكن خطورة المشهد لا تتوقف عند الأمراض التي تسجلها المرافق الصحية، إذ تكشف شهادة مسؤول في وزارة الصحة الفلسطينية أن الحرب أضعفت أيضا الأدوات التي كان يعتمد عليها القطاع لمعرفة أين تنتشر الأمراض وكيف تتشكل بؤرها.

أمراض بلا رصد ومرضى بلا متابعة

قال مدير وحدة مكافحة العدوى بوزارة الصحة الفلسطينية الدكتور رامي العبادلة لـ”صفر” :”إن شبكة الرصد الوبائي الموحدة ونظام التراكم الإحصائي اللذين كانا يستخدمان لمتابعة معدلات انتشار الأمراض وتحديد البؤر الوبائية تعطلا نتيجة غياب التنسيق والمركزية بين النقاط الطبية الميدانية المنتشرة في مناطق النزوح والخيام”.

وكانت المنظومة تستخدم لمراقبة أمراض من بينها الإسهال لدى الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية، ما يجعل تراجع الرعاية الأولية مشكلة تتجاوز قدرة المريض على الوصول إلى العلاج، إلى قدرة القطاع الصحي نفسه على اكتشاف انتشار الأمراض والتدخل في الوقت المناسب.

وأوضح العبادلة أن النقاط الطبية الموجودة حاليا داخل الخيام تقتصر في الغالب على خدمات محدودة مثل تغيير الضمادات وصرف ما يتوافر من أدوية، من دون الأجهزة والإمكانات اللازمة للكشف المبكر أو تنفيذ رصد وبائي شامل.

وأضاف أن الغالبية العظمى من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعرضت للتدمير خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، فيما تعتمد المراكز التي عادت إلى العمل على ترميمات أولية وإمكانات محدودة.

ولا يقتصر الخطر على الأمراض المعدية، فالقطاع يعاني بحسب العبادلة، نقصا حادا في أدوية الأمراض الحادة والمزمنة، بينها أدوية السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والربو، ما يرفع مخاطر المضاعفات الناتجة عن تأخر التشخيص أو انقطاع العلاج.

ويرى أن استعادة قدرة القطاع على السيطرة على الأمراض والأوبئة في مراحلها الأولى تتطلب تدخلا دوليا لإعادة ترميم وبناء مراكز الرعاية الصحية الأولية وتجهيزها بالمعدات وتقنيات الكشف والمتابعة، إلى جانب توفير الأدوية اللازمة لإعادة تشغيل المنظومة الصحية.

انهيار خط الدفاع الأول

بدوره، وصف مدير البرامج الصحية والمدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة الدكتور بشار مراد، في حديث لـ”صفر”، حجم المعاناة الناجمة عن تراجع خدمات الرعاية الصحية الأولية وعجز المنظومة الصحية عن مواجهة احتياجات السكان بأنه “كارثي”.

وقال مراد إن السلطات الإسرائيلية تعيق، بحسب قوله، تقديم أبسط الخدمات الطبية من خلال منع أو عرقلة إدخال الأدوية والمستلزمات اللازمة، ما يفاقم معاناة المرضى ويحد من قدرة الطواقم الطبية على التعامل مع الحالات قبل تفاقمها.

وقال إن معظم المستشفيات وعيادات الرعاية الصحية الأولية تعرضت للاستهداف، إلى جانب القيود المفروضة على الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد البناء وقطع غيار الأجهزة الطبية، فضلا عن منع دخول سيارات إسعاف جديدة أو قطع الغيار اللازمة للسيارات العاملة، واصفا  هذه الإجراءات بأنها “لا إنسانية”.

واعتبر أن غياب الرعاية الصحية الأولية يحرم السكان من الوقاية والكشف المبكر والعلاج في المراحل الأولى، ما يسمح لأمراض قابلة للوقاية أو السيطرة بالتحول إلى أزمات أكثر تعقيدا، معتبرا أن الوضع الصحي مهدد بمزيد من الانهيار.

أزمة تتجاوز العلاج

ولا يتوقف أثر تراجع الرعاية الأولية عند قدرة المريض على الوصول إلى الطبيب، فالباحث في المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان حسن السيدة يرى أن تعطيل هذه الخدمات يمس الحق في الصحة، ويمتد أثره إلى الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

وقال السيدة لـ”صفر”: “إن الرعاية الصحية الأولية تؤدي وظائف أساسية في الوقاية والكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة ورعاية الأم والطفل، وإن تعطيلها يعني دفع مرضى نحو مضاعفات كان من الممكن تجنبها لو توافرت الرعاية في الوقت المناسب”.

وأضاف أن القانون الدولي يكفل حماية المرافق الصحية والعاملين في المجال الطبي والسكان المدنيين خلال النزاعات المسلحة، وأن تدمير البنية التحتية الصحية وعرقلة وصول الأدوية والإمدادات يفاقمان حرمان السكان من مقومات أساسية للحياة، وقد تدفع الظروف المعيشية والصحية القاسية السكان إلى مغادرة أماكن إقامتهم بحثا عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وطالب المجتمع الدولي بالانتقال من التعبير عن القلق إلى إجراءات عملية تضمن حماية المرافق والطواقم الطبية، وتدفق الأدوية والمستلزمات والوقود بصورة مستدامة، وإعادة تشغيل مراكز الرعاية الصحية الأولية وبرامج التطعيم والكشف المبكر، إلى جانب ضمان المساءلة عن الانتهاكات التي تطال الحق في الصحة والخدمات الطبية.

قبل أن يصل المريض إلى المستشفى

تكشف أزمة الرعاية الصحية الأولية في غزة وجها للحرب لا يظهر دائما في أعداد الجرحى أو صور غرف العمليات، فهناك طفل يحتاج إلى تشخيص مبكر، ومريض مزمن يحتاج إلى دوائه، ومرض معد يحتاج إلى رصد بؤرته قبل أن ينتشر.

وعندما تجتمع محدودية المراكز والأدوية مع تعطل أدوات الرصد الوبائي وشح المياه وسوء التغذية والاكتظاظ، لا يعود السؤال مقتصرا على قدرة المستشفى على إنقاذ الحالات الخطرة، بل يمتد إلى قدرة النظام الصحي على منع المرض من الوصول إلى تلك المرحلة أصلا.

فالجبهة الصحية في غزة لا تبدأ دائما بالرصاص، وقد تبدأ بحمى لا تجد من يرصدها، أو عدوى لا تكتشف في وقتها، أو دواء ينقطع عن مريض مزمن، وبين المرض البسيط والحالة الطارئة، تقف الرعاية الصحية الأولية كخط دفاع يفقد يوما بعد آخر قدرته على حماية السكان.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان