اتخذت الحكومة الألمانية خطوة جديدة نحو تشديد سياسات الهجرة، بعدما مهدت الطريق أمام تنفيذ عمليات ترحيل أوسع إلى أفغانستان، في توجه لن يقتصر على المدانين بارتكاب جرائم أو الأشخاص المصنفين خطرين أمنيا، وإنما قد يشمل أيضا فئات أخرى من المواطنين الأفغان الملزمين قانونا بمغادرة البلاد.
وأثار القرار نقاشا واسعا بين المسؤولين الحكوميين والمنظمات الحقوقية، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالأوضاع الأمنية والإنسانية داخل أفغانستان.
وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن وزارة الداخلية في ولاية هيسن أبلغت السلطات المحلية بأن الشرطة الاتحادية رفعت القيود التي كانت تحد من عرض اللاجئين الأفغان، بمن فيهم مرتكبو الجرائم والأشخاص المصنفون خطرين، على الجهات المختصة لتحديد هوياتهم، وهي خطوة تمثل مرحلة أساسية تسبق إصدار وثائق السفر اللازمة لتنفيذ عمليات الترحيل إلى أفغانستان.
تمهيد لترحيل منتظم
أكد وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك، أن الحكومة الاتحادية وفرت الشروط القانونية والإجرائية التي تسمح مستقبلا بتنفيذ عمليات ترحيل منتظمة إلى أفغانستان بحق الأشخاص الملزمين بمغادرة ألمانيا، وأوضح أن الولاية ستواصل إعطاء الأولوية لترحيل مرتكبي الجرائم والأشخاص الذين يمثلون خطرا أمنيا، لكنها ستستفيد أيضا من الإمكانات الجديدة التي تسمح بتوسيع نطاق الترحيل إلى فئات أخرى تستوفي الشروط القانونية.
وأشار الوزير إلى أن السلطات لن تتجاوز الإطار القانوني المنظم لهذه الإجراءات، مؤكدا أن قرارات الإلزام بالمغادرة تصدر بعد استكمال جميع مراحل التقاضي والإجراءات الإدارية التي يكفلها القانون الألماني.
إجراءات تحديد الهوية
أوضحت وزارة الداخلية في ولاية هيسن أن عملية عرض الأشخاص لتحديد الهوية تمثل إحدى الخطوات التمهيدية لتنفيذ ترحيل اللاجئين، إذ تتعاون السلطات الألمانية مع ممثلين عن حكومة طالبان للتحقق من هوية الأشخاص الملزمين بالمغادرة، وإصدار وثائق سفر لهم عند الحاجة.
وأضاف التعميم أن السلطات أبقت على عدد محدود من الاستثناءات، بينما استمرت معايير اختيار الأشخاص المشمولين بالإجراءات دون تغيير، وتشمل أن يكون الشخص رجلا بالغا غير متزوج، وأن يكون خاضعا لقرار نهائي ونافذ يلزمه بمغادرة الأراضي الألمانية.
جدل بشأن التواصل مع طالبان
أعاد القرار الجدل داخل ألمانيا بشأن طبيعة التعاون مع سلطات طالبان في ملفات الترحيل، بعدما أثار هذا التعاون انتقادات سياسية وحقوقية خلال الأشهر الماضية، غير أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس رفض هذه الانتقادات، معتبرا أن تنفيذ قرارات الترحيل يتطلب التواصل مع السلطات القائمة في أفغانستان لضمان استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بإصدار وثائق السفر.
ولم تصدر وزارة الداخلية الاتحادية أو الشرطة الاتحادية تعليقا إضافيا بشأن تفاصيل الآلية الجديدة، إلا أن الخطوات الأخيرة تعكس توجها حكوميا نحو تسريع تنفيذ قرارات الترحيل الصادرة بحق الأشخاص الذين استنفدوا جميع المسارات القانونية للبقاء داخل ألمانيا.
الحكومة تربط القرار بالأمن الداخلي
جاءت هذه الإجراءات بعد أيام من إعلان وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبرينت عزمه تكثيف عمليات الترحيل إلى دول من بينها أفغانستان، وذلك في أعقاب الهجوم الذي أودى بحياة طالب جامعي في مدينة ترير، حيث شدد الوزير على ضرورة تنفيذ قرارات المغادرة بحق الأشخاص الذين لا يملكون حقا قانونيا في الإقامة داخل ألمانيا.
وأكدت الحكومة الألمانية أن تشديد سياسات الترحيل يأتي ضمن جهودها لتعزيز الأمن الداخلي، وتطبيق قوانين الهجرة بصورة أكثر فاعلية، مع الاستمرار في منح الأولوية لترحيل الأشخاص الذين يشكلون خطرا على المجتمع.
اعتراضات حقوقية
قوبلت هذه الخطوات برفض واسع من جانب مجلس اللاجئين في ولاية هيسن، الذي أكد رفضه عمليات الترحيل إلى أفغانستان من حيث المبدأ، نظرا لاستمرار التحديات الأمنية والإنسانية في البلاد.
وأوضح المجلس أن توسيع نطاق الترحيل ليشمل أشخاصا لا يملكون سوابق جنائية يمثل قرارا غير مسؤول، معتبرا أن إلغاء القيود السابقة قد يعرض مزيدا من الأفغان لمخاطر جدية بعد إعادتهم إلى بلد يشهد أوضاعا معقدة منذ عودة طالبان إلى السلطة.
في المقابل، تمسك وزير داخلية هيسن بموقفه، مؤكدا أن كل شخص يفرض عليه القانون مغادرة ألمانيا يجب أن يغادرها، وأن قرارات الإبعاد لا تصدر إلا بعد انتهاء إجراءات قانونية مطولة تستند إلى مبادئ دولة القانون، بما يضمن حصول كل شخص على حقه الكامل في الطعن والدفاع عن نفسه.
موقف بافاريا
دعمت حكومة ولاية بافاريا التوجه الجديد، إذ أكد متحدث باسم وزارة الداخلية في الولاية أن كل شخص لا يملك حقا قانونيا في الإقامة أو يخالف القوانين الألمانية يجب أن يغادر البلاد.
وأضاف أن إعادة مرتكبي الجرائم والأشخاص المصنفين خطرين تظل أولوية قصوى، لكنه أشار أيضا إلى ضرورة مغادرة طالبي اللجوء الذين رفضت السلطات طلباتهم ولا يواجهون خطرا في بلدانهم الأصلية، في إطار تطبيق قوانين الهجرة بصورة متساوية على جميع الحالات.
علّقت ألمانيا عمليات الترحيل إلى أفغانستان لسنوات بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، ثم ازداد التعقيد بعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أغسطس 2021، ومع تولي الحكومة الألمانية الجديدة مهامها، اتجهت برلين إلى إعادة تفعيل سياسة الترحيل في حالات محددة، خاصة بحق المدانين بجرائم خطيرة والأشخاص المصنفين خطرين أمنيا.
وخلال عام 2026 وسّعت الحكومة إجراءاتها تدريجيا لتهيئة تنفيذ عمليات ترحيل أكثر انتظاما، بالتزامن مع تشديد سياسة الهجرة ومكافحة الهجرة غير النظامية، وفي المقابل، تواصل منظمات حقوق الإنسان والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدعوة إلى مراعاة الأوضاع الأمنية والإنسانية داخل أفغانستان، والتأكد من احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التهديد الجسيم لحياته أو حريته.
