بدأت الحكومة الألمانية إعداد منظومة جديدة للخدمة المدنية بالتزامن مع تطوير نظام الخدمة العسكرية، في خطوة تعكس التحول الكبير في السياسة الأمنية الألمانية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التزامات برلين داخل حلف شمال الأطلسي، وتسعى الحكومة إلى إنشاء بديل مدني منظم يمكن تفعيله إذا قرر البرلمان الألماني مستقبلا إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، كما تهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع أزمات واسعة قد تتطلب أعدادا أكبر من العاملين في القطاعات الصحية والاجتماعية والطوارئ.
وأكدت وزارة التعليم والأسرة وكبار السن والنساء والشباب الألمانية لصحيفة بيلد الألمانية أن الوزارة أجرت مشاورات مع 23 اتحادا ومنظمة كبرى خلال الأشهر الماضية لتحديد قدرتها على استقبال أشخاص يختارون الخدمة المدنية بدلا من الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية، وقالت الوزارة إن 22 جهة من أصل 23 أبدت استعدادها المبدئي لتوفير مواقع عمل وفرص خدمة في مجالات الرعاية الصحية، ومساعدة كبار السن، والإسعاف، والخدمات الاجتماعية، وحماية البيئة، والعمل الإنساني.
خدمة مدنية تنتظر قرار البرلمان
أوضحت الحكومة الألمانية أن الإعداد للخدمة المدنية لا يعني عودة التجنيد الإلزامي بشكل فوري، وإنما يمثل خطوة احترازية لضمان جاهزية مؤسسات الدولة إذا احتاج البرلمان إلى تفعيل نظام التجنيد عند الضرورة، وأكدت وزارة الأسرة الألمانية أن وجود خدمة مدنية حديثة يتطلب التخطيط المسبق، لأن النظام السابق توقف عمليا بعد تعليق التجنيد عام 2011.
وأشارت الحكومة إلى أن الخدمة المدنية ستظل مرتبطة بحق الاعتراض على الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية، وهو حق يكفله القانون الأساسي الألماني.
وتنص المادة الرابعة من الدستور الألماني على عدم إجبار أي شخص على حمل السلاح ضد ضميره، وهو مبدأ اكتسب أهمية خاصة في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بسبب ارتباطه بحماية الحقوق الفردية ومنع انتهاكات الدولة ضد المواطنين.
التجنيد يعود بصورة تدريجية
أطلقت ألمانيا منذ بداية عام 2026 نظاما جديدا للخدمة العسكرية يعتمد في مرحلته الأولى على استدعاء الشباب للفحص وجمع البيانات بهدف زيادة عدد المتطوعين في القوات المسلحة، وليس على فرض التجنيد الإلزامي بشكل مباشر، وتشمل الإجراءات الجديدة الشباب المولودين اعتبارا من عام 2008، مع إمكانية انتقال النظام إلى التجنيد الإلزامي إذا لم تحقق القوات المسلحة الأعداد التي تحتاج إليها.
وأكدت وزارة الدفاع الألمانية أن البرلمان يملك صلاحية اتخاذ قرار تطبيق ما يعرف بالتجنيد الإلزامي عند الحاجة، في حال فشل النموذج التطوعي في تلبية الاحتياجات العسكرية، ويأتي هذا التوجه ضمن خطة لإعادة بناء قدرات الجيش الألماني بعد سنوات طويلة من تقليص أعداده عقب انتهاء الحرب الباردة.
نقص الجنود يدفع نحو التغيير
كشفت وزارة الدفاع الألمانية أن برلين تستهدف رفع عدد أفراد الجيش إلى نحو 260 ألف جندي عامل، إضافة إلى نحو 200 ألف من قوات الاحتياط خلال السنوات المقبلة، بهدف الوفاء بالتزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي وتعزيز قدراتها الدفاعية في أوروبا.
وأوضحت الوزارة أن ألمانيا أرسلت نحو 298 ألف استبيان إلى الشباب الذين بلغوا سن الثامنة عشرة ضمن النظام الجديد، فيما تجاوزت نسبة الاستجابة بين الذكور 96 بالمئة.
لكن أعداد المتطوعين لم تصل حتى الآن إلى المستوى الذي تطمح إليه الحكومة، وهو ما أعاد النقاش السياسي حول إمكانية الانتقال من نموذج التطوع إلى التجنيد الإلزامي.
وتشير بيانات وزارة الدفاع الألمانية إلى أن عدد أفراد الجيش تراجع بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، إذ انخفض من أكثر من 500 ألف جندي في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 180 ألف جندي خلال السنوات الأخيرة، قبل بدء خطط التوسع الحالية.
اعتراضات الضمير تتصاعد
أظهرت بيانات المكتب الاتحادي الألماني لشؤون الأسرة ومهام المجتمع المدني ارتفاعا ملحوظا في طلبات الاعتراض على أداء الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية، وقال المكتب إنه تلقى 5862 طلبا خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ3867 طلبا خلال عام 2025 بأكمله، و2998 طلبا عام 2024.
وربط المكتب هذا الارتفاع بعودة النقاش حول التجنيد الإلزامي ودخول النظام العسكري الجديد حيز التنفيذ، بينما يرى باحثون أن الأرقام تعكس قلقا متزايدا لدى الشباب بشأن مستقبل الخدمة العسكرية والاختيار بين المسار العسكري والمدني.
التزامات حقوقية دولية
أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الحق في الاعتراض على الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية يرتبط بحرية الفكر والضمير والدين، وهي حقوق ينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ودعت اللجنة الدول التي تطبق التجنيد الإلزامي إلى توفير خدمة بديلة حقيقية وغير عقابية، مع ضمان إجراءات واضحة وعادلة لمن يطلبون الإعفاء من الخدمة العسكرية.
وأوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أي نظام للتجنيد يجب أن يحترم المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وألّا يفرض قيودا تمييزية على الأشخاص الذين يختارون الخدمة المدنية البديلة.
تحذيرات حقوقية
أكدت منظمة العفو الدولية في مواقفها المتعلقة بالاعتراض الضميري أن حق رفض المشاركة في الأعمال العسكرية لأسباب أخلاقية أو دينية يمثل جزءا من حرية الضمير، وطالبت الدول بتوفير بدائل مدنية مناسبة لا تستخدم كعقوبة على الرافضين للخدمة العسكرية.
وحذّرت منظمات مدنية ألمانية معنية بحقوق الشباب والسلام من أن إعادة التجنيد قد تفرض أعباء جديدة على جيل لم يختبر الخدمة العسكرية منذ أكثر من عقد، وطالبت هذه المنظمات الحكومة بتوفير معلومات واضحة للشباب حول حقوقهم القانونية وخياراتهم، وضمان عدم التمييز بين من يختارون الخدمة العسكرية ومن يفضلون الخدمة المدنية.
الرعاية الاجتماعية تبحث عن دعم جديد
أعاد مشروع الخدمة المدنية تسليط الضوء على الدور الذي لعبته هذه المنظومة قبل تعليق التجنيد عام 2011، عندما شارك آلاف الشباب في دعم المستشفيات ودور رعاية المسنين ومنظمات الإغاثة، وكانت الخدمة المدنية تمثل موردا مهما للقطاع الاجتماعي قبل أن تعتمد ألمانيا برامج التطوع الفيدرالي كبديل اختياري.
وقالت وزارة الأسرة الألمانية إن منظمات الرعاية الصحية والاجتماعية أبدت استعدادها للمشاركة في أي نظام جديد، خاصة مع ارتفاع الحاجة إلى العاملين في هذه القطاعات، وأوضح مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن التغيرات الديموغرافية وارتفاع نسبة كبار السن تزيد الضغط على خدمات الرعاية، وتحتاج البلاد إلى أعداد إضافية كبيرة من العاملين خلال السنوات المقبلة.
لكن اتحادات الرعاية الاجتماعية تؤكد أن الخدمة المدنية وحدها لا يمكن أن تعالج نقص العمالة، لأن القطاع يحتاج أيضا إلى موظفين متخصصين يحصلون على تدريب مهني وأجور مستقرة.
سياسة تعود إلى الحرب الباردة
علّقت ألمانيا التجنيد الإلزامي في يوليو 2011 بعد تراجع المخاطر الأمنية في أوروبا وانتهاء الحرب الباردة، مع الإبقاء عليه قانونيا دون إلغاء كامل. وأدى القرار إلى توقف الخدمة المدنية المرتبطة بالتجنيد، بينما توسعت برامج التطوع الفيدرالي لتقديم خدمات اجتماعية اختيارية.
وأعادت الحرب الروسية الأوكرانية تقييم السياسة الدفاعية الألمانية، خاصة بعد إعلان المستشار الألماني أولاف شولتس عام 2022 ما وصفه بنقطة التحول التاريخية، والتي تضمنت تخصيص صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش.
مستقبل مفتوح بين الأمن والحقوق
تسعى الحكومة الألمانية حاليا إلى بناء نموذج يجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية وتوفير احتياجات المجتمع المدني، من خلال الإبقاء على خيار التطوع مع تجهيز البنية اللازمة للخدمة المدنية إذا عاد التجنيد الإلزامي.
وتؤكد وزارة الدفاع الألمانية أن القرار النهائي بشأن تفعيل التجنيد الإلزامي سيبقى بيد البرلمان، بينما يطالب المدافعون عن حقوق الإنسان بضمان ألّا تأتي أي إجراءات أمنية على حساب الحريات الدستورية وحق الفرد في اختيار طريقه وفقا لقناعته الشخصية.
وتبقى قضية الخدمة المدنية والتجنيد في ألمانيا جزءا من نقاش أوروبي أوسع حول كيفية تعامل الدول مع التهديدات الأمنية الجديدة، ومدى قدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين متطلبات الدفاع الوطني وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.

