في ليبيا، لا تبدأ هشاشة اللاجئين والمهاجرين عند الحدود أو مراكز الاحتجاز فقط، بل قد تبدأ منذ لحظة الولادة؛ فالأطفال الذين يولدون لأسر لاجئة أو مهاجرة ولا يتمكن ذووهم من تسجيلهم رسميًا يواجهون خطرًا مركبًا: غياب شهادة الميلاد، صعوبة إثبات النسب والجنسية، الحرمان من التعليم والرعاية الصحية، والتعرض لاحقًا للاعتقال أو الترحيل أو الاستغلال بسبب غياب الهوية القانونية.
هذه الأزمة لا تخص جنسية واحدة بعينها، بل تطول عائلات من جنسيات متعددة تعيش في ليبيا أو تعبرها، وسط بيئة قانونية وأمنية شديدة التعقيد، فليبيا تستضيف مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، كثير منهم يعيشون في أوضاع غير نظامية، أو بلا إقامة سارية، أو في مناطق يصعب فيها الوصول إلى السفارات والقنصليات أو السجلات المدنية أو المنظمات الدولية.
وتحذّر الأمم المتحدة من أن تسجيل المواليد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو حق أساسي يرتبط مباشرة بالحق في التعليم والصحة والحماية القانونية، خصوصًا للأطفال في أوضاع النزوح واللجوء والهجرة. فغياب التسجيل يجعل الطفل غير مرئي أمام المؤسسات، ويضعه على هامش القانون والمجتمع منذ سنواته الأولى.
أزمة هوية قانونية
تمثل شهادة الميلاد أول وثيقة تثبت وجود الطفل قانونيًا، وتربطه باسمه وأسرته وجنسيته المحتملة.. وفي غيابها، يصبح الطفل عرضة لخطر انعدام الجنسية أو العجز العملي عن إثباتها، حتى لو كان من الناحية النظرية يستحق جنسية والديه.
في الحالة الليبية، تتضاعف المشكلة بسبب هشاشة مؤسسات الدولة، والانقسام السياسي، وتعدد السلطات، وصعوبة تنقل اللاجئين والمهاجرين بين المناطق، إضافة إلى خوف كثير من الأسر من التعامل مع الجهات الرسمية خشية التوقيف أو الاحتجاز أو الترحيل، كما أن بعض الأسر لا تملك أصلًا وثائق زواج أو جوازات سفر أو بطاقات هوية، ما يجعل تسجيل المواليد الجدد أكثر تعقيدًا.
وتشير دراسة إقليمية حول الأطفال المتنقلين في شمال إفريقيا إلى أن تسجيل ولادات الأطفال المولودين في ليبيا يبقى “معقدًا بشكل خاص”، بسبب العوائق الإدارية والقانونية والأمنية التي تواجه الأشخاص المتنقلين.
حجم الأزمة في ليبيا
تُظهر أحدث البيانات أن ليبيا ما زالت واحدة من أهم بلدان العبور والاستضافة للمهاجرين واللاجئين في شمال إفريقيا، ووفق المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين في ليبيا 939,638 مهاجرًا من 44 جنسية خلال نوفمبر وديسمبر 2025، وهو من أعلى الأرقام المسجلة منذ بدأت المنظمة جمع البيانات في البلاد.
أما على مستوى الاحتياج الإنساني، فقد قدّرت الأمم المتحدة في ملفها الإنساني لعام 2025 أن نحو 787,090 شخصًا في ليبيا يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، بينهم لاجئون وطالبو لجوء ومهاجرون ونازحون داخليًا، كما قدّرت وجود 334,449 لاجئًا وطالب لجوء و858,604 مهاجرين في البلاد حتى مايو 2025.
هذه الأرقام تشرح لماذا تتحول مسألة الوثائق إلى أزمة واسعة؛ فكلما زاد عدد الأشخاص المتنقلين أو غير النظاميين، زاد عدد الأطفال الذين قد يولدون خارج قنوات التسجيل الطبيعية، خصوصًا في المخيمات غير الرسمية، أو المدن الحدودية، أو مناطق العمل غير النظامي، أو مراكز الاحتجاز.
الإقامة غير النظامية
واحدة من أخطر حلقات الأزمة أن غياب الإقامة القانونية للأبوين ينعكس مباشرة على الطفل. فالأمم المتحدة تقدر أن نحو 70% من اللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا يفتقرون إلى وثائق إقامة صالحة، ما يزيد مخاطر الاعتقال والاستغلال وصعوبة الوصول إلى الخدمات.
كما يوضح الملف الإنساني الأممي أن 91% من المهاجرين في ليبيا لا يملكون تصاريح عمل، وأن 27% أبلغوا عن صعوبة في الحصول على وثائق هوية، ومن دون الوثائق يواجه المهاجرون مخاطر الاستغلال والاحتجاز والطرد من السكن.
هذه البيئة تجعل الأسر أقل قدرة على تسجيل ولادات أطفالها، لأن إجراءات التسجيل غالبًا ما تتطلب إثبات هوية الأبوين، وثائق زواج أو نسب، شهادات طبية، وقدرة على التنقل بين المستشفيات والسجلات المدنية والقنصليات.. وإذا غاب أحد هذه العناصر، يتحول الطفل إلى حالة قانونية عالقة.
التعليم أول الضحايا
غياب الوثائق يضرب حق الطفل في التعليم مبكرًا؛ ففي ليبيا تشير الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى التعليم بين أطفال المهاجرين منخفض للغاية؛ إذ إن 58% من أطفال المهاجرين لا يحصلون على التعليم، وترتفع النسبة إلى 78% بين أطفال المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، بسبب القيود المالية، ومشكلات الوثائق، وحواجز اللغة.
وهنا تصبح شهادة الميلاد أكثر من ورقة، فهي مفتاح للتسجيل المدرسي، وتحديد العمر الدراسي، وإثبات الهوية أمام الإدارة التعليمية.. وحين لا يمتلك الطفل وثيقة ميلاد، قد يجد نفسه خارج المدرسة، أو داخل مسار تعليمي غير رسمي لا يمنحه شهادات معترفًا بها، ما يعمق الفقر والتهميش عبر الأجيال.
وتربط الأمم المتحدة بين تسجيل الميلاد والتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا الصحة والتعليم.. فمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يؤكد أن الحق في التسجيل عند الولادة معترف به في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل، وأن عدم التسجيل يعرّض الحقوق الصحية والتعليمية للخطر ويقوض حماية الطفل.
في ليبيا، تكشف الأرقام حجم الهشاشة الصحية، فالملف الإنساني لعام 2025 يشير إلى أن نحو 75% من المهاجرين أبلغوا عن وصول محدود أو معدوم إلى الرعاية الصحية، وأن القدرة على تحمل التكلفة هي العائق الرئيسي، كما تواجه النساء المهاجرات مشكلات أكبر في الوصول إلى الخدمات مقارنة بالرجال.
وبالنسبة لطفل بلا شهادة ميلاد، تتضاعف المخاطر: صعوبة الحصول على التطعيم، صعوبة إثبات العمر، ضعف المتابعة الصحية، وغياب القدرة على التوثيق عند التعرض للعنف أو الاستغلال أو الاتجار.
خطر الاحتجاز والاستغلال
لا يمكن فصل أزمة الوثائق عن بيئة الانتهاكات ضد المهاجرين واللاجئين في ليبيا؛ فقد خلص تقرير مشترك صادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب حقوق الإنسان في فبراير 2026 إلى أن الانتهاكات ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في ليبيا خلال 2024 و2025 كانت واسعة ومنهجية، وتشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر، وترتكبها شبكات تهريب وجماعات مسلحة وجهات مرتبطة بالدولة في إدارة الهجرة والحدود.
ويشير التقرير إلى أن العنف ضد المهاجرين واللاجئين ليس حوادث متفرقة، بل جزءاً من “نموذج أعمال” استغلالي يستفيد من هشاشة الأشخاص المتنقلين. وفي مثل هذا السياق، يصبح غياب الوثائق عامل خطر إضافيًا، لأنه يجعل الأسرة أقل قدرة على طلب الحماية أو إثبات صفة الطفل أو الاعتراض على الاحتجاز أو الانفصال الأسري.
كما تقدر الأمم المتحدة أن ما بين 7,000 و10,000 مهاجر، أي نحو 1.2% من إجمالي عدد المهاجرين، محتجزون في مراكز احتجاز، معظمها في غرب ليبيا، في ظروف مكتظة وتعاني نقصًا في الصرف الصحي والرعاية الصحية والتغذية.
فجوة قانونية
تواجه ليبيا تحديًا قانونيًا بنيويًا في ملف اللجوء، فقد دعت “هيومن رايتس ووتش” ليبيا إلى التصديق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، وإصدار قانون لجوء متوافق مع القانون الدولي، وإنشاء إجراء وطني عادل وقانوني للجوء.
غياب نظام لجوء وطني فعال يترك طالبي الحماية في مساحة رمادية؛ فاللاجئ أو طالب اللجوء قد يكون مسجلًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنه لا يمتلك دائمًا حماية قانونية كاملة أمام السلطات المحلية، ولا يستطيع بالضرورة تسجيل أطفاله بسهولة أو الحصول على إقامة أو وثائق مدنية.
وهذا ينعكس على الأطفال المولودين في ليبيا؛ فالاعتراف الدولي بحق الطفل في التسجيل عند الولادة شيء، وقدرة أسرته على الوصول إلى هذا الحق داخل نظام قانوني مجزأ وغير مستقر شيء آخر.
الموقف الحقوقي الدولي
تصف المنظمات الدولية وضع المهاجرين واللاجئين في ليبيا بأنه أحد أكثر الملفات خطورة في المنطقة، فمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حذّر في 2026 من أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يتعرضون لانتهاكات “قاسية ومنهجية”، بما في ذلك القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار.
أما منظمة العفو الدولية فتؤكد أن خفر السواحل الليبي المدعوم أوروبيًا والجماعات المسلحة في شرق ليبيا يواصلون اعتراض آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في البحر وإعادتهم قسرًا إلى الاحتجاز، حيث يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي، كما انتقدت المنظمة التعاون الأوروبي مع ليبيا في ملف الهجرة، معتبرة أنه يساهم في إعادة الأشخاص إلى بيئة انتهاكات.
وتطالب “هيومن رايتس ووتش” بدورها بوقف الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والطرد الجماعي والانتهاكات ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، وبضمان المساءلة عن الانتهاكات في مراكز الاحتجاز وعمليات الاعتراض البحري.
أثر الأزمة على الأجيال
غياب التسجيل لا يخلق مشكلة حاضرة فقط، بل يصنع أزمة مستقبلية؛ فالطفل غير المسجل قد يكبر دون قدرة على استخراج وثائق تعليمية، أو الحصول على تطعيمات موثقة، أو إثبات جنسيته، أو السفر، أو الالتحاق بسوق العمل بشكل قانوني.. وفي حالات النزوح الطويل، قد يصبح “غير مرئي” قانونيًا لعقد كامل أو أكثر.
وتتفاقم المشكلة عندما يكون الوالدان نفسيهما بلا وثائق، أو عندما يولد الطفل من زواج غير موثق، أو عندما تضيع الوثائق الأصلية أثناء الهروب أو الاحتجاز أو العبور الصحراوي والبحري. في هذه الحالات، لا تكون الأزمة في شهادة الميلاد وحدها، بل في سلسلة كاملة من الإثباتات المفقودة.
وتحتاج ليبيا، بدعم دولي، إلى مسار عاجل يضمن تسجيل جميع المواليد بغض النظر عن وضع الوالدين القانوني.. وهذا يتطلب فصل تسجيل الولادة عن إنفاذ قوانين الهجرة، حتى لا تخشى الأسر من الإبلاغ عن الولادة أو مراجعة المستشفيات والسجلات المدنية.
كما يتطلب الأمر آليات تنسيق بين السلطات المحلية، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، واليونيسف، والسفارات والقنصليات، لضمان إصدار وثائق ولادة أو بدائل قانونية مؤقتة للأطفال الذين لا يمكن تسجيلهم فورًا.
وفي الوقت نفسه، يجب ضمان دخول الأطفال إلى المدارس والرعاية الصحية على أساس المصلحة الفضلى للطفل، لا على أساس اكتمال ملف الأسرة الإداري.

