ينبغي ألا يكون مكان ولادة الطفل أو وضع أسرته القانوني سبباً في حرمانه من مقعد دراسي، فالتعليم في المواثيق الدولية ليس امتيازاً مرتبطاً بالجنسية، بل حق أساسي لكل طفل يوجد على أراضي الدولة.
ومع اقتراب العودة المدرسية في تونس، يعود ملف تمدرس أطفال المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى الواجهة، وسط نقاشات تتعلق بقدرة المنظومة التعليمية على ضمان إدماج هؤلاء الأطفال، في ظل تحديات مرتبطة بالوثائق الإدارية، والوضعيات القانونية للأسر، وتفاوت تطبيق الإجراءات بين المناطق.
ورغم أن الإطار القانوني التونسي والالتزامات الدولية يضمنان من حيث المبدأ حق الأطفال المهاجرين في التعليم، فإن منظمات حقوقية تؤكد أن التحدي الأكبر لا يكمن في غياب النصوص، وإنما في كيفية تطبيقها بشكل موحد وفعّال على أرض الواقع.
أرقام تعكس حجم التحدي
يبلغ عدد الأطفال المهاجرين الموجودين في تونس وفق آخر إحصاء رسمي متاح لعام 2022، 1816 طفلاً مهاجراً، في حين تبلغ نسبة الأطفال 22% من إجمالي المهاجرين الذين قُدر عددهم آنذاك بأكثر من 8 آلاف شخص.
وفي العام 2021 وما بعده أصدرت وزارة التربية خلال السنوات الأخيرة مناشير وتوجيهات تسمح بتسجيل الأطفال الأجانب ومعالجة الملفات غير المكتملة.
وتؤكد النائبة الأولى لرئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان نجاة زموري أن القانون التونسي يضمن، من حيث المبدأ، حق جميع الأطفال في التعليم، ومنهم أطفال المهاجرين.
وتوضح أن الدستور التونسي، إلى جانب اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها تونس، يكرس مبدأ التعليم دون تمييز، مشيرة إلى أن التشريع لا يشترط أن يكون الطفل أو والداه في وضعية إقامة قانونية حتى يتمتع بحقه في الدراسة.
وترى زموري أن المشكلة الأساسية تتمثل في وجود عراقيل إدارية تواجه بعض الأسر المهاجرة، مثل صعوبة توفير شهادات الميلاد أو التلقيح أو بعض الوثائق المطلوبة للتسجيل.
عراقيل تمنع الوصول للمدرسة
تشير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى أن بعض المؤسسات التربوية والإدارات الجهوية ما زالت تطلب وثائق يصعب على بعض الأسر المهاجرة توفيرها.
وترى المنظمة أن اختلاف تطبيق الإجراءات بين المناطق والمندوبيات الجهوية للتربية يؤدي في بعض الحالات إلى تأخير تسجيل الأطفال أو حرمان بعضهم من الالتحاق بالمدارس.
وتدعو إلى توحيد الإجراءات وتدريب الموظفين على القواعد المنظمة لتسجيل الأطفال الأجانب، ما يضمن تطبيق القانون بصورة متساوية.
موقف المنظمات الحقوقية
تؤكد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن الحق في التعليم لا يرتبط بجنسية الطفل أو وضعية والديه القانونية، وأن حماية الأطفال تقتضي إزالة أي عراقيل إدارية تحول دون وصولهم إلى المدارس.
ويشدد المرصد التونسي لحقوق الإنسان على أن الطفل الموجود على الأراضي التونسية يتمتع بالحقوق الأساسية نفسها، سواء كان مهاجراً أو طالب لجوء أو غير مصحوب بذويه.
ويؤكد رئيس المرصد مصطفى عبد الكبير أن مجلة حماية الطفل في تونس تضمن حقوق جميع الأطفال، ومنها التعليم والصحة والرعاية، دون تمييز.
الموقف الأممي والدولي
تستند حماية حق أطفال المهاجرين في التعليم إلى مجموعة من المرجعيات الدولية، أبرزها: اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدول بضمان حق كل طفل في التعليم دون تمييز، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يقر الحق في التعليم باعتباره حقاً أساسياً، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن التعليم حق للجميع.
وتؤكد الهيئات الأممية أن وضع الطفل المهاجر أو اللاجئ لا يُسقط عنه حقوقه الأساسية، وأن الدول مطالبة بضمان وصول الأطفال إلى التعليم والخدمات الأساسية.
وتشدد المنظمات الدولية على أن إدماج أطفال المهاجرين في المدارس يمثل وسيلة للحماية الاجتماعية، ويحد من مخاطر التهميش والاستغلال.
الموقف الحكومي التونسي
تؤكد وزارة التربية التونسية من خلال إجراءات تسجيل التلاميذ الأجانب إمكانية التحاق الأطفال المهاجرين بالمؤسسات التعليمية، مع متابعة الملفات التي تحتاج إلى معالجة خاصة عبر المندوبيات الجهوية للتربية.
وأصدرت الوزارة خلال السنوات الأخيرة توجيهات تسمح بتسجيل الأطفال الأجانب، ومنهم الأطفال الموجودون في أوضاع هشة، والعمل على إيجاد حلول للملفات غير المكتملة.
لكن المنظمات الحقوقية تشير إلى أن التحدي ما زال مرتبطاً بمدى تطبيق هذه التوجيهات بشكل موحد في مختلف المناطق.
بين النصوص والتطبيق
تكشف قضية تعليم أطفال المهاجرين في تونس فجوة بين الاعتراف القانوني بالحق في التعليم وبين قدرة الإجراءات العملية على ضمان وصول كل طفل إلى المدرسة.
فالمعيار الحقيقي لحماية هذا الحق لا يتمثل فقط في وجود القوانين، بل في قدرة المؤسسات على تنفيذها دون تمييز، وتوفير آليات واضحة وسهلة للتسجيل.
ويبقى إدماج أطفال المهاجرين في التعليم اختباراً لمدى التزام الدولة بحماية حقوق الطفل؛ لأن حرمان طفل من المدرسة بسبب ظروف لم يخترها يعني تهديد مستقبله وتعميق دائرة الهشاشة التي يعيشها.

