منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

إريتريا أمام مجلس حقوق الإنسان.. اختفاء قسري واحتجاز لعقود وقمع يتجاوز الحدود

05 يونيو 2026
لم تشهد إريتريا أي تقدم في أوضاع حقوق الإنسان خلال العام الماضي
لم تشهد إريتريا أي تقدم في أوضاع حقوق الإنسان خلال العام الماضي

تضع وثيقة أممية جديدة صادرة ضمن أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان ملف إريتريا مجدداً تحت رقابة دولية مشددة، بعدما خلص المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إريتريا، محمد عبدالسلام بابكر، إلى أن الوضع الحقوقي في البلاد لا يزال “خطِراً وحرجاً”، وأن الانتهاكات المنهجية مستمرة دون تقدم ملموس أو تعاون فعلي من السلطات الإريترية.

ويغطي التقرير الفترة من 16 أبريل 2025 إلى 15 أبريل 2026، ويؤكد أن السلطات الإريترية واصلت استخدام الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري بوصفهما أداتين منهجيتين للقمع، في حين لا يزال آلاف الأشخاص محتجزين أو مختفين في ظروف قاسية ودون محاكمة أو إجراءات قانونية عادلة.

ويشير التقرير المقرر مناقشته خلال أعمال الدورة التي تبدأ فعالياتها من 15 يونيو الجاري وحتى 10 يوليو المقبل إلى استمرار اضطهاد المعارضين السياسيين، والصحفيين، والجماعات الدينية، وإلى توسع القمع ليصل إلى الإريتريين في الخارج من خلال ما وصفه التقرير بالقمع العابر للحدود.

لا تقدم في الوضع الحقوقي

بحسب التقرير، لم تشهد إريتريا أي تقدم في أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة المشمولة بالرصد، بل إن الوضع استمر في التدهور منذ تعيين المقرر الخاص عام 2020، ويؤكد التقرير أن السلطات تواصل استخدام الاعتقال التعسفي بوصفه أداة ممنهجة للسيطرة والقمع، في ظل بقاء آلاف المختفين والمحتجزين تعسفياً في السجون ومراكز الاحتجاز دون أي ضمانات قانونية أو محاكمات عادلة.

ويشير التقرير إلى أن الحكومة الإريترية تواصل رفض ولاية المقرر الخاص، ولا تتعاون معه أو تسمح له بدخول البلاد، ما اضطره إلى الاعتماد على الرصد عن بعد، وشهادات الضحايا والناجين وأسر المختفين، وإسهامات منظمات المجتمع المدني ومصادر موثقة أخرى.

ويرى التقرير أن نظام الخدمة الوطنية/العسكرية في إريتريا لا يزال من أبرز مصادر الانتهاكات، فعلى الرغم من توصيات متعددة صادرة عن آليات حقوق الإنسان الدولية والإفريقية، لم تتخذ السلطات أي إجراءات لإصلاح هذا النظام الذي يوصف بأنه غير محدد المدة ويُستخدم بوصفه أداة للسيطرة الاجتماعية والقسر والقمع.

ويحذر التقرير من أن تصاعد التوتر مع إثيوبيا منذ منتصف عام 2025 ترافق مع زيادة في التعبئة العسكرية والتجنيد القسري والمداهمات الجماعية، خصوصاً في مناطق مثل سيغينيتي ونقفة، كما أشار إلى أن هذه الممارسات تستهدف الشباب بشكل خاص، وتثير مخاوف من عودة حملات التجنيد القسري الواسعة المعروفة محلياً باسم “غيفا”.

ولا يقتصر أثر الخدمة الوطنية على الجانب العسكري، إذ يربط التقرير بينها وبين انتهاكات أوسع تشمل الحرمان من الحق في الحياة الأسرية، الحرية، الأمن الشخصي، حرية التنقل، التعليم، العمل، والملكية، كما يرى أن استمرار التهديد بالتجنيد يدفع أعداداً كبيرة من الشباب إلى الفرار من البلاد.

اختفاء قسري واحتجاز بلا محاكمة

يؤكد التقرير أن الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي لا يزالان واسعي الانتشار ومنهجيين في إريتريا، وغالباً ما تستهدف هذه الممارسات أشخاصاً يُنظر إليهم باعتبارهم معارضين أو أصحاب آراء مختلفة، أو منتمين إلى جماعات دينية مستقلة، أو متهربين من الخدمة الوطنية، وتتم الاعتقالات عادة دون مذكرات قضائية، ودون توجيه تهم أو محاكمات، مع حرمان المعتقلين من الاتصال بمحامين أو أسرهم.

ويذكر التقرير أن السلطات تواصل نقل المحتجزين بين مرافق مختلفة مثل سجن ماي سروا، عدي أبيتو، سمبل، تسيتسيرات، ويا، ومركز كارشيلي، إضافة إلى أماكن احتجاز غير رسمية أو سرية، ما يجعل معرفة مصير المحتجزين أو أماكن وجودهم شبه مستحيلة في كثير من الحالات.

ورغم ترحيب المقرر الخاص بإفراج السلطات في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن 13 محتجزاً طويلي الأمد، بينهم مسؤولون سابقون ورجال أعمال وأفراد أمن احتُجزوا قرابة 18 عاماً دون تهمة أو محاكمة، وإطلاق سراح رسام الكاريكاتير الساخر بنيام سولوم بعد 15 عاماً من الاحتجاز التعسفي، فإن التقرير يؤكد أن هذه الإفراجات لا تعكس إصلاحاً جوهرياً، إذ لا يزال كثيرون محتجزين أو مختفين منذ أكثر من عقدين.

ظروف احتجاز قاسية

يفرد التقرير مساحة واسعة لظروف الاحتجاز والسجون، ويصفها بأنها قاسية ومهينة بشكل شديد، وتشمل الشهادات التي تلقاها المقرر الخاص الاكتظاظ، سوء التهوية، الحر الشديد، نقص الغذاء والمياه، غياب الرعاية الطبية، سوء النظافة، الضرب، العزل العقابي، والتعذيب.

ويعرض التقرير أوصافاً مقلقة لعدد من مراكز الاحتجاز، ففي سجن ماي سروا تُستخدم حاويات شحن معدنية لاحتجاز السجناء لفترات طويلة، حيث يتعرض المحتجزون لحرارة شديدة، وتهوية شبه معدومة، وغياب الفراش والنظافة والاتصال بالعالم الخارجي. أما سجن ويا، فيوصف بأنه من أكثر المرافق سوءاً بسبب طبيعته الجوفية وارتفاع درجات الحرارة، مع تقارير عن إجبار المحتجزين على الجري حفاة فوق أرض قاسية، والضرب والتعذيب.

ويعد التقرير الاستخدام الواسع والمنهجي لهذه الظروف اللاإنسانية، إلى جانب الاعتقال التعسفي المطول، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاضطهاد الديني، قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، خاصة في ظل غياب المحاسبة واستمرار هذه الممارسات بوصفها جزءاً من سياسة دولة قائمة على القمع والترهيب.

اضطهاد ديني ممنهج

يشير التقرير إلى استمرار القيود الشديدة على حرية الدين والمعتقد في إريتريا، حيث تواصل السلطات التدخل في قيادة المؤسسات الدينية، واعتقال القادة الدينيين، وإغلاق أماكن العبادة والمؤسسات التعليمية الدينية، ومصادرة ممتلكاتها.

وفيما يتعلق بالمسلمين، يوثق التقرير نمطاً طويل الأمد من الاستهداف، يشمل اعتقال الأئمة والعلماء، إغلاق المدارس الدينية، ومصادرة الممتلكات، كما يشير إلى اعتقال الشيخ آدم شعبان والشيخ حسن شناتي في يوليو 2025 واختفائهما قسرياً، باعتبار ذلك استمراراً لسياسة ممتدة منذ استقلال البلاد تستهدف القيادات والمؤسسات الإسلامية.

أما بالنسبة للمسيحيين، فيرحب التقرير بالإفراج عن مئات منهم خلال عام 2025، لكنه يوضح أن هذه الإفراجات كانت مشروطة وقسرية في بعض الحالات، إذ طُلب من المحتجزين توقيع وثائق يتخلون فيها عن إيمانهم أو أن يعترفوا بالخطأ بسبب انتمائهم إلى طوائف محظورة، كما يشير إلى استمرار احتجاز سبعة قادة مسيحيين تعسفياً وسراً لأكثر من عقدين.

ويشير التقرير أيضاً إلى استمرار احتجاز شهود يهوه، بعضهم لأكثر من 20 عاماً، بسبب رفض الخدمة العسكرية لأسباب دينية أو أخلاقية أو بسبب ممارسة شعائرهم سلمياً، كما يذكر حكماً صادراً عن اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في أغسطس 2025، خلص إلى أن إريتريا انتهكت حقوق ثلاثة من شهود يهوه، وأن معاملتهم ترقى إلى التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

فضاء مدني مغلق بالكامل

يرسم التقرير صورة شديدة الانغلاق للمجال المدني والسياسي في إريتريا، فلا توجد انتخابات، ولا أحزاب سياسية مستقلة، ولا إعلام مستقل، ولا مجتمع مدني حر، ولا قنوات حقيقية لمشاركة المواطنين في الشأن العام، ووفق التقرير، صُنفت إريتريا مجدداً في عام 2025 بوصفها أسوأ دولة في العالم من حيث حرية الصحافة.

ويشير التقرير إلى أن الأشخاص الذين يعبّرون عن آراء مخالفة أو ناقدة يواجهون الاعتقال التعسفي، الاحتجاز المطول والسري، التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، كما يصف بيئة قائمة على المراقبة وشبكات المخبرين، خاصة في المدن الصغيرة والقرى، ما يدفع المواطنين إلى الرقابة الذاتية والخوف من المشاركة العامة.

ومن أبرز ما يميز التقرير أنه لا يحصر القمع داخل إريتريا، بل يسلط الضوء على القمع العابر للحدود ضد الإريتريين في الشتات، ويعرف التقرير هذه الظاهرة بأنها أفعال تنفذها أو توجهها دولة أو فاعلون يعملون لمصلحتها بهدف ردع أو إسكات أو معاقبة النقد أو المعارضة أو النشاط الحقوقي من خارج أراضيها.

ويشير التقرير إلى أن الإريتريين في الخارج يواجهون المراقبة، التهديد، الترهيب، المضايقة، الضغط الاقتصادي، حملات التشويه، العنف الجسدي، العزلة الاجتماعية، الحرمان من الخدمات القنصلية، والانتقام من أسرهم داخل إريتريا، كما يربط التقرير هذه الممارسات بفرض ضريبة الشتات البالغة 2%، وإجبار بعض الإريتريين على توقيع “رسائل ندم” للحصول على وثائق أو خدمات قنصلية.

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تجعل الحقوق الأساسية، مثل الحق في الهوية والتنقل والحياة الأسرية والحصول على الوثائق، مرتبطة بالامتثال لمطالب الدولة، حتى خارج حدودها، كما يحذر التقرير من أن بعض ممارسات الدول المضيفة قد تعزز هذا القمع عندما تطلب من الإريتريين التعامل مع سفاراتهم للحصول على وثائق، رغم خطر تعرضهم للضغط أو الانتقام.

أزمة حماية اللاجئين الإريتريين

يشير التقرير إلى أن أكثر من 679 ألف لاجئ وطالب لجوء إريتري كانوا مسجلين عالمياً حتى كانون الأول/ديسمبر 2025، وهو رقم يعكس استمرار الأسباب التي تدفع الإريتريين إلى الفرار، مثل الخدمة الوطنية غير محددة المدة، الاعتقال التعسفي، والقمع الواسع للحريات.

ويحذر التقرير من وجود فجوات خطِرة في حماية اللاجئين الإريتريين في عدد من الدول المضيفة، ومنها تعليق أو ضعف أنظمة التسجيل، الاعتقال التعسفي، الفساد، خطر الإعادة القسرية، الاتجار بالبشر، والاستغلال، ويشير إلى حالات في إثيوبيا، كينيا، مصر، والسودان، حيث يواجه اللاجئون مخاطر متزايدة، خصوصاً من لا يملكون وثائق من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

كما يؤكد التقرير أن أي إعادة قسرية إلى إريتريا قد تعرض العائدين لخطر الاضطهاد، الاعتقال التعسفي، التعذيب، الاختفاء القسري، أو التجنيد القسري، ولذلك دعا الدول إلى الالتزام الكامل بمبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان وصول الإريتريين إلى إجراءات لجوء عادلة وفعالة.

قراءة حقوقية

يكشف التقرير أن أزمة حقوق الإنسان في إريتريا ليست مجموعة انتهاكات منفصلة، بل منظومة قمع متكاملة، فالخدمة الوطنية غير محددة المدة، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، وإغلاق الفضاء المدني، والاضطهاد الديني، والقمع العابر للحدود، كلها تعمل معاً لإنتاج حالة مستمرة من الخوف والسيطرة.

والأخطر أن هذه المنظومة لا تقف عند الحدود، فالإريتريون الذين يفرون من البلاد قد يجدون أنفسهم أمام تهديدات جديدة في دول اللجوء أو الشتات، سواء عبر القمع القنصلي، أو الابتزاز الإداري والمالي، أو انعدام الحماية الكافية من الإعادة القسرية والاستغلال.

لذلك، فإن التعامل مع ملف إريتريا يجب ألا يقتصر على دعوة الحكومة إلى الإصلاح، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن يشمل أيضاً مسؤولية الدول المضيفة في حماية اللاجئين، وعدم إجبارهم على التواصل مع سلطات قد تعرضهم للانتقام، وملاحقة الجرائم الجسيمة وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية عندما يكون ذلك ممكناً.

وفي النهاية، يضع تقرير المقرر الخاص إريتريا في موقع واحد من أكثر الملفات الحقوقية خطورة أمام مجلس حقوق الإنسان، فالانتهاكات ليست عابرة أو محدودة، بل تبدو ممنهجة وممتدة زمنياً، وتشمل اعتقالاً تعسفياً واختفاءً قسرياً واحتجازاً لعقود واضطهاداً دينياً وقمعاً للصحافة والمجتمع المدني، إضافة إلى قمع عابر للحدود يلاحق الإريتريين في الشتات.

وتؤكد الوثيقة أن الإفراج عن بعض المحتجزين لا يكفي للدلالة على إصلاح حقيقي، ما دام النظام القانوني والسياسي والأمني الذي أنتج هذه الانتهاكات لا يزال قائماً، لذلك، تبقى الأولوية الحقوقية في إريتريا واضحة: إنهاء الخدمة الوطنية غير محددة المدة، الإفراج عن المحتجزين تعسفياً، الكشف عن مصير المختفين، وقف الاضطهاد الديني، حماية اللاجئين من الإعادة القسرية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.