منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

ملايين الفقراء بلا حماية.. تقرير أممي يدق ناقوس الخطر بشأن “صناعة الفقر” في العالم

07 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان

حذّر تقرير أممي من أن الفقر لم يعد مجرد نتيجة لضعف النمو الاقتصادي أو نقص الموارد، بل أصبح في كثير من الحالات نتاج سياسات وخيارات اقتصادية واجتماعية تسهم بصورة مباشرة في إعادة إنتاج الحرمان وعدم المساواة، مؤكداً أن العالم يواجه أزمة متفاقمة تتطلب إعادة النظر في أساليب مكافحة الفقر التقليدية والانتقال إلى مقاربة أكثر شمولاً تضع الإنسان وحقوقه في صلب السياسات العامة.

وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والتي تعقد خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن القضاء على الفقر لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتماد على النمو الاقتصادي وحده، بل يتطلب معالجة الأسباب البنيوية التي تؤدي إلى التهميش والإقصاء الاجتماعي، ووضع استراتيجيات وطنية متكاملة تستند إلى حقوق الإنسان وتضمن مشاركة الفئات المتضررة في صياغة الحلول والسياسات.

وأوضح التقرير، الذي أعده المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، أن الفقر متعدد الأبعاد يتجاوز مسألة انخفاض الدخل ليشمل الحرمان من التعليم والرعاية الصحية والسكن اللائق والحماية الاجتماعية والقدرة على المشاركة في الحياة العامة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب فهماً أعمق للعوامل المؤسسية والاجتماعية التي تدفع الأفراد والأسر إلى الوقوع في دائرة الفقر أو البقاء فيها لسنوات طويلة.

استراتيجيات مكافحة الفقر

ولفت التقرير إلى أن العديد من الدول ما زالت تعتمد استراتيجيات تركز على معالجة أعراض الفقر بدلاً من أسبابه الحقيقية، مشدداً على ضرورة الاستناد إلى البيانات الميدانية وتجارب الأشخاص الذين يعيشون أوضاع الفقر عند إعداد السياسات العامة. كما دعا إلى إشراك الفقراء أنفسهم في تصميم الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بمكافحة الفقر لضمان استجابتها للاحتياجات الفعلية للمجتمعات الأكثر هشاشة.

وأكد أن نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر يتطلب تحديد أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، مع تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ ومصادر التمويل وآليات المتابعة والتقييم، مشيراً إلى تجارب دولية اعتمدت خططاً وطنية متعددة القطاعات للحد من الفقر وعدم المساواة وتحقيق الإدماج الاجتماعي.

وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن التنسيق بين الوزارات والمؤسسات الحكومية يمثل شرطاً أساسياً لنجاح جهود مكافحة الفقر، لأن الظاهرة تتداخل مع ملفات التعليم والصحة والإسكان والحماية الاجتماعية والعمل والتنمية الاقتصادية، كما أن السياسات المالية والضريبية يجب أن تكون منسجمة مع أهداف الحد من الفقر وألا تؤدي إلى زيادة الأعباء على الفئات الأكثر ضعفاً.

اقتصاد الرعاية وإنتاج الفقر

وحذّر التقرير من استمرار تجاهل ما يُعرف بـ”اقتصاد الرعاية”، معتبراً أنه أحد أكثر الجوانب تأثيراً في إنتاج الفقر وعدم المساواة، خصوصاً بالنسبة للنساء.

وأوضح أن أعمال الرعاية، سواء المتعلقة بالأطفال أو كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو المرضى، تشكل ركيزة أساسية لاستمرار المجتمعات والاقتصادات، لكنها غالباً ما تبقى غير مرئية أو غير مقدّرة اقتصادياً.

وأشار إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر على مستوى العالم، إذ قمن بنحو 76.2% من إجمالي هذه الأعمال عام 2018، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على فرصهن الاقتصادية والاجتماعية.

كما بيّنت البيانات الواردة في التقرير أن نحو 606 ملايين امرأة اضطررن إلى البقاء خارج سوق العمل بسبب مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، مقارنة بـ41 مليون رجل فقط، ما يعكس فجوة هائلة في توزيع الأعباء داخل المجتمعات.

الفقر والهشاشة الاقتصادية

وأكد التقرير أن هذا الوضع يؤدي إلى زيادة تعرض النساء للفقر، خصوصاً الأمهات المعيلات لأسرهن، اللائي يشكلن نسبة مرتفعة من الأسر الأكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية.

كما أن غياب خدمات الرعاية الميسورة التكلفة يدفع الكثير من النساء إلى التخلي عن فرص العمل أو تقليص مشاركتهن في النشاط الاقتصادي، ما يحد من استقلاليتهن المالية ويؤثر على مستويات المعيشة داخل الأسر.

وفي هذا الإطار، دعا التقرير إلى الاعتراف بالحق في الرعاية باعتباره حقاً من حقوق الإنسان، سواء بالنسبة لمن يقدمون الرعاية أو لمن يتلقونها أو لمن يحتاجون إليها.

كما شدد على ضرورة تطوير سياسات عامة تضمن توزيعاً أكثر عدالة لمسؤوليات الرعاية بين النساء والرجال، وتوفير خدمات عامة عالية الجودة في مجالات الطفولة المبكرة والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.

الاستثمار في الرعاية

وأوضح التقرير أن الاستثمار في اقتصاد الرعاية لا يسهم فقط في تحسين أوضاع الأسر والفئات الضعيفة، بل يمكن أن يشكل محركاً للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، فتعزيز خدمات الرعاية يتيح للنساء فرصاً أكبر للمشاركة في سوق العمل، كما يوفر وظائف جديدة في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، ويساعد على بناء مجتمعات أكثر عدالة وتماسكاً.

كما نبّه التقرير إلى أن العاملين في قطاع الرعاية أنفسهم يواجهون تحديات كبيرة، تشمل تدني الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وعدم الاستقرار الوظيفي.

وأوضح أن النساء يشكلن الغالبية العظمى من القوى العاملة في هذا القطاع، بينما يعتمد العديد من البلدان على العمال المهاجرين لتغطية احتياجات الرعاية، ما يجعل هذه الفئة عرضة لأشكال متعددة من التمييز والاستغلال.

وشدد على أن تحسين أوضاع العاملين في اقتصاد الرعاية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لمكافحة الفقر، من خلال توفير أجور عادلة وظروف عمل لائقة وضمانات اجتماعية وصحية مناسبة، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي للعاملين ويحد من مخاطر الفقر بينهم.

السياسات والحماية الاجتماعية

وأشار التقرير إلى أهمية اعتماد نهج متعدد القطاعات في تصميم وتنفيذ السياسات الاجتماعية، لافتاً إلى تجارب عدد من الدول التي أنشأت آليات حكومية مشتركة بين الوزارات لتنسيق جهود مكافحة الفقر وتطوير سياسات الرعاية الاجتماعية.

وأكد أن هذا النوع من التنسيق يساعد على توجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة ويضمن تكامل التدخلات الحكومية المختلفة.

كما دعا إلى توسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل جميع الفئات، خاصة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي والأسر ذات الدخل المنخفض والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، مع ضمان وصول الخدمات الأساسية إلى الجميع دون تمييز.

وأكد أن الحماية الاجتماعية تمثل أحد أكثر الأدوات فاعلية في الحد من الفقر وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

خطر تجاهل العمل

وحذّر التقرير من أن استمرار السياسات التي تتجاهل الأبعاد الاجتماعية للرعاية والعمل غير المدفوع سيؤدي إلى تعميق الفجوات الاقتصادية بين الجنسين وزيادة معدلات الفقر والإقصاء الاجتماعي، ما يهدد جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة والقضاء على الفقر بحلول عام 2030.

وفي ختام التقرير، شدد المقرر الخاص على أن مكافحة الفقر تتطلب تحولاً جذرياً في طريقة تصميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يُنظر إلى الرعاية باعتبارها عبئاً خاصاً تتحمله الأسر، بل كمسؤولية مجتمعية تستحق الاستثمار والدعم.

كما أكد أن القضاء على الفقر لن يتحقق إلا من خلال معالجة أسبابه الهيكلية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان توزيع أكثر إنصافاً للموارد والفرص، بما يتيح لجميع الأفراد العيش بكرامة والمشاركة الكاملة في مجتمعاتهم.