تقف جمهورية موريتانيا الإسلامية أمام استحقاق حقوقي دولي يضع سيادتها الوطنية وتوجهاتها الإصلاحية تحت مجهر الأمم المتحدة، حيث تتقاطع الالتزامات الكونية مع الخصوصية التشريعية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية.
وتبرز في الأفق خلال الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان معالم معركة دبلوماسية وقانونية تخوضها نواكشوط لإثبات جدية استراتيجياتها في اجتثاث مخلفات الاسترقاق، وتفكيك بنى التمييز، وترسيخ دعائم سيادة القانون، في اختبار حقيقي لقدرة الدولة على المواءمة بين ثوابتها العقدية ومتطلبات المنظومة الحقوقية العالمية.
وفي هذا السياق، تأتي الوثيقة الأممية، لتلخص الموقف الرسمي الموريتاني المعبر عنه في الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة في صيف 2026.
ويستعرض هذا التقرير ردود الدولة وتعهداتها الطوعية حيال التوصيات الدولية، مقدماً جردة حساب شاملة للمسار الحقوقي الموريتاني وما حققه من مكتسبات وما يواجهه من تحديات هيكلية في إطار الاستعراض الدوري الشامل.
صندوق الاستعراض الشامل
تحت بند جدول الأعمال السادس الخاص بالاستعراض الدوري الشامل، قدمت موريتانيا ردودها الرسمية الصادرة بوثيقة غير محررة رسمياً عن الأمم المتحدة، والتي تعكس خياراً سيادياً يسترشد بالأولويات الوطنية والإصلاحات الهيكلية الجارية.
وجاءت هذه الوثيقة بوصفها ترجمة عملية لنتائج مراجعة دقيقة وشاملة قامت بها الحكومة الموريتانية عقب الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل المنعقدة في 20 يناير 2026، والتي تلقت في ختامها نواكشوط 271 توصية من الدول المشاركة.
ووفقاً للبيانات الإحصائية الرسمية، أيدت موريتانيا 229 توصية، ما يعادل نسبة 84.5 في المئة من إجمالي التوصيات، معبرة بذلك عن عزمها السياسي على الانخراط في دينامية من التقدم المستمر تقوم على مبادئ الحوار والشفافية والمساءلة والتعجيل بالإصلاحات ومواجهة التحديات المستمرة.
وفي المقابل، أحيط علماً بـ 39 توصية، أي ما يعادل 14.3 في المئة، وهو ما يجسد نهجاً عملياً يستند إلى الواقع الوطني ومتطلبات الاتساق القانوني والمؤسسي دون استبعاد مواصلة الحوار.
وحظي جزء من التوصيات الثلاث المتبقية التي تمثل 1.1 في المئة بالتأييد، في حين أحيط علماً بالجزء الآخر، وتؤكد الحكومة الموريتانية في ختام وثيقتها الرسمية التزامها الراسخ بتعزيز تعاونها المستمر مع آليات الأمم المتحدة المختلفة وشركائها الدوليين، لضمان تنفيذ كافة التوصيات التي حظيت بالتأييد تنفيذاً فعالاً وشاملاً ومستداماً في الإقليم.
مواءمة القوانين
تبذل الدولة الموريتانية جهوداً متواصلة في مواءمة نظامها القانوني الوطني مع الصكوك الدولية التي انضمت إليها، واصفة إياها بالعملية الدينامية والمستمرة التي شملت مجالات مكافحة التعذيب وحماية الطفل.
وفي سياق الحريات العامة، تشير الدولة إلى إقرار القانون رقم 2021-004 المتعلق بالجمعيات، والذي أحدث نقلة نوعية باستبدال نظام الحصول على الإذن المسبق بنظام الإخطار، ما يسهم في تيسير ممارسة حرية التجمع وتكوين الجمعيات، مع الالتزام بتدقيق الإطار التشريعي لضمان توافق القيود مع مبدأي الضرورة والتناسب لتعزيز الحيز المدني والديمقراطي.
أما بشأن عقوبة الإعدام، فقد أحيط علماً بالتوصيات من 130-52 إلى 130-68، حيث جددت الدولة التزامها بوقف تنفيذ العقوبة بحكم الأمر الواقع منذ عام 1987، مع الإبقاء عليها في نظامها القانوني لحالة الجرائم البالغة الجسامة، معتبرة هذا الوقف مؤشراً على نهج متوازن يجمع بين احترام الالتزامات الدولية ومتطلبات النظام القانوني الوطني القائم على الشريعة الإسلامية، وموضحة أن الانضمام للبروتوكول الاختياري الثاني يتطلب تعديلاً دستورياً وجنائياً جذرياً وتوافقاً وطنياً واسع النطاق.
وفيما يخص ملف حقوق الإنسان، تلتزم الدولة بالاستراتيجية الوطنية للفترة 2024-2028 الموضوعة بمساعدة تقنية من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بوصفها خريطة طريق ذات أولوية ممولة قطاعياً وتحت إشراف مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني.
وفي ملف المصالحة، فضلت الحكومة إعطاء الأولوية للحقوق الإنسانية العالقة عبر تسوية شاملة وتوافقية ترتكز على جبر الضرر والمحافظة على الذاكرة وعودة المبعدين وتعويض الضحايا وأداء الصلاة بمدينة كيهيدي.
تدابير الحماية الاجتماعية
تؤكد موريتانيا التزامها الصارم بمكافحة الاتجار بالبشر ومخلفات الاسترقاق عبر إقرار منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة؛ حيث عززت آلياتها الوطنية بإقرار القانون رقم 2020-017 المتعلق بمحاربة الاتجار بالأشخاص وإنشاء هيئة وطنية متخصصة لمحاربة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين.
وتعهدت الحكومة بتعزيز الموارد المالية واللوجستية لهذه الهيئة لضمان التنسيق بين الوزارات وتحديد الضحايا استباقياً وتوفير الرعاية الطبية والاجتماعية لهم على مستوى قطاعات متعددة، مع تقديم المساعدة القانونية وإعادة التأهيل الاجتماعي وضمان معاملة ضحايا الاتجار بصفتهم أشخاص قانون لا مرتكبي مخالفات هجرة، واتخاذ تدابير صارمة لملاحقة الجناة جزائياً وفقاً للمعايير الدولية.
وفيما يتعلق بملف الرق، حددت الدولة أن الرق جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم بموجب القانون رقم 2015-031، ولضمان فعالية سبل الانتصاف القانونية، أنشئت ثلاث محاكم جنائية متخصصة، ومنحت مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني الأهلية القانونية للانضمام إلى الدعاوى القضائية بصفة طرف مدني جنباً إلى جنب مع الضحايا، مع الالتزام بإذكاء الوعي لدى الجهات القضائية الفاعلة لضمان التنفيذ الصارم للقوانين ضد أي تمييز على أساس النسب.
ويتكامل هذا الجهد مع نظام حماية اجتماعية مستدام تتولاه المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “التآزر”، القائم على نظام تحويلات نقدية منتظمة للأسر الأكثر فقراً وسجل اجتماعي بيومتري لتحديد المستفيدين بدقة لمواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية وإعادة توزيع الثروات الوطنية بطريقة منصفة.
ضمانات الرعاية الشاملة
ركزت ردود الدولة على حقوق المرأة والطفل؛ حيث أكدت الالتزام باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة مع إحاطتها علماً بالبروتوكول الاختياري الذي يتطلب حواراً وطنياً تشارك فيه السلطات الدينية والمجتمع المدني لضمان تملكه اجتماعياً وثقافياً.
وأبقت الدولة على تحفظاتها على بعض المواد للحفاظ على توافق الالتزامات الدولية مع أحكام الدستور والمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية بوصفها مصدراً لتشريع الأحوال الشخصية. وقد أضفت الدولة الطابع المؤسسي على مشاركة المرأة السياسية بموجب قانون أساسي يضمن نظام الحصص والقائمة الوطنية في الجمعية الوطنية والمجالس البلدية والإقليمية.
وبشأن مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، تجري الحكومة مشاورات واسعة مع العلماء والبرلمانيين والمجتمع المدني للتعجيل بإقراره وتوفير حماية قانونية شاملة وحديثة. وحول حقوق الهوية، تفضل الحكومة نهجاً تدريجياً في إصلاحات قانون الأحوال الشخصية والجنسية، مع التركيز حالياً على تسجيل جميع الأطفال بسجلات الأحوال المدنية دون تمييز.
وفي الملف الصحي، تسعى الدولة لتحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030 عبر تعزيز الصندوق الوطني للتضامن الصحي وتعميمه على القطاع غير النظامي.
وتربوياً، فرض قانون المدرسة الجمهورية إلزامية التعليم وإدماج قيم المواطنة وحقوق الإنسان وتدريب المعلمين. وختاماً، تلتزم الدولة بخطتها الوطنية للتكيف مع تغير المناخ بموجب اتفاق باريس، ومكافحة التصحر، وإصلاح الأراضي لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الريفية الضعيفة.
صندوق الممارسات الاجتماعية
تولي موريتانيا أهمية قصوى لحماية الحق في الحياة، حيث يكرس التشريع الوطني قدسية الحياة البشرية بما يتوافق مع تعاليم الإسلام وقيم المجتمع، مع النص على أحكام محددة تجيز الإجهاض العلاجي حصراً عندما تكون حياة الأم أو صحتها معرضة لخطر شديد.
وفيما يتعلق بالممارسات الاجتماعية الضارة، تنفذ الدولة استراتيجية متعددة القطاعات تضم السلطات الصحية والقيادات الدينية ومنظمات المجتمع المدني لمكافحة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، مدعومة بفتوى وطنية تحظر هذه الممارسة وبرامج توعية مجتمعية أدت إلى انخفاض مطرد في معدلات انتشارها، مع الالتزام بالاستثمار في تعليم المرأة وتمكينها لإحداث تحول مستدام في المعايير الاجتماعية.
وبشأن السن الأدنى للزواج، أحاطت موريتانيا علماً بالتوصية رقم 130-241، مبيّنة أن الإطار القانوني الوطني يحدد مبدأ الحد الأدنى للسن ولا يجيز الاستثناء إلا بضوابط صارمة وتحت إشراف السلطة القضائية المختصة، ما يخدم المصلحة العليا، وهو استثناء يظل هامشياً في الممارسة العملية.
أما في ملف المساواة والحماية من خطاب الكراهية، فتضمن الدولة لجميع المواطنين المساواة أمام القانون والحماية من أي شكل من أشكال العنف أو الكراهية وفقاً للقانون رقم 2018-023. وفي سياق الهوية الدينية، أحيط علماً بالتوصية رقم 130-94، حيث ينص الدستور على أن الإسلام هو دين الشعب والدولة، وهو أساس العقد الاجتماعي، في حين تضمن التشريعات حماية غير المسلمين الذين يتمتعون بكامل حقوقهم بوصفهم مواطنين دون تمييز، مع كفالة حرية العبادة للأجانب المقيمين في الإقليم.
كما تلتزم الدولة بمواصلة مواءمة استراتيجيتها الوطنية لتعزيز حقوق الإنسان مع إطار الشراكة من أجل التنمية المستدامة، سعياً لتحقيق رفاه السكان وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
