حذر تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ضمن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتحضيرات المرتبطة بالدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المقرر عقدها في جنيف خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، من أنظمة الطاقة المستدامة قد يؤدي إلى انتهاكات جديدة لحقوق الشعوب الأصلية إذا لم يقترن بضمانات تحمي أراضيها ومواردها وحقها في المشاركة في صنع القرار.
واستعرض التقرير مداولات حلقة النقاش السنوية بشأن حقوق الشعوب الأصلية التي خصصت لمناقشة أوضاع هذه الشعوب في سياق الانتقال العادل إلى أنظمة الطاقة المستدامة، ومنه الطلب المتزايد على المعادن الحيوية اللازمة للتحول الطاقي.
وأكد المشاركون أن أي تحول نحو الطاقة النظيفة يجب ألا يتم على حساب الحقوق الجماعية للشعوب الأصلية أو يؤدي إلى تهميشها مجدداً، ونبهوا إلى أن الطلب العالمي المتسارع على المعادن الحرجة المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة يحمل مخاطر متزايدة تتعلق بمصادرة الأراضي وتدهور البيئة وانتهاك حقوق الإنسان، خاصة في المناطق التي تعيش فيها الشعوب الأصلية وتعتمد على مواردها الطبيعية في الحفاظ على أنماط حياتها التقليدية.
افتتحت المداولات الرسمية برئاسة نائبة رئيس مجلس حقوق الإنسان والممثلة الدائمة لملديف لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، سلمى رشيد.
مواجهة التغير المناخي
وأكدت نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف، في كلمتها الافتتاحية، أن معارف وثقافات وممارسات الشعوب الأصلية التي أثرت في حياة البشرية على مدى آلاف السنين تعد أساسية لمواجهة التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي.
وحذرت المسؤولة الأممية من استمرار مصادرة أراضي الأجداد وقمع اللغات وانتشار العنف ضد المدافعين عن الحقوق، مشددة على وجوب إعطاء الأولوية للحقوق على حساب الموارد.
وحددت أربعة مجالات حيوية للتحرك المستقبلي، داعية دول العالم والشركات الاستثمارية إلى الالتزام الصارم بمبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة على أي مشروع طاقة دون أي استثناء.
استعرض المشاركون في حلقة النقاش حزمة من التحديات الميدانية والانتهاكات الجسيمة التي تبرر باسم التنمية والنظام الاقتصادي الجديد.
العلاقة بين السكان الأصليين وأراضيهم
أوضحت رئيسة المؤسسة الوطنية للشعوب الأصلية في البرازيل، جوينيا وابيتشانا، أن العلاقة بين السكان الأصليين وأراضيهم هي علاقة مادية وروحية متوارثة عبر الأجيال ولا يمكن فصلها، وأشارت إلى الإنجازات التاريخية التي تحققت في بلدها عبر إعادة تفعيل المجلس الوطني لسياسات الشعوب الأصلية، وترسيم الحدود لإحدى عشرة منطقة واعتماد 16 عملية ترسيم خلال العامين الماضيين، إلى جانب طرد عمال المناجم غير الشرعيين من أراضي “اليانومامي”.
ونبهت إلى التهديدات القائمة المتمثلة في مشاريع قوانين تسعى لإضعاف القواعد البيئية وتقييد ترسيم الحدود عبر ما يُعرف بقانون الإطار الزمني الذي يحصر الأراضي بتلك المحتلة عام 1988 فقط، متجاهلاً عمليات الطرد التاريخية.
ومن جانبه انتقد أمين سر جمعية محامي حقوق الإنسان للشعوب الأصلية النيبالية وممثل المنظمة الدولية لحقوق الشعوب الأصلية، شانكار ليمبو، الآثار الكارثية لمشاريع الطاقة الكهرومائية في نيبال، وذكر أن البناء المتهور لتلك المحطات تسبب في فيضانات وانهيارات أرضية هددت حياة السكان الريفيين، معبراً عن شكوكه في وصفها “طاقة نظيفة” طالما أنها تقوض سيادة المجتمعات وتستولي على مواردها دون موافقة مسبقة.
وأفاد ليمبو بأن السلطات جشعت تجريم المحتجين السلميين بموجب قانون العقوبات لعام 2017، مستشهداً بقضية تسعة شبان من قبيلة “ياكتونغ” يواجهون المحاكمة بسبب احتجاجهم ضد مشروع “أبر تامور” للطاقة الكهرومائية، حيث باتوا مهددين ببيع أراضيهم لتغطية تكاليف الدفاع الباهظة.
إطار عمل عالمي للتتبع
وطالبت رئيسة مجلس الإنويت القطبي وعضو فريق الأمين العام للأمم المتحدة المعني بالمعادن الحرجة، سارة أولسفيغ، بإنشاء إطار عمل عالمي للتتبع والمساءلة وصندوق دولي لمعالجة إرث التعدين، محذرة من مغبة عدم تصحيح الانتهاكات المنهجية التي تكرر أنماط الاستعمار والاستغلال القديمة باسم “الصالح العام”.
وشاركت رئيسة آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية، أنيكسا ألفريد كننغهام، ذات الرؤية بضرورة إدماج تقييمات الأثر الاجتماعي والبيئي الشاملة والمستقلة قبل البدء في أي نشاط صناعي.
ودعت المتحدثتان إلى تعزيز الدور القيادي للنساء والفتيات من السكان الأصليين، باعتبارهن حراس النظم الإيكولوجية والناقلات الأساسيات للمهارات والتقاليد عبر الأجيال.
أظهرت المناقشات التحاورية بين وفود الدول ومنظمات المجتمع المدني إجماعاً دولياً واسعاً على أن احترام حقوق الإنسان في عملية الانتقال الطاقي ليس خياراً، بل التزام قانوني دولي صارم، وطالب المجتمعون بتبني سياسات ملزمة تمنع وقوع هذه الفئات في براثن التشريد والعنف والتلوث، والعمل المشترك لبناء اقتصاد دائرى يحمي كرامة الإنسان وحقوق أولئك الذين طالما كانوا حراساً للأرض ومواردها الطبيعية
ولفت التقرير إلى تنامي القلق بشأن أوضاع المدافعين عن البيئة والأراضي، وكثير منهم من الشعوب الأصلية، مع دعوات متكررة لتعزيز آليات المساءلة عن الانتهاكات المرتبطة بالصناعات الاستخراجية ومشروعات الطاقة الكبرى، كما جرى تأكيد ضرورة إخضاع الشركات لمعايير أكثر صرامة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.
واختتم التقرير بتأكيد أن احترام حقوق الشعوب الأصلية ليس خياراً سياسياً أو أخلاقياً فحسب، بل التزام يفرضه القانون الدولي، حيث شدد المشاركون على أن نجاح الانتقال إلى الطاقة النظيفة يتوقف على تحقيق العدالة والكرامة والإدماج، وعلى ضمان مشاركة الشعوب الأصلية بوصفهم شركاء متساوين في صياغة مستقبل مستدام، ما يوازن بين حماية البيئة وصون حقوق الإنسان.
