في بلد شديد التنوع، يتحدث سكانه أكثر من 80 لغة، ويضم مجتمعا متعدد القوميات والهويات، يبرز منتدى الحوار الوطني الإثيوبي باعتباره محاولة سياسية واسعة لمعالجة أزمات تراكمت لعقود، تتعلق بالهوية، وتقاسم السلطة، وشكل الدولة الفيدرالية، والعلاقة بين المركز والأقاليم.
وتشير “مجموعة حقوق الأقليات الدولية” إلى أن إثيوبيا تضم أكثر من 80 لغة، ما يعكس تنوعا قوميا ولغويا شديد التعقيد.
وتطرح الحكومة الإثيوبية لجنة الحوار الوطني باعتبارها مؤسسة مستقلة أُنشئت بموجب القانون بهدف بناء توافق وطني وتعزيز السلام والمصالحة.
وتقول اللجنة على موقعها الرسمي إن مهمتها تقوم على جمع الأجندات من مختلف المناطق، وتحديد المشاركين، وقيادة حوار وطني واسع حول القضايا الخلافية.
لكن هذه المبادرة، رغم طموحها، تواجه تساؤلات واسعة من قوى سياسية ومراكز بحثية ومنظمات حقوقية حول مدى شموليتها وقدرتها على معالجة جذور الأزمة، خاصة في ظل استمرار النزاعات المسلحة في أمهرة وأوروميا، وتداعيات حرب تيغراي، وملفات العدالة والمساءلة وعودة النازحين.
مسار رسمي واسع
تؤكد لجنة الحوار الوطني الإثيوبية أنها انتقلت خلال مايو 2026 إلى مرحلة التحقق من الأجندات، عبر ورش مع ممثلي المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والأوساط الأكاديمية والبحثية، ضمن مسار يهدف إلى تحديد القضايا التي ستطرح على طاولة الحوار الوطني.
وذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية أن اللجنة جمعت أجندات من 1,234 مقاطعة، بما يمثل نحو 93% من الوحدات الإدارية في البلاد، وأنها أنجزت عملية واسعة لتحديد ممثلين للمشاركة في الحوار.
وفي فبراير 2026، وافق مجلس نواب الشعب الإثيوبي على تمديد ولاية لجنة الحوار الوطني لمدة ثمانية أشهر إضافية، بهدف استكمال المشاورات وتوسيع العملية، بحسب ما نقلته وكالة “فانا” الإثيوبية.
الشمولية محل اختبار
رغم هذه المؤشرات الرسمية، ترى مراكز بحثية أن نجاح الحوار لا يتوقف على حجم المشاورات فقط، بل على مدى مشاركة الأطراف المؤثرة في النزاعات، وعلى قدرة العملية على فتح المجال السياسي وخلق ضمانات للثقة.
وحذر معهد كلينغنديل الهولندي في موجز سياسي عام 2025 من أن الحوار الوطني، بصيغته الحالية، قد يعجز عن معالجة الأزمة العميقة إذا لم تجرِ إصلاحات عاجلة تضمن الشمولية والانفتاح السياسي.
وأشار معهد الدراسات الأمنية الإفريقي إلى أن اللجنة تحتاج إلى وقت ومسار أكثر وضوحا، خاصة بعد تمديد ولايتها، حتى لا تتحول العملية إلى سباق مع الزمن أو إلى مسار ناقص لا ينتج تسوية حقيقية.
وتؤكد هذه التحذيرات أن الحوار الوطني في إثيوبيا لا يواجه مشكلة إجرائية فقط، بل أزمة ثقة عميقة بين الحكومة والمعارضة والمجتمعات المتأثرة بالنزاع.
تيغراي والعدالة المؤجلة
يمثل اتفاق بريتوريا للسلام، الموقع في نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، محطة مركزية في مرحلة ما بعد الحرب.
وأنهى الاتفاق رسميا واحدة من أعنف النزاعات في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، لكنه لم يحسم ملفات شديدة الحساسية مثل العدالة، والمساءلة، وعودة النازحين، وتعويض الضحايا، وتسوية النزاعات الإقليمية.
وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن لجنة الخبراء الدوليين بشأن إثيوبيا كُلفت بتقديم إرشادات حول العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة والتعافي، ما يعكس أهمية هذه الملفات في أي مسار سياسي لاحق للنزاع.
ويؤكد تقرير مشترك سابق للمفوضية السامية لحقوق الإنسان واللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان أن النزاع في تيغراي شهد انتهاكات خطيرة، وأن مشاورات العدالة الانتقالية مع الضحايا والمتضررين تمثل خطوة ضرورية لمعالجة آثار الحرب.
نزاعات مستمرة
لا تقتصر تحديات الحوار على إرث حرب تيغراي، فقد قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن النزاع بين الحكومة وميليشيات فانو في إقليم أمهرة استمر خلال عام 2025، مع ارتكاب أطراف النزاع جرائم حرب وانتهاكات خطيرة.
وقالت المنظمة في تقريرها لعام 2025 إن النزاع في أمهرة تواصل خلال 2024، وإن الأطراف المتحاربة ارتكبت انتهاكات جسيمة، فيما استمرت القيود على المعلومات والوصول إلى المناطق المتأثرة.
وفي يناير 2026، حذرت اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان من مخاوف حقوقية مرتبطة بالقتال والتحركات العسكرية في مناطق حدودية بين تيغراي وأمهرة وعفر، ما يؤكد استمرار هشاشة الوضع الأمني في شمال البلاد.
الضحايا في قلب الحوار
من منظور حقوقي، لا يمكن لأي حوار وطني أن ينجح إذا تجاهل الضحايا.. فقد وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية انتهاكات واسعة في مناطق النزاع، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والاعتقالات التعسفية، والعنف الجنسي، والتهجير، والقيود على الصحافة والعمل الإنساني.
وتقول منظمة “المسؤولية عن الحماية العالمية” إن السكان في أنحاء مختلفة من إثيوبيا لا يزالون معرضين لخطر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة، بسبب الاشتباكات بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة والعنف بين المجتمعات المحلية والتوترات الإقليمية.
وخلصت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إلى أن مسار العدالة الانتقالية تعثر، بينما بقي الإفلات من العقاب عن الجرائم والانتهاكات الخطيرة هو القاعدة.
وتكشف التجربة الإثيوبية أن الحوار الوطني ليس مجرد مؤتمر سياسي، بل اختبار لقدرة الدولة على معالجة القضايا التي فجرت العنف خلال السنوات الماضية.
ولهذا، فإن نجاح منتدى الحوار الوطني لن يقاس بعدد المشاركين أو اتساع الورش فقط، بل بمدى قدرته على إشراك الأطراف المستبعدة، وضمان صوت الضحايا، وربط المصالحة بالعدالة، وتحويل التوصيات إلى إصلاحات سياسية ودستورية قابلة للتنفيذ.
تحديات متعددة
يرى المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن مسار الحوار الوطني في إثيوبيا انطلق قبل عدة سنوات، وتحديدا منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ومنذ ذلك الحين شهد سلسلة من المشاورات المكثفة مع مختلف المكونات الإثيوبية، شملت القوى السياسية والإدارات الأهلية والفعاليات المجتمعية في أنحاء البلاد.
ويضيف إبراهيم، في حديث لـ”صفر”، “رغم الجهود المبذولة لا تزال هناك تحديات متعددة تعترض طريق الحوار الوطني، ففي ملف إقليم تيغراي تبرز عقبات تتعلق بعدم مشاركة بعض الأحزاب والقوى السياسية في العملية الحوارية، في حين وجهت أطراف أخرى انتقادات حادة إلى آليات الحوار ومخرجاته المحتملة”.
وأشار إلى أن هناك مكونات سياسية واجتماعية إثيوبية تطالب بأن يكون الحوار الوطني أكثر شمولا وتمثيلا، لا سيما الأحزاب المعارضة التي لم تشارك في الانتخابات، والتي أبدت تحفظات على العملية الانتخابية الأخيرة التي جرت في الأول من يونيو الجاري.
وفي ما يتعلق بالقضايا الحقوقية والخلافات السياسية المرتبطة بها، يقول إبراهيم: “تزداد هذه الملفات تعقيدا في ظل الصراعات والتطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فقد خاض إقليم تيغراي حربا دامية مع الحكومة الفيدرالية، فيما لا يزال إقليم أمهرة يشهد حالة من التوتر والصراع منذ ما بعد عام 2022، على خلفية المواجهات بين الحكومة ومجموعات مسلحة أبرزها ميليشيا فانو”.
وأوضح أن الخلافات مع الحكومة تتوزع على عدة مسارات، مشيرا إلى أن اتفاقية بريتوريا التي وُقعت بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، أثارت تحفظات لدى بعض المكونات التي دعمت الحكومة خلال الحرب، إذ رأت أنها لم تُمنح دورا أو تمثيلا كافيا في مسار المفاوضات، كما اعتبرت أطراف أخرى أنها كانت تستحق المشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب باعتبارها طرفا فاعلا في الصراع وشريكا في جهود إحلال السلام.
الاختبار الصعب
يرى إبراهيم أن هذه الإشكالات تمثل جزءا من تحديات أوسع تواجه الدولة الإثيوبية، تشمل النزاعات الحدودية بين الأقاليم، ومطالب بعض المجموعات العرقية بالحصول على أقاليم مستقلة أو صلاحيات حكم ذاتي أوسع، إلى جانب استمرار الخلافات بين الحكومة وجبهة تحرير تيغراي، التي تؤكد أن بنود اتفاق بريتوريا لم تُنفذ بصورة كاملة، في ظل تبادل الاتهامات بين الجانبين بشأن المسؤولية عن التعثر.
ويتابع: “تُعد مطالب إقليم تيغراي واحدة من أبرز العقبات التي تواجه لجنة الحوار الوطني، فالإقليم كان طرفا رئيسيا في الصراع مع الحكومة، ورغم توقيع اتفاق بريتوريا لا تزال ملفات عديدة عالقة، من بينها عودة النازحين وجمع السلاح وتسريح المقاتلين واستعادة مخصصات الإقليم من الميزانية الاتحادية، فضلا عن النزاع على بعض المناطق التي كانت تخضع لسيطرة قوات من إقليم أمهرة خلال الحرب”.
ويضيف أن الخلاف القائم بين الحكومة الفيدرالية ومكونات في إقليم أمهرة يزيد من تعقيد المشهد، ويعكس حجم التشابكات السياسية والأمنية التي تواجهها إثيوبيا في هذه المرحلة الحساسة.
وبالتالي يواجه المنتدى الوطني اختبارا صعبا في سعيه إلى معالجة هذه الملفات المتداخلة وبناء أرضية مشتركة بين الأطراف المختلفة، خاصة وأن عددا من قوى المعارضة كان قد دعا في السابق إلى إطلاق حوار وطني شامل قبل إجراء الانتخابات، باعتباره مدخلا ضروريا لتحقيق الاستقرار والسلام المستدام.
ويختتم بالقول: “رغم حجم التحديات، يبقى الحوار هو الخيار الأكثر واقعية للخروج من الأزمات المتراكمة، ونأمل أن يسهم المنتدى في تعزيز التوافق الوطني وفتح صفحة جديدة تقود إلى السلام والاستقرار في إثيوبيا”.
قضايا خلافية
من جانبه، يرى الباحث في القضايا الاجتماعية والإنسانية بمنطقة شرق إفريقيا، الدكتور علي محمود كلني، في حديث لـ”صفر”، أن ملف الحقوق السياسية والقومية في إثيوبيا يُعد من أكثر الملفات تعقيدا في منطقة القرن الأفريقي، نظرا لتراكم الخلافات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم المختلفة على مدى عقود طويلة، وهي خلافات تحوّلت في بعض المراحل إلى نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية واسعة النطاق.
ويشير كلني إلى أن انعقاد منتدى الحوار الوطني الإثيوبي يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه المبادرة على معالجة جذور الأزمة الإثيوبية، وإرساء مصالحة وطنية شاملة تضع البلاد على طريق الاستقرار المستدام، خاصة أن أبرز القضايا الخلافية في إثيوبيا، يأتي في مقدمتها الحق في المشاركة السياسية العادلة، وحقوق القوميات في إدارة شؤونها المحلية، وآليات توزيع السلطة والثروة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وحدود الحكم الذاتي للأقاليم، وضمانات التمثيل السياسي، وتحقيق المساواة بين المكونات الإثنية المختلفة.
ويضيف أن الحقوق الثقافية واللغوية تمثل بدورها أحد الملفات الحساسة التي ألقت بظلالها على العلاقة بين الدولة الاتحادية وعدد من القوميات، في وقت أسهم فيه غياب توافق وطني واسع حول شكل الدولة وطبيعة النظام الفيدرالي في إطالة أمد التوترات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد.
ويرجح كلني أن ينظر كثيرون إلى منتدى الحوار الوطني باعتباره فرصة تاريخية لمعالجة القضايا الخلافية التي كانت تغذي الصراعات الداخلية لسنوات طويلة، موضحا أن الحوار الشامل يمكن أن يوفر منصة لتبادل الرؤى بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، ويساعد في بناء توافقات وطنية حول مستقبل الدولة وآليات حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وتنبع أهمية المنتدى، بحسب كلني، من كونه يمثل محاولة للانتقال من إدارة الأزمات عبر المقاربات الأمنية إلى معالجتها من خلال الوسائل السياسية والمؤسسية، بما يفتح المجال أمام تسويات أكثر استدامة وقدرة على معالجة أسباب النزاع من جذورها، مؤكدا أن نجاح المنتدى قد يسهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، ويمهد الطريق أمام إصلاحات قانونية ودستورية تستجيب للمطالب الحقوقية المتراكمة.
الشرعية الوطنية
وفي هذا السياق، يلفت محمود كلني إلى أن محدودية مشاركة بعض القوى المرتبطة بأقاليم تيغراي وأمهرة وغيرها من المناطق المتأثرة بالنزاعات تثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المنتدى على تحقيق أهدافه المعلنة، لاسيما في ظل استمرار حالة الاستقطاب السياسي والأمني في عدد من المناطق.
ويؤكد أن التجارب الدولية تشير إلى أن عمليات الحوار والمصالحة تكون أكثر فاعلية عندما تضم جميع الأطراف الرئيسية ذات التأثير السياسي والمجتمعي، إذ إن ضعف التمثيل أو غياب بعض الفاعلين قد يؤدي إلى استمرار شعور شرائح من السكان بالتهميش أو الإقصاء، وهو ما قد يحد من قدرة مخرجات الحوار على اكتساب الشرعية الوطنية اللازمة لإنفاذها على أرض الواقع.
ويشدد على أن معالجة القضايا الحقوقية المرتبطة بالنزاعات المسلحة والانتهاكات السابقة تتطلب مشاركة واسعة تضمن سماع أصوات الضحايا والمجتمعات المتضررة، مؤكدا أن أي تسوية لا تتعامل بجدية مع المظالم التاريخية وأسباب النزاع العميقة قد تتحول إلى محطة جديدة ضمن مسار الأزمات المتكررة، بدلاً من أن تشكل نقطة انطلاق نحو استقرار دائم.
ويرى كلني أن إنهاء الخلافات الإثيوبية يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع حقوق المواطنين فوق الحسابات السياسية الضيقة، وتسعى إلى بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام التنوع القومي والثقافي الذي يميز المجتمع الإثيوبي.
ويعتقد أن المجتمع الدولي يمكن أن يؤدي دورا إيجابيا من خلال دعم جهود الحوار والمصالحة، وتقديم المساندة الفنية والمؤسسية اللازمة لتعزيز مسارات العدالة الانتقالية وحماية حقوق الإنسان، دون المساس بالخيارات السيادية للشعب الإثيوبي، إلى جانب الدور المهم لدول الجوار في تشجيع الاستقرار الإقليمي ودعم الحلول السلمية التي تسهم في الحد من النزاعات وتخفيف آثارها الإنسانية.
ويخلص الباحث في القضايا الاجتماعية والإنسانية بمنطقة شرق إفريقيا إلى أن إثيوبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن يشكل الحوار الوطني مدخلا حقيقيا لمعالجة المظالم التاريخية وتعزيز الحقوق والحريات وترسيخ أسس السلام المستدام، وإما أن تضيع فرصة جديدة إذا أخفقت الأطراف المختلفة في تجاوز خلافاتها والانخراط في عملية سياسية جامعة.

