تشهد البوسنة والهرسك نقاشاً متزايداً حول حضور النساء المسلمات داخل الفضاء الديني، بعدما بدأ بعض المساجد يفتح أبوابه أمام النساء للمشاركة في صلاة الجمعة، في خطوة غير مألوفة داخل مجتمع ظل حضور النساء فيه لهذه الصلاة محدوداً، رغم عدم وجود حظر رسمي يمنع مشاركتهن.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً تدريجياً في موقع النساء داخل المجتمع الإسلامي في البوسنة، حيث تسعى مسلمات متدينات وناشطات وأكاديميات إلى توسيع حضور المرأة داخل المؤسسات الدينية، من دون الخروج عن الإطار الإسلامي أو الدخول في مواجهة مباشرة مع النصوص الدينية، بل عبر إعادة قراءة التراث الديني من زاوية أكثر عدالة تجاه النساء.
وتعد البوسنة والهرسك دولة علمانية يكفل قانونها المساواة بين الرجال والنساء، غير أن المعايير الاجتماعية والثقافية داخل الطوائف الدينية، الإسلامية والكاثوليكية والأرثوذكسية، لا تزال تعكس في جوانب منها تصورات محافظة بشأن أدوار الجنسين، خصوصاً فيما يتعلق بمكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
الدين يعود إلى المجال العام
منذ نهاية حرب البوسنة بين عامي 1992 و1995، تعاظم حضور الدين لدى الجماعات العرقية الرئيسية في البلاد؛ البوشناق المسلمين، والصرب الأرثوذكس، والكروات الكاثوليك.
وفي هذا السياق، ظلت بعض الأسر المسلمة تتمسك بتصورات تقليدية ترى أن دور المرأة يتركز بالأساس في الأمومة ورعاية الأسرة، رغم التحولات الاجتماعية والتعليمية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير ببطء، مع بروز نساء مسلمات متعلمات وناشطات يطالبن بدور أوسع داخل المجتمع الديني، سواء عبر العمل الأكاديمي أو النشاط المدني أو المشاركة في الحياة المؤسسية للطائفة الإسلامية.
وقالت أستاذة علم الاجتماع في جامعة سراييفو، درمانا كوريتش، لـ”دويتش فيله” الألمانية، إن النسويات المسلمات “يكافحن من أجل حقوق المرأة ضمن إطار مرجعي إسلامي”، موضحة أن كثيراً منهن يفعل ذلك من خلال دور فعّال داخل المجتمع من دون التشكيك علناً في تفسيرات القرآن.
وترى كوريتش أن النساء المسلمات المتعلمات أكاديمياً يتعاملن بوعي مع آراء الفقه الإسلامي التقليدي التي منحت النساء أدواراً ثانوية داخل الأسرة والمجتمع، مشيرة إلى أن النسويات الإسلاميات يهتممن بعلاقات بين الجنسين تقوم على الاستقلالية والمسؤولية الفردية، لا على السيطرة أو الهيمنة.
قراءة نسوية للنص الديني
تمثل النسوية الإسلامية في البوسنة جزءاً من تيار أوسع اكتسب تأثيراً في العالم الإسلامي منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث تعمل باحثات وناشطات على قراءة القرآن والتراث الإسلامي من منظور يركز على العدالة والمساواة وكرامة النساء.
وأسهمت الباحثة في دراسات النوع الاجتماعي زيلكا سباهيتش-سيلياك، من جامعة سراييفو، في نشر أفكار الحركة النسوية الإسلامية داخل البوسنة، من خلال ترجمتها إلى البوسنية كتاب “سلطانات منسيات: نساء حاكمات في بلاد الإسلام” لعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي التي تعد واحدة من أبرز رموز النسوية الإسلامية.
وتقول سباهيتش-سيلياك إن الإسلام، مثل غيره من الأديان، تأثر بتفسير نصوصه المقدسة من قبل فقهاء رجال استندوا إلى تجاربهم الشخصية، في حين ظلت تجارب النساء غائبة أو محدودة الحضور.
وتضيف أن العدل مبدأ أساسي في القرآن، ولا يمكن أن يتحقق العدل من دون مساواة النساء في الحقوق.
ولم يظل هذا النقاش محصوراً داخل الجامعات، ففي عام 2021، أسست سباهيتش-سيلياك بالتعاون مع الراهبة الكاثوليكية النسوية يادرانكا ريبيكا أنيتش المدرسة الإلكترونية “النسوية والدين”، في محاولة لترسيخ دراسة العلاقة بين الدين والنوع الاجتماعي داخل الحقل الأكاديمي والمجتمعي.
مواجهة تبرير العنف
برز حضور النسوية الإسلامية أيضاً في النقاشات المتعلقة بالعنف الأسري، ففي عام 2023 انتقدت سباهيتش-سيلياك فقهاء مسلمين يبررون عنف الأزواج ضد زوجاتهم بالاستناد إلى الآية 34 من سورة النساء، وذلك ضمن حملة لمناهضة العنف الأسري.
وتبنى الإمام المؤثر سنايد زايموفيتش جانباً من هذه الحجج، وأبدى انفتاحاً على تفسير جديد للآية، مؤكداً في بيان فقهي أن القرآن لا يجوز استخدامه لتبرير هيمنة الذكور أو العنف ضد المرأة.
وتعكس هذه النقاشات تحولاً في طريقة التعامل مع القضايا الدينية والاجتماعية داخل البوسنة، حيث لم تعد المطالب النسوية محصورة في المجال المدني، بل أصبحت تدخل أيضاً إلى مساحة الفقه والتفسير والخطاب الديني.
الصلاة ومساحة الظهور
تقول عالمة الاجتماع درمانا كوريتش إن النساء المسلمات اكتسبن خلال العقود الأخيرة مساحة كبرى داخل المجتمع الإسلامي، حتى وإن كانت الخطوات لا تزال محدودة وتدريجية.
ومن بين أبرز مظاهر هذا التغير، سعي النساء إلى المشاركة في صلاة الجمعة، وهي ممارسة لم تكن ممنوعة رسمياً، لكنها ظلت غائبة إلى حد كبير نتيجة ثقافة دينية واجتماعية يهيمن عليها الرجال.
وفي أبريل 2026 شجع مجلس الشؤون الدينية التابع للطائفة الإسلامية في مدينة زينيتسا النساء المسلمات على المشاركة في صلاة الجمعة في جميع مساجد المدينة وضواحيها.
كما فتح مسجدان في سراييفو أبوابهما أمام النساء لأداء صلاة الجمعة، حيث يصلين في أماكن منفصلة عن الرجال، إما في صالة خاصة أو في شرفة داخل المسجد.
ولا تبدو هذه الخطوة رمزية فقط، بل تعبر عن رغبة متزايدة لدى المسلمات المتدينات في ألا يبقين غير مرئيات داخل الفضاء الديني، وأن يكون لهن حضور فعلي في واحدة من أهم الشعائر الجماعية الأسبوعية.
مواقع القرار لا تزال محدودة
رغم هذا التقدم، لا تزال مشاركة النساء في مواقع القرار داخل المؤسسات الإسلامية محدودة، فلا توجد حتى الآن أستاذات للفقه الإسلامي في كليات الفقه في البوسنة، رغم وجود أستاذات في مجالات اللغة والتربية، وعمل فقيهات شابات مساعدات في الكليات، ما يفتح الباب أمام إمكانية وصولهن إلى مناصب أستاذية في السنوات المقبلة.
كما أن النسويات المسلمات في البوسنة لا يطرحن حالياً مطلب وجود إمامات نساء، على غرار بعض التجارب في المجتمعات الإسلامية الغربية، مثل الولايات المتحدة، حيث أثارت الباحثة أمينة ودود اهتماماً عالمياً عام 2005 عندما أمّت صلاة جمعة مختلطة في نيويورك.
وتعود البنية المؤسسية للمجتمع الإسلامي في البوسنة إلى عهد حكم آل هابسبورغ بين عامي 1878 و1918، حين اعترفت الإمبراطورية النمساوية المجرية بالمسلمين بوصفهم جماعة دينية، وأنشأت لهم تنظيماً إدارياً مستوحى من الهياكل الكنسية المسيحية، واستحدثت منصب “رئيس العلماء” الذي لا يزال حتى اليوم أعلى سلطة دينية تمثل المسلمين في البلاد.
تحول بطيء لكنه مؤثر
تكشف تجربة المسلمات في البوسنة والهرسك أن معركة المساواة داخل المؤسسات الدينية لا تجري دائماً عبر الصدام المباشر، بل قد تتقدم أحياناً عبر خطوات هادئة: ترجمة كتاب، أو فتح نقاش فقهي، أو تخصيص مساحة للنساء في صلاة الجمعة، أو وصول فقيهة شابة إلى موقع أكاديمي.
وبين مجتمع علماني قانونياً لكنه محافظ اجتماعياً، ومؤسسات دينية بدأت تنفتح ببطء على حضور النساء، تبدو البوسنة أمام تحول تدريجي يعيد طرح سؤال المساواة داخل المجال الديني: كيف يمكن للنساء أن يكنّ حاضرات لا بوصفهن متلقيات فقط، بل صاحبات معرفة وتأثير وحق في المشاركة؟
