منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تفوق للتشريعات وفشل لجهود الحماية.. في جنوب أفريقيا النساء تواجهن العنف والقتل وضياع الحقوق

04 يونيو 2026
قلق حقوقي إزاء تراجع حقوق المرأة في جنوب إفريقيا
قلق حقوقي إزاء تراجع حقوق المرأة في جنوب إفريقيا

في جنوب إفريقيا لا تحتاج المرأة إلى البحث طويلاً عن حقوقها في القوانين، فهي موجودة بوضوح في الدستور والتشريعات والسياسات العامة، لكن المشكلة تبدأ عندما تحاول الاعتماد عليها، ففي بلد يملك واحدة من أكثر المنظومات القانونية تقدماً في العالم لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ما تزال النساء يواجهن مستويات مرتفعة من العنف والقتل، في مفارقة تكشف أن قوة التشريع لا تعني بالضرورة قوة الحماية.

وبعد ثلاثة عقود على نهاية نظام الفصل العنصري، ما يزال العنف ضد النساء والفتيات أحد أكثر التحديات الحقوقية إلحاحاً في البلاد، وبين نصوص قانونية متقدمة وواقع يومي مثقل بالعنف، يبرز سؤال جوهري.. لماذا تعجز السياسات العامة عن حماية النساء رغم كل ما تحقق على مستوى التشريع؟

تكتسب الحالة الجنوب إفريقية أهمية خاصة لأنها تجمع بين عنصرين متناقضين: منظومة قانونية تعد من الأكثر تقدماً في القارة الإفريقية، ومستويات مرتفعة من العنف ضد النساء تضع البلاد بين أكثر دول العالم تسجيلاً لجرائم قتل الإناث خارج مناطق النزاعات المسلحة.

وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب القوانين، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى حماية فعلية.

أرقام تكشف حجم الأزمة

بحسب إحصاءات جهاز الشرطة في جنوب إفريقيا للربع الثاني من العام المالي 2024/2025، قُتلت 1172 امرأة خلال ثلاثة أشهر فقط، أي بمعدل يقارب 13 امرأة يومياً، كما سُجلت 1514 محاولة قتل لنساء، وأكثر من 13 ألف حالة اعتداء بدني جسيم، إلى جانب 10695 جريمة اغتصاب خلال الفترة نفسها.

وفي الربع الثالث من العام نفسه ارتفع عدد النساء اللواتي قُتلن إلى 1223 امرأة، في حين سُجلت نحو 12 ألف حالة اغتصاب، بينها أكثر من 5 آلاف حالة استهدفت قاصرات.

كما تشير تحليلات معهد الدراسات الأمنية إلى أن العنف الأسري يقف خلف ما بين 40 و50 بالمئة من جرائم القتل المرتكبة بحق النساء.

أما المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، ريم السالم، فقد خلصت في تقريرها المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان عام 2024 إلى أن جنوب إفريقيا تسجل معدلات قتل للنساء تقارب خمسة أضعاف المتوسط العالمي، محذرة من أن الإفلات من العقاب ما يزال أحد أبرز أسباب استمرار العنف.

قوانين لا تصل إلى الضحايا

يصعب تفسير الأزمة بوجود فراغ تشريعي. فجنوب إفريقيا تمتلك قانوناً متقدماً للعنف الأسري، وتشريعات شاملة للجرائم الجنسية، وقانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر، فضلاً عن دستور يكرس المساواة والكرامة الإنسانية ويحظر التمييز.

كما أطلقت الحكومة الخطة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي وقتل الإناث للفترة 2020-2030، وأنشأت محاكم متخصصة ومراكز متكاملة لرعاية الضحايا.

لكن تقارير حقوقية متعددة تؤكد أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية، بل في ضعف تنفيذها، فقد وصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” العنف ضد النساء بأنه ما يزال متوطناً، مشيرة إلى أن استجابة الدولة تعاني نقص التمويل وضعف المساءلة واستمرار ثقافة الإفلات من العقاب.

شرطة منهكة وعدالة بطيئة

يرى خبراء أن الفجوة بين القانون والواقع تبدأ من أقسام الشرطة نفسها. فالوحدات المختصة بالعنف الأسري والجرائم الجنسية تعاني نقصاً في الكوادر والتدريب، في حين يطول زمن الاستجابة للبلاغات في كثير من الحالات. كما تبقى نسب الإدانة في جرائم الاغتصاب منخفضة مقارنة بحجم القضايا المسجلة، نتيجة بطء التحقيقات وضعف جمع الأدلة وتعقيد الإجراءات القضائية.

ولا تبدو هذه الفجوة نظرية فقط. فقد وثقت المقررة الأممية حالة امرأة من سويتو حصلت على أمر حماية ضد زوجها السابق بعد تعرضها للعنف المتكرر، إلا أن الشرطة لم تستجب لبلاغاتها المتعددة بشأن خرق أمر الحماية. وبعد أسابيع قُتلت أمام أطفالها على يد المعتدي نفسه.

وأصبحت القضية إحدى الحالات التي استشهدت بها منظمات حقوقية لإظهار الفجوة بين الحماية القانونية الممنوحة على الورق والحماية الفعلية على أرض الواقع.

وتشير المقررة الأممية إلى أن الإفلات من العقاب أصبح في كثير من الأحيان القاعدة لا الاستثناء، بدءاً من عدم تسجيل بعض الشكاوى بصورة سليمة، وصولاً إلى تعثر التحقيقات وتراجع فرص الوصول إلى العدالة.

غياب التمويل يضعف الحماية

تواجه الخطة الوطنية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي أزمة تمويل حادة. فبحسب تقارير محلية، عانت الخطة من عجز تراكمي يقدر بنحو سبعة مليارات راند خلال سنواتها الأولى، ما انعكس على قدرة الدولة على توسيع الملاجئ وتوظيف الأخصائيين الاجتماعيين وتنفيذ برامج الوقاية المجتمعية.

وحذرت لجنة المساواة بين الجنسين، وهي هيئة دستورية مستقلة، من أن نقص التمويل يحول الحقوق الدستورية إلى وعود يصعب ترجمتها إلى حماية ملموسة، خصوصاً بالنسبة للنساء في المناطق الفقيرة والمهمشة.

ويبدو أن السلطات الجنوب إفريقية باتت تدرك حجم الفجوة بين التشريع والحماية. ففي خطاب حالة الأمة مطلع عام 2026، أقر الرئيس سيريل رامافوزا بأن النساء ما زلن لا يشعرن بالأمان رغم التطور القانوني، مشيراً إلى أن امرأة تُقتل كل ثلاث ساعات تقريباً.

وأعلن عن مشروع قانون جديد لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي وتخصيص 2.5 مليار راند إضافية لتوسيع مراكز الرعاية المتكاملة، في خطوة تعكس اعترافاً رسمياً بأن المنظومة الحالية ما تزال عاجزة عن توفير الحماية الكافية.

في مواجهة هذا الواقع، لعبت الحركات النسوية ومنظمات المجتمع المدني دوراً محورياً في الضغط من أجل الإصلاح وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا. فقد أسهمت حملات مثل #TheTotalShutdownو#AmINext في دفع ملف العنف ضد النساء إلى صدارة النقاش العام، وأجبرت السلطات على تبني خطوات سياسية وتشريعية إضافية.

كما نجحت منظمات قانونية في استصدار أحكام قضائية أكدت مسؤولية الشرطة عن التعامل الجاد مع بلاغات العنف الأسري، غير أن هذه المنظمات تواجه تحديات كبيرة نتيجة محدودية التمويل واتساع نطاق الاحتياجات، ما يجعلها تعمل في ظروف استثنائية لسد فجوات كان يفترض أن تغطيها المؤسسات الرسمية.

ما الذي ينقص المنظومة؟

تُظهر تجارب دول أخرى مثل إسبانيا أن نجاح التشريعات لا يرتبط بوجود القوانين وحدها، بل بمنظومة تنفيذ متكاملة تشمل محاكم متخصصة وتمويلاً مستداماً وتنسيقاً فعالاً بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية. أما في جنوب إفريقيا فما تزال الفجوة واسعة بين الطموح التشريعي والقدرة المؤسسية على حماية الضحايا.

وتكشف أزمة العنف ضد النساء في جنوب إفريقيا أن الحقوق لا تُقاس بعدد القوانين التي تُسنّ، بل بقدرة النساء على الشعور بالأمان والثقة في أن المؤسسات ستستجيب عندما يطلبن الحماية، فحين تعجز الدولة عن تنفيذ ما تكتبه في تشريعاتها، تتحول النصوص القانونية إلى وعود معلقة، ويبقى الحق في الحياة والكرامة رهيناً بقدرة المؤسسات على إنفاذ العدالة لا مجرد إعلانها.