كشف تقرير تربوي موسّع عن أوضاع مقلقة يعيشها قطاع التعليم في مدينة أضنة التركية، حيث تتداخل أزمات الفقر وضعف البنية التحتية والتمييز اللغوي والجندري مع تراجع فرص التعليم المتكافئ، ما يرسم صورة صعبة لحياة آلاف الطلاب داخل المدارس الحكومية والمهنية في المدينة.
وبحسب تقرير أصدره اتحاد موظفي التعليم والعلوم عبر لجنة التعليم الديمقراطي في أضنة، تحت عنوان “أي تعليم نريد؟ تحليل البنية والواقع القائم، ونموذج التعليم الديمقراطي من أجل الطبيعة والإنسان والمجتمع”، فإن المؤسسات التعليمية في المدينة تواجه تحديات عميقة تمس البيئة الدراسية والعدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية للطلاب، واستند التقرير إلى دراسة ميدانية واسعة شملت 26 مدرسة موزعة على مراحل تعليمية مختلفة في مناطق سيحان وتشوكوروفا ويورغير وصاريجام وقوزان، ويبلغ عدد طلابها أكثر من 18 ألف طالب.
ويقدّم التقرير قراءة تفصيلية للواقع اليومي الذي يعيشه الطلاب داخل المدارس، بداية من الفقر ونقص الغذاء، وصولا إلى القيود المفروضة على الخيارات التعليمية، فضلا عن غياب المساواة والتمييز اللغوي والاجتماعي الذي يواجهه عدد كبير من الأطفال.
فقر يطارد الأسر والطلاب
وأظهرت نتائج الدراسة أن الغالبية الساحقة من أسر الطلاب في تركيا تعيش أوضاعا اقتصادية شديدة الصعوبة، حيث تقع نحو 90 بالمئة من الأسر تحت خط الفقر، بينما يعيش 60 بالمئة منها بدخل شهري يقل عن 49 ألف ليرة تركية.
كما كشف التقرير أن نسبة الأسر التي يتجاوز دخلها الشهري 100 ألف ليرة لا تتعدى 9 بالمئة فقط، ما يعكس اتساع الفجوة الاجتماعية وتأثيرها المباشر على العملية التعليمية ومستوى معيشة الطلاب.
ويبدو أثر هذا الواقع واضحا داخل المدارس، إذ أظهرت البيانات أن 40 بالمئة من الأطفال لا يملكون مصروفا يوميا ثابتا، فيما لا يحصل أكثر من 22 بالمئة منهم على أي مصروف في معظم أيام الأسبوع.
كما أشار التقرير إلى أن عشرات الطلاب يذهبون إلى مدارسهم دون تناول وجبة الفطور، حيث أكد 47 بالمئة من طلاب أضنة أنهم لا يتناولون الطعام قبل الذهاب إلى المدرسة خلال أربعة أو خمسة أيام أسبوعيا، بينما لا يستطيع نحو نصف الطلاب إحضار الفاكهة أو الطعام الخفيف معهم إلى المدرسة.
بنية تحتية متدهورة
ولم تتوقف المشكلات عند الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى واقع البنية التحتية داخل المؤسسات التعليمية في تركيا، حيث أظهرت الدراسة أن 69.2 بالمئة من المدارس لا تحتوي على مصاعد، فيما لا تتجاوز نسبة المدارس التي تمتلك مصاعد فعالة 23.1 بالمئة فقط.
وتتفاقم الأزمة في المدارس المهنية والتقنية، إذ تفتقر غالبية هذه المدارس إلى وسائل الوصول المناسبة للطلاب من ذوي الإعاقة، ما يحرمهم من حقهم الكامل في التعليم والحركة داخل المدرسة.
كما كشف التقرير عن نقص واضح في الخدمات الأساسية، حيث أفاد 24.3 بالمئة من الطلاب بأن مدارسهم لا تحتوي على مصادر مياه صالحة خارج دورات المياه، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق بالصحة العامة وظروف البيئة المدرسية.
قيود على الخيارات التعليمية
ورصد التقرير أيضًا مشكلات مرتبطة بالمناهج الدراسية والخيارات التعليمية المتاحة أمام الطلاب، حيث تقدم نصف المدارس تقريبًا الدروس الاختيارية ضمن حزم محددة مسبقا، دون منح الطلاب حرية حقيقية في اختيار المواد التي تناسب ميولهم وقدراتهم.
وتظهر هذه القيود بصورة أكبر في المدارس المهنية والتقنية، إذ تقدم غالبية هذه المؤسسات برامج دراسية مغلقة، فيما لا تفتح بعض المواد التعليمية إطلاقا، ما يحد من فرص التنوع الأكاديمي ويجبر الطلاب على مسارات تعليمية محددة سلفا.
كما كشف التقرير أن أكثر من 83 بالمئة من المدارس لا توفر خيار تعلم لغة أجنبية ثانية، في وقت تغيب فيه هذه الفرصة تماما عن المدارس المهنية، الأمر الذي يضعف من قدرة الطلاب على اكتساب مهارات لغوية إضافية قد تساعدهم مستقبلا في سوق العمل.
تمييز لغوي وجندري
وألقى التقرير الضوء على مظاهر التمييز التي يواجهها الطلاب داخل البيئة التعليمية، خصوصا في مدينة تتميز بتنوعها الثقافي واللغوي مثل أضنة.
وأظهرت البيانات أن أكثر من 92 بالمئة من الطلاب يتعرضون بشكل أو بآخر لمعاملة تمييزية، فيما أكد التقرير أن واحدا من كل ثلاثة طلاب يتعرض للتمييز من قِبَل المعلمين أنفسهم.
ورغم تنوع اللغات الأم بين التركية والكردية والعربية، فإن 90.5 بالمئة من المدارس لا تقدم أي برامج أو خيارات لتعليم اللغة الأم، ما يفاقم الصعوبات التعليمية لدى الطلاب الذين لا تعد التركية لغتهم الأولى.
كما أشار التقرير إلى أن 77.8 بالمئة من المدارس أقرت بوجود صعوبات تعليمية يواجهها الطلاب بسبب اختلاف لغاتهم الأم، وهو ما يعكس غياب سياسات تعليمية تراعي التعدد الثقافي واللغوي داخل المجتمع.
ولم تقتصر الممارسات التمييزية على الجانب اللغوي فقط، بل امتدت إلى الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، حيث تسجل المدارس استخدام عبارات تُكرِّس الفصل التقليدي بين أدوار البنات والأولاد داخل البيئة الدراسية.
العمل المبكر والتعليم المهني
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للقلق في التقرير، ارتباط الفقر بتوجه أعداد كبيرة من الأطفال نحو مراكز التعليم المهني والعمل المبكر.
وأوضح التقرير أن نسبة كبيرة من طلاب التعليم المهني تنتمي إلى أسر منخفضة الدخل، فيما يعمل نصف هؤلاء الطلاب ما بين خمسة وستة أيام أسبوعيا، مع تعرض ثلثيهم لساعات عمل إضافية قسرية.
ورغم أن الطلاب يحضرون الدراسة يوما واحدا فقط أسبوعيا، فإن أكثر من نصفهم غير قادرين على متابعة الدروس بشكل منتظم بسبب ضغوط العمل والإرهاق المستمر.
ويرى معدو التقرير أن هذه الظروف تدفع الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة على حساب تعليمهم، ما يعمق دائرة الفقر والتهميش الاجتماعي مستقبلا.
شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تحديات اقتصادية متصاعدة انعكست بصورة مباشرة على قطاع التعليم ومستوى معيشة الأسر، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية، وتعد مدينة أضنة، الواقعة جنوب تركيا، من المدن التي تضم تنوعا سكانيا وثقافيا واسعا، حيث يعيش فيها أتراك وأكراد وعرب إلى جانب فئات اجتماعية منخفضة الدخل، وخلال الأعوام الأخيرة، تصاعدت النقاشات داخل الأوساط التعليمية والنقابية بشأن قضايا العدالة التعليمية وحقوق الطلاب والبنية التحتية للمدارس، في ظل اتهامات متكررة بوجود فجوات كبيرة في فرص التعليم بين المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، كما يثير ملف التعليم المهني وعمالة الأطفال مخاوف متزايدة لدى منظمات حقوقية تعتبر أن الضغوط الاقتصادية تدفع أعدادا متزايدة من الطلاب إلى ترك التعليم أو الجمع بين الدراسة والعمل في ظروف صعبة تؤثر على مستقبلهم الأكاديمي والاجتماعي.
