تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات التغير المناخي على الاقتصاد العالمي، بعدما حذرت مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس للدراسات الاقتصادية من أن الظواهر الجوية المتطرفة قد تدفع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي يهدد بزيادة معدلات التضخم في أوروبا بصورة تفوق اقتصادات مجموعة الدول الصناعية السبع.
وبحسب دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس ونقلتها وكالة “بلومبرغ نيوز”، فإن صدمة حادة في أسعار الغذاء ناجمة عن التقلبات المناخية يمكن أن ترفع أسعار المواد الغذائية في منطقة اليورو بمقدار 1.6 نقطة مئوية سنويا، وهو ما سينعكس مباشرة على معدلات التضخم الرئيسية داخل اقتصادات العملة الأوروبية الموحدة.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الخبيران روبرت ماركس ورونان هيجارتي، أن ارتفاع أسعار الغذاء بهذا الشكل قد يضيف نحو 0.6 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العام في منطقة اليورو، في وقت تعاني فيه الاقتصادات الأوروبية بالفعل من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القوة الشرائية للأسر.
ضغوط اقتصادية متصاعدة
ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء سيضع البنوك المركزية الأوروبية أمام تحديات أكثر تعقيدا، خاصة مع اضطرارها إلى الموازنة بين كبح التضخم والحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي.
وتشير الدراسة إلى أن ارتفاع تكاليف الغذاء قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، في محاولة للسيطرة على موجات التضخم المتوقعة، وهو ما قد ينعكس سلبا على الاستثمار والاستهلاك وسوق العمل.
كما حذرت الدراسة من أن تداعيات التغير المناخي لم تعد مجرد تهديد بيئي بعيد المدى، بل أصبحت عاملا اقتصاديا مباشرا يؤثر على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية.
وأكد الباحثان أن تغير المناخ وتدهور الطبيعة يسهمان بصورة متزايدة في رفع أسعار الغذاء وزيادة تقلباتها، ما يشكل خطرا طويل الأمد على استقرار الاقتصادات العالمية، خصوصا مع تكرار الظواهر الجوية القاسية بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
كوارث مناخية تضرب المحاصيل
وأوضحت الدراسة أن عددا متزايدا من الارتفاعات الحادة في أسعار السلع الغذائية العالمية بات مرتبطا مباشرة بالكوارث الطبيعية وموجات الحر والجفاف والفيضانات.
ففي البرازيل، أدى الجفاف الحاد إلى تراجع إنتاج القهوة بشكل كبير، ما تسبب في ارتفاع أسعارها عالميا بنسبة بلغت 55 بالمئة بين عامي 2023 و2024.
كما شهدت غانا وساحل العاج موجات حر شديدة أثرت بصورة مباشرة على محاصيل الكاكاو، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعاره عالميا بنسبة وصلت إلى 280 بالمئة، وفقا لما ورد في الدراسة.
وتعكس هذه الأرقام هشاشة سلاسل الإمداد الغذائية العالمية أمام التغيرات المناخية، خاصة مع اعتماد الأسواق الدولية على عدد محدود من الدول المنتجة لبعض السلع الاستراتيجية.
أوروبا الأكثر تأثرا
وتشير الدراسة إلى أن اقتصادات منطقة اليورو تبدو أكثر حساسية لتقلبات الأسواق الغذائية العالمية مقارنة ببقية اقتصادات مجموعة السبع.
ففي حال تعرض الأسواق العالمية لصدمة غذائية جديدة، قد ترتفع أسعار الغذاء في بريطانيا بنحو نقطة مئوية واحدة، مقابل 0.28 نقطة مئوية في الولايات المتحدة و0.35 نقطة في اليابان، بينما ستكون التأثيرات أشد وضوحا داخل منطقة اليورو.
ويرجع ذلك إلى اعتماد أوروبا بشكل كبير على الواردات الزراعية والطاقة، إضافة إلى هشاشة بعض القطاعات الإنتاجية أمام التغيرات المناخية، خاصة في ظل موجات الحر الشديدة التي تضرب القارة الأوروبية خلال الفترة الحالية.
وتواجه عدة دول أوروبية بالفعل ظروفا مناخية قاسية هذا الصيف، مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار، الأمر الذي يهدد إنتاج المحاصيل الزراعية ويزيد من مخاطر اضطراب سلاسل التوريد الغذائية.
تحذيرات أممية متزايدة
وتتزامن هذه التحذيرات الاقتصادية مع تقارير أممية متكررة تؤكد أن العالم يقترب من مستويات خطيرة من الاحترار المناخي، قد تؤدي إلى أزمات غذائية ومائية واسعة النطاق خلال العقود المقبلة.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت مرارا من أن الفشل في الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري سيؤدي إلى زيادة موجات الجفاف والفيضانات والعواصف، وهو ما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويؤثر بصورة مباشرة على حياة ملايين البشر.
كما تؤكد منظمات دولية معنية بالمناخ أن الدول النامية ستكون الأكثر تضررا من هذه التداعيات، رغم أنها الأقل مساهمة في الانبعاثات الكربونية، في وقت يتزايد فيه القلق من اتساع فجوة الغذاء وارتفاع معدلات الفقر والجوع عالميا.
ويحذّر خبراء البيئة من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من العالم، مع زيادة الضغوط على الموارد المائية وتفاقم الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ.
تشهد الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من اضطرابات أسعار الغذاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها التغير المناخي والنزاعات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ويعتبر قطاع الزراعة من أكثر القطاعات تأثرا بالاحتباس الحراري، حيث تؤدي موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع الإنتاج وتلف المحاصيل وتعطل سلاسل الإمداد، وتؤكد تقارير دولية أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت أكثر تكرارا وحدة مقارنة بالعقود الماضية، ما دفع المؤسسات الاقتصادية والأممية إلى التحذير من تداعيات مباشرة على معدلات التضخم والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي العالمي، خاصة في الدول الأكثر اعتمادا على الواردات الغذائية مثل دول الاتحاد الأوروبي.
