منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العراق وملف المفقودين.. فتح مقابر جماعية جديدة يعيد أسئلة العدالة المؤجلة

18 مايو 2026
أحد المقابر الجماعية في العراق
أحد المقابر الجماعية في العراق

فتح ملف المقابر الجماعية في العراق مجدداً مع إعلان الجهات المختصة عن بدء أعمال فتح سبع مقابر جماعية في منطقة عكاز بناحية الصقلاوية في محافظة الأنبار، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، والمتصل بسنوات من العنف السياسي والنزاعات المسلحة التي خلّفت آلاف المفقودين في مختلف المحافظات.

فتح المقابر في الأنبار

نقلت وكالة الأنباء العراقية عن مؤسسة الشهداء أن الفرق المختصة باشرت فتح سبع مقابر جماعية في منطقة عكاز ضمن ناحية الصقلاوية في محافظة الأنبار، مع ترجيحات أولية بأن هذه المواقع تعود إلى فترة النظام السابق خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت عمليات قمع واسعة وانتهاكات موثقة في عدد من مناطق البلاد.

ويأتي هذا التحرك ضمن سلسلة عمليات مستمرة تنفذها الجهات المختصة في العراق للكشف عن مصير المفقودين، بالتعاون مع فرق الطب العدلي والأدلة الجنائية، في وقت تشير فيه السلطات إلى صعوبات تتعلق بطبيعة المواقع ومرور عقود على عمليات الدفن المفترضة.

دعوات لتحقيق مستقل

في موازاة الإعلان الرسمي، طالب مركز جنيف الدولي للعدالة السلطات العراقية بفتح تحقيق مستقل وذي طابع مهني في ملف المقابر الجماعية المكتشفة في الأنبار، محذراً من خطورة التسرع في تفسير نتائج الاكتشاف أو ربطها بسياقات سياسية قبل استكمال الفحوص العلمية.

وأوضح المركز في بيان صادر من جنيف أن التعامل مع المقابر الجماعية يجب أن يخضع لمعايير القانون الدولي الإنساني باعتبارها مسارح جرائم تتطلب حماية الأدلة الجنائية وضمان سلامة إجراءات التوثيق، مؤكداً أن أي استنتاجات مسبقة بشأن هوية الضحايا أو توقيت دفنهم قد تؤثر في مسار العدالة.

وأشار المركز إلى أن بعض التصريحات الصادرة محلياً حول هوية الرفات أو زمن دفنها جاء قبل استكمال التحاليل المخبرية أو مطابقة الحمض النووي، وهو ما اعتبره انتهاكاً لمبدأ التثبت العلمي في قضايا المفقودين.

ملف إنساني مفتوح

يشدد مركز جنيف الدولي للعدالة على أن كل رفات يتم العثور عليه يمثل إنساناً له اسم وعائلة وسيرة حياة، وأن التعامل مع هذه المواقع يجب أن يتم بوصفها ملفات إنسانية وقانونية في آن واحد، وليس مجرد اكتشافات مادية.

ويؤكد المركز أن عائلات المفقودين لها حق أصيل في معرفة الحقيقة، وأن أي تأخير أو ارتباك في إجراءات التحقيق يزيد من حجم المعاناة النفسية والاجتماعية لتلك العائلات التي ما زالت تنتظر إجابات منذ عقود.

ملف المقابر الجماعية في العراق

تعد المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات المرتبطة بفترات النزاع السياسي والعسكري التي مرت بها البلاد خلال العقود الأخيرة، خصوصاً في مرحلة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وما أعقبها من حروب وصراعات داخلية بعد عام 2003 ثم فترة سيطرة تنظيم داعش في عدد من المحافظات.

وتشير تقديرات خبراء في شؤون العدالة الانتقالية إلى احتمال وجود ما يصل إلى 300 ألف ضحية مدفونة في مواقع مختلفة داخل العراق، تم اكتشاف عدد كبير منها خلال عمليات تنقيب وتحقيقات جنائية امتدت لسنوات في محافظات متعددة، بينها الأنبار ونينوى وبابل وديالى.

كما تفيد تقارير حقوقية بأن الضحايا ينتمون إلى مكونات اجتماعية ودينية مختلفة، منها مجموعات كردية وشيعية ومسيحية، إضافة إلى مدنيين فقدوا خلال عمليات عسكرية أو حملات قمع في فترات متعاقبة من تاريخ البلاد.

اليوم الوطني للمقابر الجماعية

يحيي العراق في السادس عشر من مايو من كل عام اليوم الوطني للمقابر الجماعية، وهو مناسبة رسمية تستحضر واحدة من أكثر المراحل دموية في التاريخ الحديث للبلاد، وتسلط الضوء على استمرار جهود البحث عن المفقودين في مختلف المحافظات.

وتؤكد المؤسسات الحكومية المعنية أن هذا اليوم يمثل فرصة لتجديد الالتزام بملف حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، والعمل على توثيق الجرائم السابقة وضمان عدم تكرارها، إلى جانب دعم عائلات الضحايا التي ما زالت تنتظر معرفة مصير ذويها.

تشكيل لجنة تحقيق مستقلة

دعا مركز جنيف الدولي للعدالة إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم خبراء في الطب العدلي والأدلة الجنائية وحقوق الإنسان، مع إمكانية إشراك أطراف دولية لضمان الحياد المهني في التعامل مع ملف المقابر الجماعية في الأنبار وبقية المحافظات.

كما طالب المركز بإنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة للمفقودين، وربطها بفحوص الحمض النووي، ما يسمح بمطابقة الرفات مع عائلات الضحايا بشكل علمي ودقيق، بعيداً عن الاجتهادات أو التقديرات غير المثبتة.

وشدد البيان على ضرورة تأمين مواقع المقابر فوراً، ومنع أي عبث محتمل بالأدلة، مع ضمان إشراك عائلات المفقودين في مراحل التحقيق وإطلاعهم على تطورات العمل بشكل منتظم.

القانون الدولي ومسؤولية حماية الأدلة

يؤكد خبراء في القانون الدولي الإنساني أن المقابر الجماعية تعد أدلة جنائية حساسة تخضع لمعايير صارمة في الحماية والتوثيق، وأن أي خلل في التعامل معها قد يؤدي إلى ضياع معلومات حاسمة تتعلق بهوية الضحايا وظروف وفاتهم.

ويشير هؤلاء إلى أن بروتوكولات الأمم المتحدة الخاصة بعمليات استخراج الرفات تتطلب إجراءات دقيقة تشمل التوثيق الميداني، والتحليل الجنائي، وحفظ العينات البيولوجية، وربطها ببيانات المفقودين، ما يضمن إمكانية الوصول إلى نتائج موثوقة.

يعيد فتح المقابر الجماعية في الأنبار فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق، وهو ملف يتجاوز كونه قضية جنائية إلى كونه اختباراً حقيقياً لمسار العدالة الانتقالية في البلاد، وبين تصريحات الجهات الرسمية، وتحذيرات المنظمات الحقوقية الدولية، يظل التحدي الأساسي مرتبطاً بقدرة المؤسسات المعنية على ضمان تحقيق علمي مستقل يحفظ كرامة الضحايا ويستجيب لحق عائلاتهم في معرفة الحقيقة، بعيداً عن أي استقطابات سياسية أو قراءات متعجلة للتاريخ.