منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“الجنائية الدولية” تفتح ملف الجرائم في ليبيا وتعيد آمال العدالة لضحايا الانتهاكات

14 مايو 2026

اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن جلسة اعتماد التهم المرتقبة أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق خالد محمد علي الهيشري تمثل تطوراً مفصلياً طال انتظاره في مسار العدالة المتعلقة بالجرائم الخطيرة المرتكبة في ليبيا، مؤكدة أن هذه الخطوة تعيد الأمل لآلاف الضحايا الذين ظلوا لسنوات يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

وبحسب بيان صادر عن المنظمة الحقوقية الدولية، اطلعت عليه منصة “صفر“، تستعد المحكمة الجنائية الدولية لعقد جلسات من 19 إلى 21 مايو 2026 للنظر في الأدلة المقدمة ضد الهيشري، وذلك بهدف تحديد ما إذا كانت القضية ستحال رسمياً إلى المحاكمة، وتعد هذه القضية الأولى من نوعها التي يمثل فيها متهم أمام المحكمة على خلفية الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ قرار مجلس الأمن الدولي عام 2011 بإحالة الملف الليبي إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الانتهاكات التي رافقت أحداث الثورة الليبية.

رسالة إلى الضحايا

وقالت أليس أوتين، الباحثة المعنية بالعدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش، إن ظهور مشتبه به أمام المحكمة بعد مرور 15 عاماً على انتهاء ثورة 2011 يبعث برسالة واضحة إلى ضحايا الجرائم الخطيرة في ليبيا بأن مطالبهم بالعدالة لم يتم تجاهلها، مشيرة إلى أن استمرار الانتهاكات في عدة مناطق ليبية يؤكد الحاجة الملحة إلى إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي ما تزال تغذي العنف وعدم الاستقرار.

اتهامات بجرائم خطيرة

ويواجه الهيشري، وهو قيادي سابق في جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في طرابلس، 17 تهمة تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل التعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والقتل والاستعباد والاضطهاد، وتقول المحكمة إن هذه الجرائم ارتكبت داخل سجن معيتيقة في العاصمة طرابلس خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2020 بحق معتقلين ليبيين وأجانب.

وتشير ادعاءات مكتب الادعاء إلى أن الهيشري لعب دوراً مباشراً في تنفيذ هذه الانتهاكات أو إصدار الأوامر المتعلقة بها مستنداً إلى النفوذ والصلاحيات التي كان يتمتع بها داخل السجن.

اعتقال وتسليم إلى لاهاي

وكانت السلطات الألمانية قد ألقت القبض على الهيشري في يوليو 2025 تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تقوم بتسليمه رسمياً إلى المحكمة في مدينة لاهاي خلال ديسمبر من العام نفسه.

واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن تعاون ألمانيا مع المحكمة يمثل نموذجاً مهماً لالتزام الدول الأعضاء بواجباتها القانونية تجاه المحكمة الجنائية الدولية، خاصة في ظل ما وصفته المنظمة بحالات تقاعس من دول أخرى عن التعاون الكامل.

انتقادات لإيطاليا وليبيا

وفي هذا السياق، أعادت المنظمة التذكير بقضية أسامة المصري نجيم، المتهم بالمشاركة في الجرائم المرتكبة داخل سجن معيتيقة، والذي اعتقلته السلطات الإيطالية مطلع عام 2025 قبل أن تعيده إلى ليبيا بدلاً من تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما دفع قضاة المحكمة لاحقاً إلى اعتبار إيطاليا مخلة بالتزاماتها القانونية تجاه المحكمة.

كما انتقدت المنظمة ضعف تعاون السلطات الليبية مع المحكمة الجنائية الدولية، رغم التزام ليبيا قانونياً بالتعاون معها بموجب قرار مجلس الأمن وقرار السلطات الليبية بقبول اختصاص المحكمة خلال الفترة من 2011 وحتى 2027.

وأكدت المنظمة أن السلطات الليبية مطالبة بتسليم جميع المطلوبين للمحكمة الموجودين على أراضيها، خاصة مع استمرار الشكوك بشأن قدرة القضاء الليبي على إجراء محاكمات عادلة ومستقلة في القضايا المتعلقة بالجرائم الجسيمة.

أزمة مستمرة في قطاع العدالة

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن قطاع العدالة في ليبيا ما يزال يعاني من الانقسام وضعف البنية القضائية ووجود انتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة، فضلاً عن غياب الإرادة والقدرة على إجراء تحقيقات جادة في الجرائم الخطيرة ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأضافت المنظمة أن جلسة اعتماد التهم ضد الهيشري تسلط الضوء مجدداً على أهمية التعاون الدولي مع المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أن تحقيق تقدم حقيقي في ملف العدالة الليبي يتوقف على مدى التزام السلطات الليبية بتسليم المطلوبين وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات.

يذكر أن مجلس الأمن الدولي أحال الملف الليبي إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير 2011 بموجب القرار 1970، وذلك على خلفية الجرائم والانتهاكات التي رافقت الاحتجاجات الشعبية وسقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، ومنذ ذلك الحين، فتحت المحكمة سلسلة من التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، شملت قضايا قتل وتعذيب واحتجاز تعسفي واضطهاد سياسي، ورغم إصدار المحكمة عدداً من مذكرات التوقيف بحق شخصيات ليبية بارزة، فإن تنفيذ تلك المذكرات ظل محدوداً بسبب الانقسام السياسي والأمني داخل البلاد، إلى جانب ضعف التعاون الدولي في بعض الحالات، ويعد ملف سجن معيتيقة من أبرز القضايا المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، حيث وثقت منظمات دولية وأممية على مدى سنوات تعرض محتجزين داخل السجن لعمليات تعذيب وسوء معاملة واحتجاز خارج إطار القانون.