أعاد نقل الناشطة الإيرانية والحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي، من سجن زنجان إلى مستشفى متخصص في طهران فتح ملف أوضاع السجناء السياسيين في إيران، وسط تحذيرات حقوقية متصاعدة من خطورة الإهمال الطبي داخل السجون، ودعوات دولية متزايدة للإفراج عنها بشكل دائم.
ودفع التدهور الحاد في الحالة الصحية لمحمدي أكثر من 110 حائزين جائزة نوبل إلى المطالبة بتحرك عاجل للإفراج عنها، معتبرين أن استمرار احتجازها رغم وضعها الصحي الحرج يعكس أزمة أوسع تتعلق بالتعامل مع المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين في إيران، خاصة فيما يتعلق بالحق في العلاج والرعاية الطبية داخل أماكن الاحتجاز.
أوضحت صحيفة “الغارديان” أن 112 حائزاً جائزة نوبل دعوا السلطات الإيرانية والمجتمع الدولي إلى التحرك “دون تأخير” لضمان الإفراج الفوري وغير المشروط عن محمدي واستمرار علاجها الطبي، بعد نقلها في 10 مايو إلى مستشفى بارس في طهران وهي في حالة صحية حرجة.
عانت محمدي، وفق البيان المشترك، من فقدان حاد في الوزن، واضطرابات خطيرة في ضغط الدم، وأعراض قلبية متفاقمة خلال فترة احتجازها، بعدما حُرمت لأشهر من الحصول على رعاية طبية متخصصة، قبل العثور عليها فاقدة للوعي داخل زنزانتها إثر نوبة قلبية محتملة.
أكد الموقعون على البيان أن إدخال محمدي إلى المستشفى لا ينهي ما وصفوه بـ”ظلم سجنها”، مطالبين بإسقاط جميع التهم الموجهة إليها، ومحذرين من أن حياتها ما تزال في “خطر وشيك” ما دامت احتمالات إعادتها إلى السجن قائمة.
انتهاك للحقوق والحريات
وصفت الناشطة الأمريكية الحائزة جائزة نوبل للسلام جودي ويليامز ما تتعرض له محمدي بأنه أمر “ما كان ينبغي أن يدفعها إلى حافة الموت”، مؤكدة أن سجن الأشخاص بسبب احتجاج سلمي أو دفاعهم عن حقوق الإنسان يمثل انتهاكاً أساسياً للحقوق والحريات.
وشددت الصحفية اليمنية الحائزة جائزة نوبل للسلام توكل كرمان على أن محمدي تمثل “الصوت الشجاع للنساء المقاومات للظلم”، معتبرة أن استمرار احتجازها يعكس طبيعة القيود المفروضة على النساء والمدافعين عن الحقوق في إيران.
قال نجلها المقيم في باريس علي رحماني إن التعليق المؤقت لتنفيذ العقوبة لا يكفي، موضحاً أن والدته تحتاج إلى رعاية متخصصة طويلة الأمد بعيداً عن “البيئة التي كادت تودي بحياتها”، بعد سنوات من السجن والحبس الانفرادي والإهمال الطبي الممنهج.
تعرضت محمدي البالغة من العمر 54 عاماً لسلسلة اعتقالات متكررة منذ عام 1998 بسبب نشاطها الحقوقي، ومنه حملاتها المناهضة لعقوبة الإعدام والحجاب الإلزامي، في حين صدرت بحقها أحكام متعددة تجاوز مجموعها 44 عاماً من السجن و154 جلدة.
العلاج خارج السجن
أكدت منصة “إيران واير” أن نقل محمدي إلى مستشفى بارس جاء بعد تصاعد الضغوط الحقوقية والمطالبات بنقلها إلى طهران لتلقي العلاج على يد أطباء موثوقين، عقب تدهور حاد في حالتها الصحية داخل سجن زنجان.
أوضح المحامي مصطفى نيلي أن قرار تعليق تنفيذ العقوبة صدر استناداً إلى تقرير طبي شرعي أكد ضرورة استكمال علاج محمدي خارج السجن وتحت إشراف فريق طبي متخصص؛ نظراً إلى تعدد الأمراض التي تعاني منها.
أشار التقرير الطبي، بحسب ما نقلته المنصة، إلى أن الناشطة الإيرانية تعاني من أعراض قلبية خطيرة وعدم استقرار حاد في ضغط الدم، إضافة إلى تراجع جسدي ملحوظ نتيجة الحرمان الطويل من العلاج المناسب داخل السجن.
شددت مؤسسة نرجس التي تتابع ملفها الحقوقي والصحي على أن التعليق المؤقت للعقوبة لا يمثل حلاً حقيقياً، مؤكدة أن محمدي بحاجة إلى رعاية دائمة وضمانات تمنع إعادتها إلى السجن لاستكمال ما وصفته بـ”الأحكام الجائرة”.
لفتت المنصة إلى أن الحملة الدولية المطالبة بالإفراج عن محمدي جرى تنسيقها بين “مبادرة نوبل للنساء” ومؤسسة نرجس، في ظل تصاعد المخاوف من استخدام الوضع الصحي للسجناء السياسيين أداة ضغط وعقاب غير مباشر.
أوضحت الحائزة على جائزة نوبل للسلام ليما غبوي، ضمن البيان، أن شجاعة محمدي ينبغي ألا تكون سبباً لحرمانها من حقوقها الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العلاج والرعاية الصحية.
نُقلت محمدي لأول مرة إلى مستشفى في زنجان يوم 30 أبريل بعد تدهور حاد في حالتها، قبل أن تتصاعد مطالب عائلتها بنقلها إلى العاصمة الإيرانية، وسط تحذيرات من أن استمرار بقائها داخل السجن قد يؤدي إلى نتائج كارثية.
القتل الصامت
وكشف راديو فردا التابع لإذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية أن العائلة اضطرت إلى ترتيب سيارة إسعاف خاصة لنقل محمدي من زنجان إلى طهران، بعد عشرة أيام قضتها في العناية المركزة، وسط عجز الأطباء عن تقديم تشخيص نهائي لحالتها بسبب تعقيد ملفها الطبي.
قال شقيقها حميد رضا محمدي إن ضغط دمها انخفض إلى مستويات حرجة للغاية، موضحاً أن الأطباء يحتاجون إلى أسبوع كامل من الفحوصات والتصوير الوعائي لتحديد مدى التدهور الصحي قبل البدء في أي خطة علاجية.
أشار شقيقها إلى أن محمدي تعرضت لنوبة قلبية مشتبه بها داخل سجن زنجان في 24 مارس أثناء قضائها ما تبقى من حكم بالسجن يمتد إلى 18 عاماً، موضحاً أن حالتها الجسدية تغيرت بصورة كبيرة بعد فقدانها نحو 20 كيلوغراماً من وزنها.
اتهم حميد رضا محمدي السلطات الإيرانية بممارسة ما وصفه بـ”القتل الصامت”، معتبراً أن النظام لا يحتاج دائماً إلى الإعدام المباشر لإسكات الأصوات المعارضة، بل يترك السجناء المرضى يواجهون الانهيار الصحي التدريجي داخل السجون.
استعاد شقيقها مقطعاً من مذكراتها المرتقبة التي من المقرر نشرها لاحقاً هذا العام، حيث كتبت أن الأنظمة الاستبدادية “لا تحتاج دائماً إلى المشنقة، ففي بعض الأحيان تنتظر ببساطة أن ينهار الجسد”.
حذرت عائلتها ومؤسستها الحقوقية من أن إعادة محمدي إلى السجن بعد استقرار حالتها الصحية قد تعني استئناف الظروف نفسها التي أدت إلى انهيارها، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية للإفراج الدائم عنها باعتبارها سجينة رأي ومعاقبتها مرتبطة مباشرة بنشاطها الحقوقي السلمي.
أعادت قضية محمدي فتح النقاش حول أوضاع السجناء السياسيين في إيران، خصوصاً ما يتعلق بالحق في العلاج والرعاية الطبية، بعدما تحولت الأزمة الصحية للناشطة الحائزة على نوبل إلى اختبار جديد لطبيعة تعامل السلطات الإيرانية مع المدافعين عن حقوق الإنسان داخل السجون.
