منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الغذاء تحت الحصار.. ملايين البشر يواجهون الجوع في مناطق النزاع والفوضى

12 مايو 2026
أزمة الجوع جراء نقص المساعدات الإنسانية
أزمة الجوع جراء نقص المساعدات الإنسانية

في كثير من مناطق النزاع والفوضى حول العالم، لم يعد المدنيون يخشون القصف وحده، بل باتوا يخشون اليوم الذي تختفي فيه آخر كميات الدقيق أو الأرز أو الحليب من الأسواق ومراكز الإغاثة، وفي مخيمات النزوح والأحياء المحاصرة والقرى المنكوبة، تحولت الوجبة الواحدة إلى معركة يومية للبقاء، في حين تتزايد التحذيرات الأممية من أن العالم يقترب من واحدة من أخطر أزمات الجوع منذ عقود.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية أن تقييد وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية أصبح عاملاً رئيسياً في تفاقم الكوارث الإنسانية، خصوصاً في الدول التي تعاني من النزاعات المسلحة والانهيار الاقتصادي والكوارث المناخية والنزوح الجماعي.

ووفق “التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025” الصادر عن شبكة معلومات الأمن الغذائي وبرنامج الأغذية العالمي وشركاء أمميين ودوليين، فإن أكثر من 295.3 مليون شخص في 53 دولة وإقليماً واجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2024، بزيادة بلغت 13.7 مليون شخص مقارنة بالعام السابق، في سادس ارتفاع سنوي متتالٍ لمعدلات الجوع الحاد عالمياً.

وأكد التقرير أن النزاعات المسلحة لا تزال المحرك الرئيسي لأزمات الجوع العالمية، إلى جانب الصدمات الاقتصادية والتغيرات المناخية والنزوح القسري، مشيراً إلى أن نسبة الأشخاص الذين يعيشون في مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي تضاعفت أكثر من مرتين منذ عام 2016.

الجوع يتحول إلى أداة ضغط

حذرت منظمة “أوكسفام” الدولية، تعليقاً على نتائج التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025، من أن الجوع لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحروب، بل أصبح يُستخدم بصورة متزايدة سلاحاً ضد المدنيين في مناطق النزاعات، وقالت المسؤولة عن الأمن الغذائي في المنظمة، إيميلي فار، إن العالم بات يشهد تجويعاً يتم تصميمه عمداً عبر الحصار وتعطيل الإغاثة ومنع وصول الغذاء إلى المناطق المتضررة.

وتقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) إن النزاعات المسلحة تؤدي بصورة مباشرة إلى تعطيل الإنتاج الزراعي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وقطع طرق الإمداد، وتدمير الأسواق والبنية التحتية الغذائية، وهو ما يحول الغذاء إلى أحد أكثر عناصر الصراع حساسية وتأثيراً.

وفي تقرير “بؤر الجوع الساخنة” الصادر أواخر 2025 عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، حذرت الأمم المتحدة من أن 16 منطقة حول العالم تواجه خطر تدهور حاد في الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة، بسبب النزاعات والعنف والانهيار الاقتصادي ونقص التمويل الإنساني.

اليمن.. أزمة جوع ممتدة

في اليمن، تواصل الحرب والانهيار الاقتصادي دفع ملايين السكان نحو مستويات خطيرة من الجوع، ووفق بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادرة في يونيو 2025، يواجه نحو نصف سكان المناطق الجنوبية الخاضعة للحكومة اليمنية مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع قيمة العملة المحلية وتعطل الاقتصاد أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في حين يعتمد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

كما أوضح برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل أجبره خلال عام 2025 على تقليص المساعدات الغذائية لملايين اليمنيين، وسط تحذيرات من تفاقم معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل.

هايتي.. الجوع تحت سيطرة العصابات

وفي هايتي، أدت سيطرة العصابات المسلحة على أجزاء واسعة من العاصمة والموانئ والطرق الرئيسية إلى تعطيل وصول الغذاء والوقود والمساعدات الإنسانية، ووفق برنامج الأغذية العالمي، أصبحت هايتي واحدة من أخطر بؤر الجوع في نصف الكرة الغربي، حيث يعيش آلاف الأشخاص في مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأكد “التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025” أن العنف المسلح والانهيار المؤسسي في هايتي أدى إلى نزوح جماعي وارتفاع كبير في أسعار الغذاء، في حين تواجه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المناطق المتضررة.

سوريا.. الغذاء رهينة الانهيار الاقتصادي

وفي سوريا، ورغم تراجع حدة المعارك في بعض المناطق، ما تزال الأزمة الغذائية تتفاقم بفعل الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات الدولية.

ووفق تقرير لبرنامج الأغذية العالمي نُشر في ديسمبر 2025، تمكن البرنامج من الوصول إلى نحو 6.8 مليون شخص من الأكثر تضرراً بانعدام الأمن الغذائي داخل سوريا خلال العام نفسه، لكنه حذر من أن نقص التمويل يهدد بتعليق برامج واسعة للمساعدات الغذائية.

وأكد التقرير أن استمرار القيود الاقتصادية وتراجع التمويل الإنساني وارتفاع أسعار الوقود والغذاء يفاقم هشاشة ملايين السوريين، خصوصاً النازحين والأسر التي فقدت مصادر دخلها خلال سنوات الحرب.

الأطفال في قلب الكارثة

تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من أزمات الغذاء العالمية، إذ يؤدي سوء التغذية الحاد إلى ارتفاع معدلات الوفاة والأمراض وتأخر النمو الجسدي والعقلي.

ووفق بيانات وردت في “التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025″، بلغ عدد الأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون من سوء التغذية الحاد نحو 38 مليون طفل في 26 دولة تعاني من أزمات غذائية حادة.

كما حذرت “يونيسف” من أن نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية يهدد بارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال في مناطق النزاعات والكوارث الإنسانية، خاصة مع تراجع برامج التغذية الطارئة بسبب نقص التمويل.

التمويل المنهار يهدد الملايين

إلى جانب النزاعات، تواجه المنظمات الإنسانية أزمة تمويل غير مسبوقة تهدد قدرتها على الاستجابة للكوارث الغذائية المتصاعدة.

وفي مارس 2025 أعلن برنامج الأغذية العالمي أن نحو 58 مليون شخص مهددون بفقدان المساعدات الغذائية المنقذة للحياة بسبب النقص الحاد في التمويل الدولي، وأوضح البرنامج أن التمويل المخصص لعملياته خلال 2025 تراجع بنسبة تقارب 40% مقارنة بالعام السابق.

وأضاف البرنامج أن التخفيضات التمويلية أجبرته على تقليص الحصص الغذائية أو تعليق بعض البرامج الإنسانية في عدة مناطق أزمات، محذراً من عواقب مميتة على ملايين الأشخاص الذين يعتمدون بالكامل على المساعدات الدولية.

كما كشفت وثائق داخلية نقلتها وكالة رويترز في أبريل 2025 أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي يخططان لخفض واسع في النفقات والعمليات بسبب تراجع التبرعات الدولية وارتفاع الاحتياجات الإنسانية عالمياً.

النزوح والجوع.. دائرة متفاقمة

ترتبط أزمات الغذاء بصورة وثيقة بالنزوح القسري، حيث يفقد ملايين الأشخاص مصادر دخلهم وأراضيهم الزراعية وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء.

ووفق بيانات التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025، يوجد نحو 95 مليون نازح ولاجئ وطالب لجوء داخل دول تعاني من أزمات غذائية حادة، من أصل 128 مليون شخص نزحوا قسراً حول العالم.

وأكد التقرير أن المجتمعات النازحة غالباً ما تكون الأكثر تعرضاً للجوع وسوء التغذية، خاصة في المخيمات والمناطق المعزولة التي تعتمد بالكامل على المساعدات الإنسانية.

القانون الدولي وتجريم التجويع

ينص القانون الدولي الإنساني بشكل واضح على حظر استخدام التجويع ضد المدنيين بوصفه أسلوباً من أساليب الحرب،  وتؤكد المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف حظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين، ومنها الغذاء والمحاصيل الزراعية ومرافق المياه.

كما تبنى مجلس الأمن الدولي عام 2018 القرار رقم 2417 الذي يدين استخدام التجويع وسيلة حرب ويطالب جميع الأطراف بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون معوقات.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مقدمة التقرير العالمي حول أزمات الغذاء 2025، أن النزاعات المسلحة ما تزال السبب الأكبر لتفاقم الجوع العالمي، داعياً إلى ضمان وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى المدنيين دون تسييس أو عرقلة.

كما دعت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إلى فتح تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات المرتبطة بمنع وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية في مناطق النزاعات، معتبرتين أن حرمان المدنيين من الغذاء قد يرقى إلى جريمة حرب في بعض الحالات.

عالم يقترب من حافة المجاعة

تؤكد الأمم المتحدة أن العالم يواجه اليوم أخطر موجة جوع منذ سنوات طويلة، مع تداخل الحروب والانهيارات الاقتصادية والكوارث المناخية وتراجع التمويل الإنساني.

ووفق التقرير العالمي حول أزمات الغذاء، تجاوز عدد الأشخاص الذين يعيشون في مستويات كارثية من الجوع 1.9 مليون شخص، وهو أعلى رقم يسجله التقرير منذ بدء إصدار مؤشراته العالمية عام 2016.

وفي ظل استمرار النزاعات المسلحة وتعطل وصول المساعدات الإنسانية وتراجع الاستجابة الدولية، يبدو ملايين المدنيين حول العالم عالقين في معركة يومية من أجل البقاء، حيث لم يعد الخطر يقتصر على القنابل والرصاص، بل أصبح الجوع نفسه أحد أكثر أسلحة الأزمات قسوة وفتكاً.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية