بلغت الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي مستوى تاريخيًا غير مسبوق من حيث عدد السكان المولودين في الخارج المقيمين داخله، في وقت تتواصل فيه آثار الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية في دفع مزيد من الناس إلى مغادرة بلدانهم.
ووفق أحدث بيانات يوروستات، كان يعيش في دول الاتحاد الأوروبي في 1 يناير 2025 نحو 46.7 مليون شخص مولودين خارج الاتحاد الأوروبي، بزيادة 1.9 مليون على العام السابق، إضافة إلى 18.0 مليون شخص مولودين في دولة عضو أخرى داخل الاتحاد، بزيادة 0.1 مليون.
وبذلك يصل إجمالي المقيمين في الاتحاد الأوروبي من المولودين في الخارج إلى نحو 64.7 مليون شخص، أي ما يعادل 14.4% تقريبًا من سكان الاتحاد.
توسّع شبكات الهجرة
هذا الارتفاع يعكس اتجاهًا طويل المدى، لا طفرة عابرة فقط، فبحسب المادة الإحصائية نفسها، يرتبط نمو السكان المولودين في الخارج في أوروبا بعوامل متعددة، من بينها الحروب الممتدة، والاحتياجات الاقتصادية، والشيخوخة الديموغرافية، وتوسّع شبكات الهجرة القانونية وغير القانونية.
كما تبيّن منشورات يوروستات التفاعلية أن إسبانيا كانت الوجهة الأولى في 2023 للمهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي من حيث الأعداد المطلقة، بعدد يقارب مليون مهاجر أو 24% من جميع الوافدين إلى الاتحاد من الخارج، تلتها ألمانيا بنحو 925 ألفًا أو 21%، ثم إيطاليا وفرنسا وبولندا.
وهذا يعني أن “الصورة العامة” للهجرة داخل الاتحاد ليست موزعة بالتساوي، بل تتركز في عدد محدود من الدول الكبيرة، مع بقاء تباينات كبيرة في الأثر النسبي على الدول الصغيرة.
معدلات هجرة مرتفعة
لكن من حيث الأثر النسبي إلى عدد السكان، تظهر دول أصغر بكثير في الصدارة، فوفق يوروستات، سجلت مالطا في 2024 أعلى معدل هجرة وافدة بالنسبة إلى عدد السكان داخل الاتحاد الأوروبي، بواقع 60 مهاجرًا لكل ألف نسمة، تلتها قبرص بـ42 لكل ألف، ثم لوكسمبورغ بـ38 لكل ألف.
وتوضح هذه الأرقام لماذا تبدو دول صغيرة مثل لوكسمبورغ ومالطا وقبرص “أكثر تأثرًا” بالهجرة من حيث القدرة الاستيعابية والخدمات والبنية السكانية، حتى لو كانت أعداد الوافدين إليها أقل بكثير من الدول الكبرى من حيث القيمة المطلقة.
كما تشير بيانات يوروستات إلى أن لوكسمبورغ سجلت أيضًا أعلى نسبة من غير المواطنين داخل السكان في بداية 2025 عند 47.0%، تلتها مالطا بـ29.4% وقبرص بـ24.8%.
تدفقات بشرية متواصلة
من زاوية أخرى، تكشف تركيبة السكان المولودين في الخارج عن مدى خصوصية بعض هذه الدول الصغيرة، ففي الفئة العمرية 15-74 عامًا، بلغت نسبة السكان المولودين في الخارج في لوكسمبورغ 55.6% في 2023، مقابل 32.5% في مالطا و27.7% في قبرص، وهي مستويات تفوق بكثير المتوسط الأوروبي.
وتؤكد هذه الأرقام أن المسألة لا تتعلق فقط بالهجرة الجديدة، بل أيضًا ببنية سكانية تشكلت عبر سنوات من التدفقات البشرية المتواصلة.
أما ألمانيا، فتبقى الدولة الأكبر استقطابًا من حيث الثقل العددي للمقيمين المولودين في الخارج، وتُظهر بيانات يوروستات الخاصة بالسكان بحسب بلد الميلاد أن عدد السكان المولودين في الخارج المقيمين في ألمانيا يقارب 18 مليون شخص بحلول مطلع 2025، ما يجعلها أكبر بلد أوروبي من حيث هذا المؤشر.
كما أن دراسات أوروبية سابقة عن السكان المولودين في الخارج وذريتهم تؤكد أن نسبة كبيرة من هؤلاء توجد في سن العمل، وهو ما يفسر استمرار ألمانيا كوجهة رئيسية رغم التراجع النسبي في طلبات اللجوء مقارنة بسنوات الذروة.
تراجع نسبي في الطلبات
في موازاة الارتفاع التاريخي في عدد المولودين في الخارج داخل الاتحاد، لا تسير طلبات اللجوء بالوتيرة نفسها، فوفق وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء EUAA، تلقت دول EU+ في 2024 ما يزيد قليلًا على مليون طلب لجوء للعام الثاني على التوالي، لكنها كانت أقل بنسبة 11% عن 2023.
وتركز نحو 80% من هذه الطلبات في خمس دول فقط: ألمانيا بـ237 ألف طلب، وإسبانيا بـ166 ألفًا، وإيطاليا بـ159 ألفًا، وفرنسا بـ159 ألفًا، واليونان بـ74 ألفًا.
كما أظهرت بيانات النصف الأول من 2025 استمرار اتجاه التراجع، إذ سجلت دول EU+ نحو 399 ألف طلب فقط، بانخفاض 23% عن الفترة نفسها من 2024.
لماذا تتغير خريطة المنشأ؟
أحد أكثر التحولات أهمية في 2025 كان تغير تركيبة جنسيات طالبي اللجوء، فقد أشارت وكالة اللجوء الأوروبية إلى أنه بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تراجع عدد السوريين المتقدمين بطلبات لجوء، ولم يعودوا الجنسية الأولى في النصف الأول من 2025.
وبدلًا من ذلك، أصبح الفنزويليون أكبر مجموعة طالبة للحماية خلال تلك الفترة، وهو تحول مهم لأنه يعكس تغيرًا في جغرافيا الضغوط الدولية المؤثرة على أوروبا، من الشرق الأوسط وآسيا نحو أمريكا اللاتينية أيضًا.
كما يفسر لماذا باتت إسبانيا في موقع متقدم جدًا داخل مشهد اللجوء والهجرة، نظرًا لروابط اللغة والتاريخ والقرب الثقافي مع جزء من القادمين من القارة الأمريكية.
تحذيرات من تآكل الحماية
هذا التحول في الأعداد والخرائط لم يمر من دون انتقادات حقوقية قوية، المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين ECRE يرى أن النقاش الأوروبي في 2024 و2025 اتجه أكثر نحو تحويل المسؤولية إلى دول أخرى، بدل تقوية أنظمة اللجوء داخل الاتحاد على أساس عادل وحقوقي.
وفي تقريره السنوي عن 2024، قال المجلس إن دولًا أوروبية ضغطت لإيجاد “حلول مبتكرة” تقوم عمليًا على إبعاد طالبي الحماية عن أوروبا، رغم أن معظم اللاجئين في العالم لا يزالون موجودين أصلًا في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
كما حذّر في دراسة أخرى مع PICUM من أن تمويل الاتحاد للبنية الحدودية والمراقبة قد يتقدم على حساب ضمانات الاستقبال والحماية والإنصاف بين الدول الأعضاء.
أما منظمة العفو الدولية فذهبت إلى أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي، بصيغته المعتمدة والإصلاحات اللاحقة المقترحة على مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة”، يهدد “أساس حماية اللاجئين” في أوروبا.
وقالت في أبريل 2024 إن الميثاق يعرّض الناس لخطر أكبر من الانتهاكات في كل مرحلة من رحلتهم.
ثم عادت في مايو 2025 وديسمبر 2025 لتنتقد بشدة التوجهات التي تسمح بإرسال طالبي اللجوء إلى دول ليست لهم بها صلة حقيقية، ووصفت ذلك بأنه محاولة “لتخفيض مستوى الحقوق” و”تفريغ الحماية من مضمونها”.
تحديات إدارية وسياسية
في المقابل، تتبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين موقفًا أكثر توازنًا من حيث الاعتراف بالتحديات الإدارية والسياسية التي تواجهها الدول الأوروبية، لكنها تشدد على أن أي إصلاح يجب ألا يفرغ الضمانات من مضمونها.
وفي النداء العالمي 2025، اعتبرت المفوضية أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي يمكن أن يمثل فرصة لتحسين إدارة الحركات المختلطة، شريطة وجود ضمانات مناسبة.
كما تذكر المفوضية بأن أوروبا لا تزال واحدة من أكبر مناطق الاستضافة في العالم، مع أكثر من 20 مليون نازح وعديم جنسية بحلول نهاية 2025، بينهم 5.2 مليون لاجئ من أوكرانيا وحدها.
وهذا يعني أن النقاش الأوروبي لا يدور فقط حول “كم شخصًا وصل”، بل أيضًا حول كيف تُدار الحماية وكيف يُوزع العبء وكيف تُصان الحقوق.

