منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من درعا إلى دمشق.. مسار العدالة السورية يبدأ بمحاكمة رموز النظام السابق

26 أبريل 2026
سوريا
سوريا

بدأت السلطات السورية، اليوم الأحد، أولى جلسات محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق في سوريا، في خطوة توصف بأنها مفصلية ضمن مسار العدالة الانتقالية، بعد أشهر من توقيف عدد من المسؤولين السابقين، وسط ترقب واسع من عائلات الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان لما ستسفر عنه هذه الإجراءات.

تضمن جدول المحاكمات في العاصمة دمشق جلسة مخصصة لمحاكمة المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، ما يمثل أول اختبار عملي لمسار العدالة الانتقالية، وذلك وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في وزارة العدل، والذي أكد أن هذه الجلسة تمثل البداية الرسمية لمحاكمة رموز النظام السابق في سوريا.

تجهيزات قضائية واستعدادات رسمية

وأفادت وزارة العدل السورية، عبر قناتها على تطبيق تليغرام، أن وزير العدل مظهر الويس أجرى جولة تفقدية في عدلية دمشق بعد انتهاء جزء من أعمال الترميم، واطلع على تجهيز قاعة محكمة الجنايات الرابعة التي ستحتضن أولى الجلسات، في إطار مساعٍ لإظهار جاهزية المؤسسات القضائية لإدارة هذا الملف المعقد، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية “سانا”.

وذكرت الوزارة أن النيابة العامة حرّكت دعاوى بحق عدد من المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة داخل سوريا، منهم عاطف نجيب، والمفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد الشعار، ورئيس الاستخبارات الجوية الأسبق إبراهيم الحويجة، ووسيم الأسد، في إطار مسار يستهدف محاسبة المسؤولين عن الجرائم وتعزيز سيادة القانون، وتشمل التهم: القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والاعتداء بهدف إثارة الحرب الأهلية، إلى جانب التحريض والمشاركة والتدخل في عمليات قتل.

وأكد وزير العدل مظهر الويس أن محكمة الجنايات في دمشق تستعد لانطلاق المحاكمات العلنية، واصفاً هذه اللحظة بأنها طال انتظارها من قبل الضحايا، ومشدداً على أن هذه الإجراءات تأتي ضمن إطار العدالة الانتقالية الرامية إلى تحقيق الإنصاف ومحاسبة المسؤولين.

جلسات لاحقة وملفات أوسع

وبحسب المصدر ذاته، فإن محاكمة عاطف نجيب ستتبعها جلسات لاحقة تشمل وسيم الأسد، إضافة إلى طيارين شاركوا في قصف مدن وبلدات خلال سنوات النزاع، وكذلك أمجد يوسف المتهم بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، ما يشير إلى اتساع نطاق المحاكمات لتشمل مستويات مختلفة من المسؤولية.

أهمية الخطوة وتحدياتها

وأكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أهمية هذه الخطوة، معتبراً أنها تحمل رمزية استثنائية كونها أول محاكمة علنية لشخصية من الدائرة المقربة للنظام، مشيراً إلى أن العلنية ليست مجرد إجراء شكلي، بل عنصر أساسي من أصول المحاكمات العادلة وتخدم الضحايا والمتهمين على حد سواء.

وأوضح عبد الغني أن مطلب أهالي الضحايا يتمثل في محاكمة كبار المسؤولين وإنزال أقصى العقوبات بحقهم، لكنه أقر بصعوبة تحقيق ذلك عملياً في ظل ضعف الإمكانات القضائية وتعقيد الجرائم المرتكبة التي تتطلب كوادر قانونية متخصصة وآليات متقدمة لبناء الملفات، مشدداً على أن هذه المحاكمات تمثل بداية لمسار طويل من العدالة الانتقالية يرتبط نجاحه بقدرته على إنصاف الضحايا واستعادة حقوقهم.

ويعد عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، من أبرز الشخصيات المرتبطة ببداية الاحتجاجات في سوريا عام 2011، عقب حادثة توقيف أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام، وهي الواقعة التي أثارت غضباً واسعاً وأسهمت في إشعال شرارة الاحتجاجات التي امتدت لاحقاً إلى مختلف أنحاء البلاد.

عقوبات دولية

وتعرض نجيب لاحقاً لعقوبات دولية، إذ أدرجته الولايات المتحدة في أبريل 2011 على قائمة العقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، كما شملته عقوبات أوروبية في مايو من العام ذاته، في مؤشر مبكر على حجم الاتهامات الموجهة إليه.

سقوط النظام وبداية المسار القضائي

وأعلنت السلطات السورية توقيف نجيب في 31 يناير 2025 في محافظة اللاذقية بعد اختفائه لفترة، وذلك عقب الإطاحة بالحكم السابق في ديسمبر 2024، عندما غادر الرئيس السابق بشار الأسد إلى موسكو مع عدد محدود من المقربين، في حين توزع مسؤولون آخرون بين اللجوء إلى دول مجاورة أو العودة إلى مناطقهم داخل البلاد.

وتواصل السلطات الجديدة الإعلان عن توقيف مسؤولين عسكريين وأمنيين من الحقبة السابقة، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم وانتهاكات خلال سنوات النزاع، في مسار يبدو أنه يتجه نحو توسيع دائرة المساءلة تدريجياً.

تندرج هذه المحاكمات ضمن مفهوم العدالة الانتقالية، وهو مسار قانوني وسياسي تتبناه الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة السلطوية لمعالجة انتهاكات الماضي، ويشمل ذلك محاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وقد شهدت تجارب دولية عدة تطبيق هذا النموذج، مثل جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري، ورواندا بعد الإبادة الجماعية، حيث شكلت المحاكمات العلنية أداة أساسية لكشف الحقيقة وتعزيز المصالحة الوطنية. وفي الحالة السورية، يواجه هذا المسار تحديات معقدة، أبرزها حجم الانتهاكات، وتعدد الأطراف المتورطة، وضعف البنية القضائية، ما يجعل نجاحه مرتبطاً بتوافر الإرادة السياسية والدعم القانوني والمؤسسي الكافي لضمان تحقيق العدالة.