في السنغال، كما في دول كثيرة بغرب إفريقيا، لا تُعامل كرة القدم فقط بوصفها لعبة أو مهنة محتملة، بل كثيراً ما تُرى باعتبارها إحدى أواخر السلالم الاجتماعية الممكنة للصعود.
هذا الحلم الذي تغذيه قصص نجوم أفارقة وصلوا إلى أوروبا، فتح في المقابل باباً واسعاً أمام شبكات من المحتالين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم وكلاء أو “كشافون” أو وسطاء قادرون على تأمين تجارب أداء وعقود احتراف خارج القارة.
وبينما يبدو العرض في بدايته فرصة ذهبية، ينتهي كثير من اللاعبين الشباب إلى الخسارة المالية، أو التشرد في بلد أجنبي، أو الوقوع في الابتزاز، وأحياناً إلى مصائر أكثر مأساوية.
وتشير تقديرات يُستشهد بها على نطاق واسع إلى أن نحو 15 ألف لاعب شاب يُنقلون سنوياً من غرب إفريقيا تحت ذرائع أو وعود زائفة، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مؤسسة Foot Solidaire ، مع تأكيد خبراء أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بسبب ضعف التتبع والرقابة.
وتشير أحدث البيانات الإقليمية إلى أن الظاهرة ما زالت حية ومؤذية، ففي نوفمبر 2025، نشرت صحيفة الغارديان تحقيقاً عن شبكات الاحتيال التي تستهدف لاعبي غرب إفريقيا، وركزت على قضية الحارس السنغالي الشاب شيخ توريه البالغ من العمر 18 عاماً الذي استُدرج بوعد تجربة أداء مزعومة في المغرب، قبل أن ينتهي به المطاف في غانا في ظروف مأساوية.
التحقيق قدّم القضية بوصفها مثالاً صارخاً على كيف يتحول حلم الاحتراف إلى مدخل للابتزاز والخداع والاستغلال المنظم.
ضعف الوعي لدى الشباب
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة أن المحتالين لا يعملون في هامش بعيد عن عالم الكرة، بل يستفيدون من ثغراته ومن ضعف الوعي القانوني لدى اللاعبين الشباب وأسرهم.
الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين FIFPRO، أطلق في 2023 حملة خاصة للتحذير من “الوكلاء المزيفين” في إفريقيا، وقال إن أكثر من 70% من اللاعبين الذين شملهم استطلاع إفريقي كانوا قد تواصل معهم شخص ادعى أنه يستطيع مساعدتهم على الانتقال إلى نادٍ آخر، وإن حوالي 80% ممن تم التواصل معهم قالوا إنهم تعرضوا لذلك أكثر من مرة.
وأفاد 56% من الذين وُعدوا بتجربة أداء أنهم لم يحصلوا عليها أصلاً، وقال 44% إنهم لم يوقعوا العقد الذي كانوا يتوقعون توقيعه، كما أشار 70% إلى أنهم لم يتلقوا أي تثقيف بشأن كيفية التعامل مع الوكلاء أو الوسطاء.
هذه الأرقام لا تخص السنغال وحدها، لكنها تعطي صورة قوية عن اتساع الظاهرة في البيئة التي يأتي منها اللاعب السنغالي الشاب.
الاحتيال عبر مواقع التواصل
وتوضح نتائج الاستطلاع نفسه أن الاحتيال لم يعد يجري فقط عبر المقاهي أو المعارف الشخصية، بل عبر أدوات التواصل الحديثة أيضاً، فقد قالت 36% من الحالات إن التواصل الأول كان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في حين قال 45% إنهم تواصلوا مع الشخص مباشرةً وجهاً لوجه.
كما أفاد 27% من اللاعبين الذين تم استهدافهم بأنهم مروا بتجربة سيئة مباشرة مع هذا الشخص، وأشار 78% إلى أن الوسيط لم يرتب الأمور الموعودة بشكل صحيح.
وتفسر هذه النتائج لماذا تبدو الظاهرة واسعة ومراوغة في الوقت نفسه.. فهي تجمع بين الإغراء الرقمي، والضغط المباشر، والوعود السريعة، وغياب المستندات القانونية أو التحقق المستقل.
وفي السنغال تحديداً، يبدو هذا النوع من الاحتيال أكثر قابلية للانتشار بسبب المكانة الهائلة لكرة القدم في المخيل الاجتماعي، وبسبب تصدير البلاد لعدد معتبر من المواهب إلى الخارج خلال العقود الأخيرة.
وتبدو بنية الاحتيال متكررة إلى حد لافت، ففي كثير من الحالات يبدأ الأمر برسالة على فيسبوك أو واتساب أو مكالمة من شخص يقدّم نفسه بوصفه “وكيلاً معتمداً من فيفا” أو ممثلاً لنادٍ أوروبي، يطلب لاحقاً جواز سفر، أو فيديوهات، أو رسوم تأشيرة، أو تذكرة، أو عمولة أولية، ثم يدفع اللاعب إلى السفر.
ووثق الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين حالات مشابهة في إفريقيا وخارجها، منها قصة اللاعب الكيني ديفيس أموزو الذي دُفع إلى السفر إلى ماليزيا بعد أن سُلّمت له وعود كاذبة بالانضمام إلى نادٍ هناك، فدفع هو نفسه 4,000 يورو للوسيط، ثم تُرك عالقاً بلا استقبال ولا عقد، واضطر إلى طلب المساعدة للعودة إلى بلده.
وعلى الرغم من أن الحالة ليست سنغالية، فإنها تكشف آلية استغلال متشابهة جداً مع ما يحدث للاعبين من غرب إفريقيا.
خسارة للاعب وأسرته
اللافت أن الضحية لا يكون هو اللاعب فقط، بل الأسرة أيضاً، فكثير من هؤلاء الشبان يسافرون بأموال جمعتها الأسرة الموسعة أو اقترضتها أو باعت من أجلها مقتنيات؛ لأن الرحلة تُقدَّم على أنها استثمار استثنائي سيغير مصير العائلة بأكملها.
ووصفت وكالة رويترز هذه الدينامية، حين قالت إن كثيراً من هؤلاء الفتية يتم نقلهم إلى الخارج “مقابل آلاف اليوروهات”، وهي في أحيان كثيرة مدخرات الأسرة كلها، ومع فشل الحلم، لا يخسر اللاعب موسمه أو مستقبله فقط، بل تخسر الأسرة أمانها الاقتصادي أيضاً.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود “محتالين”، بل في أن البيئة التنظيمية نفسها ظلت لفترة طويلة تسمح بمساحات واسعة من العمل غير المنظم. ولهذا شددت فيفا في السنوات الأخيرة على إعادة تنظيم مهنة الوكيل، فقد دخلت لوائح وكلاء كرة القدم الجديدة حيز النفاذ الكامل اعتباراً من 1 أكتوبر 2023، مع فرض نظام ترخيص إلزامي وسقف للرسوم ومنع بعض أشكال التمثيل المزدوج، وذلك بهدف “حماية نزاهة نظام الانتقالات” ورفع الشفافية.
وقالت فيفا حينها إنها أصدرت حوالي 4,500 رخصة لأفراد باتوا مؤهلين قانونياً لتقديم خدمات الوكالة اعتباراً من ذلك التاريخ، كما أوضحت في يناير 2025، عبر قسم الأسئلة الشائعة، أن الأشخاص المرخصين فقط من فيفا يحق لهم تقديم خدمات وكيل كرة قدم للعملاء.
احتيال ينتهي في الشارع
وفي تقريرها السنوي عن الوكلاء لعام 2024، قالت فيفا إنها تلقت 19,827 طلب ترخيص خلال الفترة من 1 يناير إلى 5 ديسمبر 2024، وإن 10,887 شخصاً تقدموا للامتحان في أحد الموعدين المقررين، ونجح 40.4% منهم. هذه الأرقام تعكس اتساع سوق الوكلاء من جهة، لكنها تبرز أيضاً أهمية التمييز بين الوكيل المرخّص فعلاً وبين آلاف الأشخاص الذين قد يقدمون أنفسهم بهذه الصفة من دون ترخيص أو صفة قانونية، بالنسبة للاعب السنغالي الشاب، هذا الفارق قد يكون هو الفرق بين طريق احتراف منظم وطريق احتيال ينتهي في الشارع أو في بلد مجهول.
كما تحاول فيفا معالجة جانب آخر من المشكلة عبر FIFA Clearing House، وهو نظام يهدف إلى جعل مدفوعات تعويضات التدريب أكثر شفافية وأتمتة.
ووفق تقرير للفيفا صدر في نوفمبر 2024، جرى تخصيص أكثر من 350 مليون دولار تعويضات تدريب، ودُفع منها 156.6 مليون دولار خلال أول 24 شهراً من عمل النظام.
ورغم أن هذا لا يعالج مباشرةً جرائم “الوكلاء الوهميين”، فإنه مهم لأنه يعزز فكرة أن مسارات انتقال اللاعبين وتوزيع الأموال المرتبطة بتكوينهم يجب أن تمر عبر آليات أكثر شفافية، بدل بيئات غير منظمة تسمح بالاستغلال.
حملات توعية للاعبين
أما من زاوية حقوقية وعمالية، فالمنظمة الدولية للعمل شاركت مع FIFPRO Africa ومؤسسة ديدييه دروغبا في حملات توعية موجهة للاعبين الأفارقة بشأن الوكلاء المزيفين، وهو ما يعكس أن القضية لم تعد تُفهم فقط بوصفها “احتيالاً فردياً”، بل بوصفها أيضاً شكلاً من أشكال الاستغلال المرتبط بالهجرة والعمل.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن النقاش حول الاتجار والفساد والتجاوزات في انتقال اللاعبين أصبح جزءاً من المقاربة الدولية الأوسع التي تربط الرياضة بحقوق العمل وحماية القصر ومنع الاتجار بالبشر.
في السنغال وغرب إفريقيا يتغذى هذا الاستغلال على معادلة قاسية.. موهبة حقيقية، وفقر أو هشاشة اقتصادية، ونظام كروي غير قادر دائماً على استيعاب الطموح المحلي، وصورة ضخمة للنجاح الأوروبي.
ولهذا لا يكون المحتال بحاجة إلى كثير من الإقناع؛ يكفيه أن يعد بتجربة أداء في المغرب أو فرنسا أو بلجيكا أو آسيا، وأن يستخدم لغة قريبة من عالم الكرة و”الاحتراف”، ليصبح بالنسبة إلى كثيرين ممثلاً لأمل نادر.
وهذا ما عبّرت عنه تقارير متعددة عن إفريقيا، حيث قالت FIFPRO إن كثيراً من اللاعبين يُغوَون بوعود “تجارب أداء وعقود ونجاح”، لينتهي الأمر بخسارة المال أو التعطل أو التورط في أوضاع خطرة.
احتجاز وابتزاز وتهديد
الخطر لا يقتصر على خسارة مالية أو إحباط رياضي، بعض الحالات تنتهي بالاحتجاز أو الابتزاز أو التهديد أو التجويع أو المصير المأساوي.
وفي قضية اللاعب السنغالي شيخ توريه التي كشفتها الغارديان في 2025، ظهر كيف يمكن أن تنزلق الرحلة من وعد رياضي إلى شبهة جريمة عابرة للحدود.
وحتى حين لا تبلغ المأساة هذا الحد، فإن لاعباً شاباً يُلقى به في بلد لا يعرفه، من دون عقد ولا إقامة ولا دعم، يكون عرضة للاستغلال في العمل غير النظامي أو التسول أو الخوف من الترحيل.

