منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مع خفض المخصصات الدولية.. أزمة التمويل تدفع آلاف اللاجئين بمصر لحافة العوز

20 أبريل 2026
أزمة خفض التمويل تؤثر في اللاجئين بشكل مباشر
أزمة خفض التمويل تؤثر في اللاجئين بشكل مباشر

لم تعد أزمة اللاجئين في مصر تُقاس فقط بعدد الوافدين، بل أيضًا بقدرة منظومة الحماية على الاستمرار في لحظة يتراجع فيها التمويل بينما تتسع الاحتياجات بسرعة.. هذا ما حذّرت منه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعدما أعلنت أن العجز الحاد في التمويل أجبرها على قطع المساعدات النقدية عن آلاف الأسر اللاجئة، مع تهديد مباشر بتوقف البرنامج بالكامل خلال وقت قريب إذا لم يصل تمويل عاجل.

ووفق المفوضية، فإن أكثر من نصف الأسر المستفيدة فقدت بالفعل الدعم بين يناير ومارس 2026، بينما يواجه ما لا يقل عن 20 ألف أسرة أخرى خطر فقدانه، ومعظم هذه الأسر تعولها نساء وتعتمد على هذا المبلغ المحدود لتأمين الغذاء والإيجار والدواء.

وتكتسب هذه الأزمة وزنًا أكبر لأن مصر أصبحت اليوم واحدة من أهم بلدان الاستضافة في المنطقة، فبحسب المفوضية، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في مصر 1,099,595 شخصًا حتى 31 مارس 2026، فيما أشارت ورقة حقائق للمفوضية إلى أن العدد الإجمالي المسجل بلغ 1.099 مليون في مارس 2026.

انخفاض التمويل المتاح

وقالت المفوضية إن نصيب الفرد من التمويل المتاح انخفض من 11 دولارًا شهريًا في 2022 إلى 4 دولارات فقط في 2025، رغم أن هذه القيمة يفترض أن تغطي حزمة كاملة من الخدمات، من التسجيل والمساعدات النقدية إلى الحماية والصحة.

وأضافت أن برنامج المساعدات النقدية لم يؤمَّن له سوى 2% فقط من احتياجاته لعام 2026، وأن الحد الأدنى المطلوب لمنع الانهيار الكامل للدعم حتى نهاية العام هو 10 ملايين دولار لمساندة 20 ألف أسرة، أي نحو 87 ألف شخص.

ومع ذلك، لا يغطي هذا الرقم سوى جزء محدود من أكثر من 200 ألف لاجئ شديد الهشاشة في مصر ممن لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية من دون دعم خارجي.

ماذا يعني قطع المساعدات؟

في لغة الأرقام يبدو الدعم النقدي بندًا ماليًا، لكنه في حياة الأسر اللاجئة يعني شيئًا أكثر مباشرة.. القدرة على دفع الإيجار، أو شراء الطعام، أو إبقاء الأطفال في المدرسة، أو شراء الدواء.

والمفوضية نفسها وصفت هذه المساعدات بأنها “خط الدفاع الأخير” بالنسبة إلى كثير من الأسر، لذلك فإن تقليصها لا يعني فقط انخفاض الدخل، بل انتقال آلاف العائلات من الهشاشة إلى العوز الفعلي، خصوصًا في بيئة حضرية مرتفعة الكلفة مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية والمدن المستضيفة الأخرى.

وتزداد الأزمة قسوة لأن الجزء الأكبر من المتضررين من الفارين من الحروب، وبينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال، كما أن كثيرًا من هذه الأسر لا تملك شبكات أمان بديلة، ولا قدرة ثابتة على العمل النظامي، ولا مدخرات تتيح لها امتصاص الصدمة.

وعندما يتراجع الدعم في هذا السياق، لا تكون النتيجة مجرد “إعادة ترتيب للإنفاق”، بل قرارات يومية قاسية بين الطعام والسكن والدواء والمواصلات والتعليم.

الموقف الرسمي المصري

من الجانب الرسمي، تؤكد مصر باستمرار أنها تتحمل عبئًا كبيرًا يفوق ما تعكسه أرقام التسجيل لدى المفوضية، ففي بيانات وتصريحات رسمية خلال 2025، قالت القاهرة إنها تستضيف أكثر من 10 ملايين أجنبي بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء وفارين من أزمات إقليمية، وإنها تتبع سياسة “لا مخيمات” تتيح للقادمين العيش داخل المدن والحصول على خدمات أساسية ضمن البنية الوطنية.

وشددت مصر في مناسبات دولية على أنها تتبنى “مقاربة قائمة على الكرامة”، وعلى ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي نصيبه من المسؤولية عبر تقاسم الأعباء وزيادة التمويل للدول المستضيفة.

وتستند القاهرة أيضًا إلى أن الضغط لا يتعلق فقط باللاجئين المسجلين لدى المفوضية، بل بمجمل الأثر الواقع على الخدمات العامة والاقتصاد والبنية التحتية وسوق العمل في بلد يواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية داخلية.

ولهذا تكرر الخطاب الرسمي أن تمويل الاستجابة للاجئين لا ينبغي أن يُترك لميزانيات إنسانية محدودة ومتقلبة، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه جزءًا من دعم الاستقرار في الدول المضيفة.

قانون لجوء جديد

على المستوى التشريعي، أصدرت مصر قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، وهو أول إطار قانوني وطني شامل للجوء في البلاد، وقد نُشر رسميًا في الجريدة الرسمية في 16 ديسمبر 2024.

ويهدف القانون، من حيث المبدأ، إلى وضع تعريفات وإجراءات وطنية لتنظيم اللجوء وإنشاء لجنة دائمة لشؤون اللاجئين.

لكن هذا التحول التشريعي لم ينهِ الجدل، بل فتحه على نطاق أوسع، فقد قالت منظمة العفو الدولية إن القانون يتضمن ثغرات تمس حقوق طالبي اللجوء واللاجئين، منها ضعف ضمانات الإجراءات القانونية، وعدم النص الصريح على حظر الإعادة القسرية، وإمكانية الاحتجاز والترحيل في ظل قيود إجرائية.

كما رأت المنظمة أن القانون نُوقش وأُقر من دون مشاورات كافية مع المجتمعات اللاجئة والجهات الحقوقية، وأنه قد يفاقم هشاشة طالبي الحماية بدل أن يعززها.

المواقف الحقوقية الدولية

القراءة الحقوقية الدولية للأزمة لا تنحصر في التمويل وحده، ففي مارس 2026، أعرب خبراء أمميون عن قلقهم من تصاعد حملات الترحيل والاعتقالات والانتهاكات التي تستهدف لاجئين ومهاجرين وطالبي لجوء في مصر، بمن فيهم أفراد معرضون لخطر الاتجار بالبشر.

وقال الخبراء إن هذه الانتهاكات تقع في لحظة تتزايد فيها أعداد الفارين، بما يجعل تراجع الدعم النقدي جزءًا من مشهد حماية أكثر هشاشة، لا أزمة مالية منفصلة عنه.

ومن الزاوية الحقوقية الأوسع، فإن خفض المساعدات النقدية يمس مباشرة حزمة من الحقوق الأساسية التي لا تنفصل عن اللجوء، مثل الحق في الغذاء الكافي، والسكن الملائم، والصحة، والحماية من التشرد والعنف والاستغلال.

وحذرت مفوضية حقوق الإنسان من أن تقليص المساعدات والتمويل الإنساني عالميًا يهدد بشكل خاص الفئات الأشد ضعفًا، وبينها النساء والأطفال واللاجئون.

وعندما يُترك اللاجئ من دون دخل أو دعم كافٍ في بيئة قانونية واجتماعية واقتصادية ضاغطة، فإن خطر الاستغلال والعمل غير النظامي وزواج القاصرات والتشرد يصبح أعلى بكثير.

كما أن هيومن رايتس ووتش والمنظمات الحقوقية المصرية ربطت بين الحماية القانونية وبين الواقع العملي، مشيرة إلى أن هشاشة الوضع القانوني أو تأخر الإقامة أو صعوبة الوصول إلى التسجيل والخدمات قد يدفع اللاجئين إلى مزيد من العزلة، ما يجعل أي قطع للمساعدات مضاعف الأثر، وفي هذا السياق، لا تصبح المساعدة النقدية مجرد أداة إغاثة، بل عنصرًا من عناصر الوقاية من الانتهاك.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية