منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تراجع الحريات وتعمق الأزمة الحقوقية.. تونس من مسار ديمقراطي واعد إلى واقع مأزوم

17 أبريل 2026
احتجاجات مطالبة بالديموقراطية وحرية التعبير في تونس
احتجاجات مطالبة بالديموقراطية وحرية التعبير في تونس

شهدت تونس خلال عام 2025 تدهوراً ملحوظاً في أوضاع حقوق الإنسان، في تحول لافت عن المسار الذي أعقب ثورة 2011، حيث كانت البلاد توصف بنموذج ديمقراطي ناشئ في المنطقة، وتؤكد تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن هذا التراجع بات واضحاً في مختلف المؤشرات المرتبطة بالحريات العامة وسيادة القانون، كما تشير هذه التقارير إلى أن الضغوط على الحقوق المدنية والسياسية لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت نمطاً متكرراً يعكس تغيراً هيكلياً في المشهد الحقوقي.

منذ إعلان الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة اتسمت بتركيز السلطات بيد السلطة التنفيذية، وأوضحت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 أن هذه الإجراءات شملت تعليق عمل البرلمان ثم حله لاحقاً، إلى جانب إصدار مراسيم رئاسية أعادت صياغة النظام السياسي، وترى المنظمة أن هذه التحولات أسهمت في إضعاف الضوابط المؤسسية التي كانت تضمن التوازن بين السلطات، ما انعكس مباشرة على واقع الحقوق والحريات.

تفكيك التوازن المؤسسي

أكدت هيومن رايتس ووتش أن حل المجلس الأعلى للقضاء في عام 2022 وعزل 57 قاضياً شكلا نقطة تحول في مسار استقلال القضاء في تونس، وأوضحت المنظمة في تقاريرها أن هذه الخطوات أثارت مخاوف جدية بشأن قدرة القضاء على أداء دوره بوصفه سلطة مستقلة، كما اعتبرت أن هذه الإجراءات أدت إلى تراجع الثقة في المنظومة القضائية، وهو ما ينعكس على ضمانات المحاكمة العادلة.

تصاعد الملاحقات القضائية

تشير بيانات منظمة العفو الدولية إلى أن أكثر من 80 شخصاً تعرضوا منذ نهاية 2022 لملاحقات قضائية أو احتجاز تعسفي بسبب ممارستهم لحقوقهم الأساسية، وتشمل هذه الفئة سياسيين وصحفيين ونشطاء ونقابيين، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف، وتؤكد المنظمة في تقريرها لعام 2025 أن هذه الممارسات تشير إلى استخدام متزايد للأدوات القانونية لتقييد حرية التعبير والتجمع السلمي.

كما حذرت جمعية ضحايا التعذيب من أن القضاء في تونس يشهد تحولاً نحو التسييس، حيث يتم استخدامه في ملاحقة المعارضين والنشطاء، وأشارت الجمعية في بيان إلى ما وصفته بتجاوزات قانونية من قبل قضاة التحقيق، معتبرة أن ذلك يقوض مبادئ العدالة، كما أكدت أن هذا الوضع يؤدي إلى فقدان الضمانات الأساسية التي يفترض أن تحمي المواطنين من التعسف.

وفي سابقة لافتة، يخضع ستة مدافعين عن حقوق الإنسان لمحاكمات جنائية بسبب عملهم في دعم اللاجئين، واعتبرت منظمة العفو الدولية أن هذه المحاكمات تمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الأساسية، كما أكدت أن ملاحقة النشطاء بسبب عملهم الحقوقي تضعف مناخ الحريات في تونس.

حملات اعتقال متواصلة

وثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال تعسفي طالت فئات مختلفة من المجتمع، ومنها نساء ومسنون، في ظل غياب معايير واضحة للإجراءات القانونية، وأكدت جمعية ضحايا التعذيب أن هذه الاعتقالات تتم في كثير من الأحيان دون مراعاة الظروف الصحية أو الإنسانية للموقوفين، كما اعتبرت أن هذه الممارسات تعكس تراجعاً خطيراً في احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.

تراجع حرية التعبير

أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات التونسية كثفت القيود على حرية التعبير والصحافة خلال 2025، من خلال ملاحقة الصحفيين والنشطاء وإصدار قوانين تحد من العمل الإعلامي، وأوضحت المنظمة أن هذه القيود أدت إلى انتشار الرقابة الذاتية بين الإعلاميين، كما أشارت إلى أن هذا المناخ يحد من قدرة المجتمع على الوصول إلى معلومات مستقلة وموثوقة.

كما أفادت منظمة “فريدوم هاوس” في تقريرها لعام 2025 بأن تصنيف تونس من حيث الحرية السياسية وحرية التعبير شهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات التي أعقبت ثورة 2011، في ظل تصاعد القيود على المعارضة والمجتمع المدني والإعلام.

استهداف المجتمع المدني

شهد عام 2025 تصعيداً ملحوظاً ضد المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، حيث تم تعليق نشاط ما لا يقل عن 14 منظمة لمدة 30 يوماً، وأوضحت منظمة العفو الدولية أن بعض هذه القرارات اتخذت دون احترام الإجراءات القانونية المنصوص عليها، كما حذرت من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى تقويض دور المجتمع المدني بوصفه فاعلاً أساسياً في حماية الحقوق.

وأفادت منظمة العفو الدولية أن نحو 20 منظمة غير حكومية واجهت صعوبات في تلقي التمويل خلال 2025 بسبب قيود مصرفية وإدارية، وأشارت إلى أن بعض التحويلات المالية تأخرت لأسابيع طويلة، ما أثر في تنفيذ البرامج، كما أكدت أن هذه القيود تعرقل العمل الإنساني والحقوقي في البلاد بشكل مباشر.

وحذرت هيومن رايتس ووتش من مشروع قانون جديد يمنح السلطات صلاحيات واسعة للتدخل في عمل الجمعيات، وأوضحت أن هذا المشروع قد يقوض استقلالية المجتمع المدني، كما اعتبرت أن هذه الخطوة تهدد أحد أبرز مكاسب ثورة 2011.

ووثقت منظمة العفو الدولية تصاعد حملات التشويه ضد المنظمات الحقوقية خلال 2025، وأشارت إلى أن هذه الحملات تضمنت اتهامات بالخيانة والعمالة. كما أكدت أن هذا المناخ يخلق بيئة عدائية تعوق العمل الحقوقي.

ملف المهاجرين تحت الضغط

أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن ما لا يقل عن 10 آلاف مهاجر تعرضوا لعمليات طرد جماعي بين 2023 و2024، مع استمرار التداعيات في 2025، وأوضحت أن هذه العمليات تمت في ظروف قاسية تضمنت انتهاكات جسيمة، كما حذرت من أن غياب آليات الحماية يعرض هذه الفئات لمخاطر متزايدة.

انتقدت هيومن رايتس ووتش اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وتونس، التي تبلغ قيمتها نحو مليار يورو، وأشارت إلى أن جزءاً منها مخصص للحد من الهجرة ولكن بدون ضمانات حقوقية كافية، كما دعت إلى ربط التمويل باحترام حقوق الإنسان بشكل واضح.

قيود مصرفية و تدهور اقتصادي

أفادت منظمة العفو الدولية بأن منظمات عديدة واجهت صعوبات في فتح حسابات مصرفية أو تلقي التمويل، وأوضحت أن بعض البنوك رفضت التعامل مع جمعيات دون مبررات واضحة، كما أدى ذلك إلى تعطيل مشاريع إنسانية وتنموية.

تزامن التراجع الحقوقي مع أزمة اقتصادية حادة، حيث سجلت تونس معدلات تضخم مرتفعة خلال 2025، وأشارت بيانات حكومية إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، كما انعكس ذلك على مستوى المعيشة بشكل عام.

أظهرت بيانات البنك الدولي أن نسبة الفقر في تونس بلغت نحو 16 بالمئة خلال 2025، وأشارت إلى تزايد الضغط على الطبقات الوسطى. كما يعكس ذلك تدهوراً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وبلغت نسبة البطالة نحو 15 بالمئة خلال 2025 بحسب المعهد الوطني للإحصاء في تونس، وأظهرت البيانات أن الشباب هم الأكثر تضرراً، كما يعكس ذلك تحديات هيكلية في سوق العمل.

أدى التدهور الاقتصادي إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي في البلاد، وأشارت تقارير إلى صعوبات متزايدة تواجهها الأسر في تأمين احتياجاتها الأساسية، كما انعكس ذلك على الاستقرار الاجتماعي.

تحذيرات من التعذيب

حذرت جمعية ضحايا التعذيب، ومقرها جنيف، من مؤشرات متزايدة على عودة ممارسات التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز في تونس، مؤكدة في بيانها أن هذه الانتهاكات لم تعد حالات فردية معزولة، بل باتت تعكس نمطاً مقلقاً في التعامل مع الموقوفين، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بحرية التعبير، وأشارت الجمعية إلى أن غياب آليات رقابة مستقلة وفعالة داخل أماكن الاحتجاز، إلى جانب ضعف المساءلة، يسهم في تفاقم هذه الانتهاكات ويحد من إمكانية توثيقها بشكل كامل.

وفي السياق ذاته، أفادت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، استناداً إلى بيانات من شركائها المحليين، بتسجيل عشرات الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة خلال 2024 و2025، تشمل الضرب والإهانة والحرمان من الرعاية الصحية داخل مراكز التوقيف، كما أشار المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تلقيه إفادات متكررة من عائلات موقوفين حول ظروف احتجاز قاسية، دون فتح تحقيقات جدية في معظم الحالات، وتؤكد هذه المعطيات، وفق هذه المنظمات، أن استمرار هذه الممارسات يشكل انتهاكاً صريحاً لاتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها تونس، ويستدعي تدخلاً عاجلاً لضمان المساءلة وحماية حقوق المحتجزين.

موقف الأمم المتحدة

أكدت الأمم المتحدة أن بعض حالات الاحتجاز في تونس تندرج ضمن الاحتجاز التعسفي، ودعت إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين. كما شددت على ضرورة احترام الالتزامات الدولية.

دعت منظمات دولية بارزة، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمة الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، إلى ضرورة ربط أي تعاون اقتصادي أو مالي مع تونس باحترام واضح وملموس لحقوق الإنسان، وأكدت هذه المنظمات في بيانات وتقارير صادرة خلال 2025 أن استمرار الدعم الدولي دون شروط قد يسهم في ترسيخ الانتهاكات، خاصة في ظل ما وصفته بتراجع الضمانات الأساسية للحريات العامة واستقلال المؤسسات، كما شددت على أن الشراكات، خصوصاً مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، يجب أن تتضمن آليات رقابة فعالة تضمن عدم توجيه التمويل إلى سياسات أو أجهزة متورطة في انتهاكات.

وفي السياق ذاته، دعت هذه المنظمات إلى ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي متوازن على السلطات التونسية من أجل تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ووقف الملاحقات القضائية ذات الطابع السياسي، وضمان استقلال القضاء بشكل كامل، كما أكدت أن احترام سيادة القانون يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المجتمع الدولي، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤثر سلباً في علاقات تونس الخارجية ومكانتها ضمن الشراكات الدولية.

الإطار القانوني الدولي

تنص المواثيق الدولية الأساسية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ضمان حماية حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها، باعتبارهما من الركائز الجوهرية لأي نظام ديمقراطي، وفي السياق ذاته، شددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على أن أي قيود تُفرض على هذه الحقوق يجب أن تكون محددة بالقانون وضرورية ومتناسبة مع الهدف المشروع، وهو ما اعتبرت أنه لا يتحقق في عدد من الحالات الموثقة في تونس، كما دعت المفوضية السلطات التونسية إلى مراجعة السياسات والتشريعات ذات الصلة، وضمان توافقها مع المعايير الدولية، مؤكدة أن احترام هذه الالتزامات يمثل شرطاً أساسياً لحماية الحريات وتعزيز سيادة القانون.

تواجه تونس تحديات معقدة تتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية، وأكدت تقارير دولية ضرورة استعادة الثقة في المؤسسات. كما شددت على أهمية حماية الحقوق.

تشير المعطيات إلى أن تونس واجهت في 2025 اختباراً حقيقياً لمستقبلها الحقوقي وتؤكد التقارير الدولية أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تداعيات أعمق. كما تبرز الحاجة إلى إصلاحات شاملة تضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية